في الحاجة إلى فتح نقاش علمي ومسؤول حول سؤال المشيخة الصوفية

محمد التهامي الحراق
نحتاج في السياق الصوفي الإسلامي أن نفتح نقاشا علميا وعرفانيا جديا وجادا ومسؤولا وعميقا حول سؤال المشيخة الصوفية في زماننا الراهن.
لا أتحدث هنا عن المشيخات الرمزية التي ترث إرثا روحيا وتربويا تحافظ عليه، وتعتبره أمانة رمزية تواصل حمايتها، دون أي ادعاء أو زعم بالإتيان بما لم تأت به الأوائل؛ فمثل هذه المشيخات محفوظة بحدود وظائفها التنسكية والاستمدادية الرمزية الخالية من كل دعوى.
ولكن حديثي أساسا عن المشيخات المستحدثة التي تزعم “الإذن المحمدي” و”الفتح اللدني” وتتقمص من نعوت “القطبانية” و”العرفان” ما يجعل بعض أتباعها يسندون لها فتوحا لم يدركها لا الحلاج ولا الغزالي ولا ابن العربي الحاتمي…في تطاولات لا علم فيها ولا أدب معها.
وهنا، يطلب أهل الشأن البرهان على صدق هذه الدعاوى؛ ومفاده أن يدلي هؤلاء المدعون بمعارفهم أولا في العلوم الشرعية، وتفوقهم فيها إذ لا دخول على الحقيقة إلا من باب الشريعة؛ قبل الإتيان بأدلة ودلائل فتوحهم في علم الحقيقة، بما يتلاءم وأسئلة واحتياجات وقضايا وإحراجات المسلم المعاصر؛ لأن الصوفي ابن وقته.
على أن ثمة إشكالات روحانية عميقة تعاني منها الإنسانية في عالم الحداثة، أربكت وتربك أهل الإيمان معرفة وروحانية وتعبدا وأخلاقا…تحتاج إلى أجوبة جديدة من داخل الإبستمية المعاصرة ومن داخل العصر المعرفي الراهن، علوما ومعارف ومنطقا ومنهجا، وتحتاج فتوحا من أجل استنبات المعارف الروحانية في تربتها المغايرة جذريا للتربة التي استقبلت كثيرا من فتوح الأجداد، وفتوحا لم تسبق في فهم كلام الله وجوامع كلم النبي الخاتم.
هذه بعض أوجه ما قد يدهشنا فيه وبه “مشايخنا” الجدد…وهذا نوع من الأفق التجديدي الذي قد يُطالَب به “العارف” أو “القطب” اليوم حتى “يطعمنا لحما طريا ولا يطعمنا القديد” إذا استعرنا عبارات تاج الأولياء سيدي أبي مدين الغوث رضي الله عنه.
أيها السادة نحتاج إلى عقول شامخة وأرواح واصلة وقلوب صادقة ونفوس متزكية تنقذنا من ارتباكاتنا ومضايق أزمة المعنى التي تطوقنا، لا إلى من يكون نتاجا لهذه الأزمة نفسها، وجزءا من تخبطاتها.
والله أعلم.




التعليقات