فلسفة القراءة بين الوصل القرآني والانقطاع الحداثي

27 يونيو 2026
القرآن والبحث والباحث والمبحوث في الفضاء الأكاديمي والثقافي العربي-المسلم؛
اختلالات بنية التلقي المعرفي وآفاق استئنافها. المقالة السادسة (1/3)
فلسفة القراءة بين الوصل القرآني والانقطاع الحداثي: تذكرات في سورة العلق
الدكتور رفيق الناوي
مدخل: الآية التي تسبق كل شيء
في تاريخ الوحي الإسلامي لحظةٌ فريدة لا تُشبهها لحظة: لحظة نزول أول آية. وما يُلفت في هذه اللحظة ليس فقط ما قِيل، بل كيف قِيل، وبأي كلمة بدأت الرسالة إلى العالم. فمن بين جميع ما يمكن أن يبدأ به وحي يُؤسس حضارةً ويُعيد تشكيل الإنسان والاجتماع والمعرفة، جاء الأمر الأول: اقرأ.
لم يكن الأمر الأول: آمن. ولم يكن: اعبد. ولم يكن: أطع. كان: اقرأ.
وهذه الإشارة لا ينبغي أن نمرّ عليها مرور العابر، بل تستحق منا تأملاً عميقاً ي في محاولة للكشف عن رؤية للإنسان والمعرفة والعلاقة بينهما، نميل إلى الاعتقاد بكونها لا تزال تنتظر استخلاصها بالكامل.
هذه المقالة محاولة في هذا الاستخلاص؛ لكنها ليست تفسيراً قرآنياً بالمعنى الاصطلاحي المتداول في علوم التفسير، بل قراءة في أبعاد الأمر القرآني الأول من منظور إشكاليتنا المركزية: إشكالية المعرفة وموقع الباحث وطبيعة السؤال. وهي قراءة تنطلق من يقين أن في هذه الآيات الخمس الأولى من سورة العلق ما يُؤسّس لرؤية كاملة للمعرفة الإنسانية – شرطها ووجهتها وحدودها وغايتها – رؤية لم تُستنفد بعد ولا تزال تنتظر من يشتبك معها بالعمق الذي تستحقه. وهذا ما نفهم من الآيات الآتية: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُّدَّكِر﴾ (القمر: 17-22-32-40) ﴿فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ وَتُنذِرَ بِهِ قَوْمًا لُّدًّا﴾ (مريم: 97) ﴿فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُون﴾ (الدخان: 58)
المحور الأول: النص في أفقه التدبري؛ من الدلالة إلى الإشارة
﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ، خَلَقَ الْإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ، اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ، الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ، عَلَّمَ الْإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ (العلق: 1-5).
خمس آيات فقط. لكنها تحمل – لمن يتأمل – بنيةً معرفية كاملة. لنقف عند عناصرها:
أولا: الباء في ﴿باسم ربك﴾ – بين الملازمة والاستعانة
﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ (العلق: 1)
حرف الباء في قوله تعالى ﴿باسم ربك﴾ من المواضع التي أولاها النحاة والمفسرون عنايةً دقيقة، وانقسموا فيه على وجوه ثلاثة يختلف كل منها عن الآخر في التقدير والمعنى والأثر الدلالي. وليس هذا الاختلاف من باب الخلاف اللفظي العقيم، بل هو اختلاف يُنتج معاني متمايزة تستحق التأمل من منظور إشكاليتنا المعرفية.
الوجه الأول: باء الملازمة والإلصاق
ذهب طائفة من أهل اللغة إلى أن الباء هنا للإلصاق والملازمة -وهو ما اصطلح عليه النحاة بـ”باء الإلصاق”- وتقدير الكلام على هذا الوجه: اقرأ ملازماً اسمَ ربك، أي متلبساً به طوال فعل القراءة لا في أولها وحسب. قال أبو حيان الأندلسي في تفسيره موضحاً هذا المعنى: “والباء للملازمة كما تقول: كتبت بالقلم، أي التصقت الكتابة بالقلم”، مُشيراً إلى أن الفرق بين قولك “أخذت بزمام الناقة” و”أخذت زمامها” أن الباء تُفيد المباشرة والإلصاق دون احتمال الواسطة (أبو حيان الأندلسي، البحر المحيط، 10/506). وعلى هذا الوجه يكون الجار والمجرور في محل نصب حال من فاعل الفعل: أي اقرأ حال كونك ملازماً لاسم ربك ومتلبساً به.
وهذا الوجه يُنتج دلالةً معرفية بالغة العمق: فالاسم ليس مجرد افتتاح تُبدأ به القراءة ثم يُنسى، بل هو حضور مصاحب دائم في كل لحظة من لحظات فعل القراءة والإدراك والفهم. لا يُقال -على هذا التأويل- إن الباحث يستحضر المرجعية في البداية ثم يمضي مستقلاً عنها، بل إن الاسم يُلازم الفعل المعرفي من أوله إلى آخره، كما يُلازم القلمُ حركةَ الكتابة في كل نقطة تسير إليها.
وقد أشار إلى هذا المعنى الإمامُ الزمخشري في الكشاف وإن بصياغة مختلفة، حيث رأى أن الباء تُفيد أن القراءة لا تنفك عن التسمية ولا تُباشَر إلا من خلالها (الزمخشري، الكشاف، 4/773). وهذا التأويل يجعل العلاقة بين القراءة والاسم علاقةً بنيوية لا إجرائية: ليست إجراءً يُضاف إلى الفعل من الخارج، بل شرطاً يُشكّل الفعل من الداخل.
الوجه الثاني: باء الاستعانة
وذهب آخرون – وهو أشهر الوجوه وأوسعها تداولاً في كتب التفسير – إلى أن الباء للاستعانة، والتقدير: اقرأ مستعيناً باسم ربك. والجار والمجرور على هذا الوجه متعلقان بفعل الأمر مباشرة. قال الطبري في جامع البيان مُرجِّحاً هذا المعنى: “اقرأ يا محمد بعون ربك وتوفيقه واسمه” (الطبري، جامع البيان، 24/468). وعلى هذا الوجه تكون القراءة فعلاً يُطلب فيه العون من الله لا فعلاً يستقل به الإنسان بقدراته الذاتية وحدها.
وهذا الوجه يُنتج في سياقنا المعرفي دلالةً أخلاقيةً وجوديةً عميقة: الباحث حين يقرأ ويبحث ويُنتج المعرفة ليس واثقاً من كفاية عقله وحده بل يعترف بأنه يحتاج إلى عون يتجاوزه. وهذا الاعتراف ليس استسلاماً أو تنازلاً عن الجهد العقلي، بل هو الموقف الأنطولوجي الذي يُعطي الجهدَ العقليَّ معناه الصحيح: الإنسان يجتهد مستعيناً لا مكتفياً، يسعى متوكلاً لا مستبداً بعقله، يُنتج المعرفة مستمداً لا مبتدعاً من فراغ.
وهذه الدلالة تُضرب في وجه المشروع المعرفي الحداثي الذي جعل العقل سيداً مكتفياً بذاته. فمن يقرأ مستعيناً يعترف بأن ثمة ما يفوق طاقته في موضوع بحثه -سواء أكان هذا الموضوع الإنسانَ أم المجتمعَ أم التاريخَ- وأن العون الإلهي ليس مجرد دعاء عاطفي بل يقين معرفي بمحدودية الأداة العقلية مهما بلغت.
وقد ربط الراغب الأصفهاني بين معنى الاستعانة في هذه الآية وبين مفهوم الاستخلاف الإنساني، إذ أشار إلى أن الاستعانة باسم الله في القراءة تُؤكد أن المعرفة الإنسانية في أصلها استئمان لا امتلاك (الراغب الأصفهاني، المفردات في غريب القرآن، مادة “قرأ”). والاستئمان يقتضي من المستأمَن أن يُؤدّي ما أُعطيه بالأمانة والصدق والمسؤولية، لا أن يتصرف فيه بوصفه مالكاً.
الوجه الثالث: الباء الزائدة للتوكيد
وذهب بعض النحاة إلى أن الباء زائدة للتوكيد، والتقدير: اقرأ اسم ربك، والقراءة على هذا الوجه تعني تلاوة اسم الله وذكره. وإن كان هذا الوجه أضعف من سابقيه في الدلالة المعرفية التي تخدم إشكاليتنا، إلا أنه يحمل في ثناياه معنىً لافتاً: حين تكون القراءة قراءةً للاسم – أي قراءةً تُدرك في موضوعها صفاتِ الله ومعانيَه – فإنها تتحول من فعل ذهني بحت إلى فعل آياتي: قراءة الإنسان والطبيعة والمجتمع بوصفها آيات تدل على خالقها وتُفصح عن حكمته. وهذا المعنى وإن كان مستنبطاً من أضعف الوجوه إعرابياً إلا أنه متسق مع ما تُؤسّسه الآيات اللاحقة من أن الله علّم الإنسان ما لم يعلم؛ أي أن كل معرفة إنسانية حقيقية هي في نهاية المطاف قراءة في علم الله المنبثّ في الكون والإنسان.
خلاصة ما تُنتجه الوجوه مجتمعةً
والناظر في الوجهين الرئيسيين يجد أن ما بينهما ليس تضاداً بل تكاملاً: فالاستعانة تُحدد موقف الباحث قبل الشروع في البحث – وهو موقف الاعتراف بالحاجة وطلب العون – والملازمة تُحدد طبيعة العلاقة طوال مسيرة البحث – وهو أن الاسم لا يُودَّع عند الباب بل يُصاحب الفعل في كل مرحلة منه.
وهذا ما تعنيه القراءة باسم الرب بمعناها الوجودي الكامل: لا افتتاح فحسب، ولا اصطحاب روحي عاطفي فحسب، بل استعانة تُؤسّس الموقف وملازمة تُشكّل المسيرة – وكلاهما مغيّبان تغييباً شبه تام في الممارسة البحثية للمثقف ـ الباحث المسلم المعاصر، وفي المنظومة المعرفية الحداثية التي يشتغل في ظلها.
ثانيا: ﴿خَلَقَ الْإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ﴾؛ في المعنى الوجودي للتعلّق
1- ما أغفله النظر التكويني الضيّق
ذهب كثير من المفسرين في تناولهم لقوله تعالى: ﴿خَلَقَ الْإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ﴾ مذهباً غلب عليه البُعد الخَلقي التكويني المادي: فالعلق هو الدم المتخثر، أو الكتلة المتعلّقة في جدار الرحم في أول أطوار الجنين. وهذا المعنى صحيح ومشهور في كتب التفسير، وقد أورده الطبري وابن كثير والقرطبي وغيرهم (الطبري، جامع البيان، 24/469؛ ابن كثير، تفسير القرآن العظيم، 4/531)، وعلى أساسه بُنيت قراءة شائعة للآية مؤداها أنها تُقيم مقابلة بين ضآلة أصل الإنسان وعظمة التكليف الذي أُنيط به: كيف يُؤمر بالقراءة من كان في الأمس قطعةً من دم؟
غير أن الاقتصار على هذه القراءة -وإن كانت صحيحة فيما أفادته- يُفقر الإشارة القرآنية من أبعاد وجودية ومعرفية لا تنبثق من المعنى الجنيني البيولوجي وحده، بل تنبثق من ثروة اللفظ العربي نفسه: لفظ العَلَق الذي تتشعّب منه دلالات التعلّق والالتصاق والافتقار والتهيؤ للنشوء.
والجذر اللغوي “عَلِقَ” يحمل في طياته ثلاثة معانٍ متشابكة: التعلّق بالشيء والالتصاق به، والافتقار إليه والاحتياج لبقائه، والتهيؤ لأمر يُنتظر (ابن فارس، مقاييس اللغة، مادة “علق”). وهذه المعاني الثلاثة في مجموعها تُصوّر حالة الكائن الذي وجوده كله قائم على الانتساب إلى ما يتجاوزه: ليس شيئاً مكتملاً بنفسه، ولا عدماً لا وجود له، بل وعدٌ بالتشكّل: بداية مستكنة لكمال آتٍ، وحياة كامنة في هيئة لا توحي ظاهراً بما ستؤول إليه من صورة وجمال ونطق ووعي وحضور.
2- العلق بوصفه بنية وجودية للإنسان في علاقته بالمعرفة
إذا استُوعبت هذه الأبعاد اللغوية في قراءة الآية انفتح أفق تأويلي يتجاوز المقابلة الثنائية البسيطة بين ضعف الأصل وعظمة التكليف، نحو رؤية أكثر عمقاً وتركيباً: الإنسان المأمور بالقراءة لا يُستدعى إلى الفعل المعرفي من موقع الاكتمال والاستغناء، بل من موقع العلق.
وهذا التأويل ذو دلالة معرفية عميقة: فالقراءة لا تبدأ من كبرياء العقل الذي يمتلك ويستغني، بل من فقر الإنسان إلى الخالق؛ لا تنطلق من استقلال الذات بنفسها، بل من تعلّقها بالرب الذي خلق وعلّم وربّى. والتعلّق هنا ليس ضعفاً يُذمّ بل موقف وجودي يُحمد؛ إنه الاعتراف الصادق بأن المعرفة لا تنبثق من ذات مكتفية بل من ذات مفتقرة؛ وهذا الاعتراف هو الشرط الأول للقراءة الحقيقية.
وهنا يكتسب مفهوم الاستعانة الذي تُفيده الباء -كما بيّنا في الفقرة السابقة- بُعداً أنطولوجياً لا يُستمد فقط من التأويل النحوي بل من صميم طبيعة الإنسان كما رسمتها الآية: الإنسان كائن علق؛ أي كائن تعلّق وافتقار بطبعه الأصيل، فاستعانته بالله في قراءته ليست مجرد أدب ديني بل امتداد طبيعي لما هو عليه في أصل تكوينه.
3- العلق وأطوار الخلق؛ من التواضع إلى الكمال
من أبلغ ما تُفيده الإشارة إلى العلق هو ذلك المسار الذي يُشير إليه القرآن في مواضع أخرى، حيث يتتابع الخلق في أطوار: من نطفة إلى علقة إلى مضغة إلى عظام تُكسى لحماً إلى إنسان مكتمل في أحسن تقويم (المؤمنون: 12-14). وفي هذا التتابع رسالة وجودية عميقة: لا كائن يبقى في طور العلق، فالعلق بطبيعته مرحلة انتقال لا حال استقرار؛ وجوده كله موجّه نحو ما يتجاوزه، مشدود إلى أفق تكامله وكماله.
فإذا كانت القراءة تبدأ من موقع العلق؛ من موقع الافتقار والتعلّق والتكوّن، فهي بذلك تتضمن في بنيتها الأصيلة وعداً بالتجاوز؛ بحيث لا تبقى القراءة التي تُؤسَّس باسم الرب مجرد نشاط ذهني محدود، بل تصير؛ بحسب هذا الأفق الأنطولوجي؛ مساراً في كمال الإنسان وإعادة تشكّله عبر قوسي الصعود والنزول. كما لا تبقى العلقة علقةً بل تعبر أطواراً من الخلق والتسوية فالولادة الجنينية المرافقة للضعف ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً ۚ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ ۖ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ۞﴾ (الروم: 54) إلى أن يصل إلى حد الاستواء والرشد الآية ﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَىٰ آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا ۚ وَكَذَٰلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ۞﴾ (القصص: 14) ﴿وَأَنَّا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ وَمِنَّا الْقَاسِطُونَ ۖ فَمَنْ أَسْلَمَ فَأُولَٰئِكَ تَحَرَّوْا رَشَدًا۞﴾ (الجن: 14). إن القراءة الموصولة بالرب الرحيم الخالق لا تبقى في طور الاستهلاك المعلوماتي بل تسعى نحو الرشد والحكمة؛ أي نحو ذلك الكمال المعرفي الذي يُوحّد بين العلم والموقف والمسؤولية، بين الفهم والممارسة، بين القول والفهم، بين الإيمان والعمل الصالح.
وهذا ما يُسمّيه أهل العرفان بمراتب العلم: من علم يُدرك بالحواس، إلى علم يُفهم بالعقل، إلى علم يُعاش بالقلب وتتشكّل به الذات. والقراءة في الأفق القرآني؛ حين تكون باسم الرب الخالق وتنطلق من موقع العلق؛ تحمل إمكانية العبور بين هذه المراتب: من أدنى درجات الإدراك إلى أعلاها، من تلقي الحرف إلى استيعاب المعنى إلى التحقق بما يهدي إليه.
4- القراءة الأولى في التجربة النبوية؛ العلق والميلاد الحضاري
ثمة بُعد لا يُكتمل الكلام عن العلق دون استحضاره: ذلك أن الأمر القرآني الأول بالقراءة لم يصدر في فراغ تجريدي بل في لحظة تاريخية بالغة الخصوصية: غار حراء، رجل وحيد، وحي يُفاجئه من حيث لا يحتسب.
وتلك القراءة الأولى كانت هي ذاتها في حال العلق: فعل صغير في ظاهره، أمر بالقراءة في ليلة من ليالي العزلة، لكنه كان يحمل في باطنه ما لا تُقاس به ظاهرته؛ ميلاد أمة، وانبعاث حضارة، وإعادة ترتيب علاقة الإنسان بالوجود والمعنى والله. وكما أن العلقة لا تُخبر بما ستؤول إليه من صورة مكتملة، كانت تلك القراءة الأولى لا تُخبر بما ستؤول إليه حضارة من قرأ باسم ربه.
وفي هذا إشارة بالغة الأهمية لكل باحث يعيش لحظة الافتتاح في بحثه: السؤال الأول، الإشكالية المُصاغة في احتشام، الفكرة التي لا تزال في طور العلق؛ هذه البداية المتواضعة، حين تكون مؤسَّسة باسم الرب وملازمةً للاستعانة به والملازمة له والطوّافة على حضرة أسمائه والساعية بين صفا آياته ومروة إشاراته والشاربة من زمزم فيضه والراجمة لشيطان العدمية الحداثية بتوفيقه، لا ينبغي الاستهانة بها واستقلال ممكناتها: فالعلق (القراءة الأولى) يحمل في باطنه ما لا يُرى في ظاهره، والبحث المنطلق من افتقار حقيقي ومن وعي بمحدودية الذات أمام سعة موضوعها قد يحمل من الإمكانات ما لا يحمله البحث المنطلق من ادعاء الاكتمال وغرور الاكتفاء وظمئ الانفصال.
5- العلق والمعرفة المعاصرة؛ نقد الذات المستغنية
ما يكشفه هذا التأمل في لفظ العلق هو نقيض ما أسّس له المشروع المعرفي الحداثي في تصوّره للعقل والمعرفة. ذلك المشروع بنى ذاته على ادعاء الاستغناء؛ العقل مكتفٍ بذاته، المعرفة تُنتَج بقدراته الذاتية ولا يحتاج الإنسان العارف إلى مرجع يتجاوزه ليُعطيه وجهته وغايته. وهذا الادعاء – كما رأى هوركهايمر وأدورنو – هو ما أفضى إلى انقلاب التنوير على نفسه حين تحوّل العقل المستغني إلى عقل أداتي يُسيطر ويُهيمن دون أن يعرف لماذا (Horkheimer & Adorno, 1947/2002, p.1-34).
وفي مقابل هذا الادعاء تُقدّم الإشارة القرآنية بالعلق نقيضه تماماً؛ فالإنسان في أصل طبيعته كائن تعلّق لا كائن استغناء، وهذا التعلّق لا يُذمّ بل يُمدح لأنه صادق مع الحقيقة الوجودية: الإنسان لم يكن شيئاً مذكوراً قبل أن يخلقه الله، ولم يُعطَ علمه من نفسه بل من الأكرم الذي علّم بالقلم. فالمعرفة التي تنسى هذا الأصل وتدّعي الاكتفاء الذاتي هي معرفة خانت علاقتها بما أوجدها؛ كالعلقة التي ادّعت أنها لم تكن يوماً مفتقرة إلى الرحم الذي احتضنها.
والباحث المسلم الذي يستوعب هذا البُعد من إشارة العلق لا يُمكن أن يستريح إلى وضع ينتج فيه معرفته بوصفه ذاتاً مستغنية تستمد مشروعيتها من الحقل الأكاديمي وحده، أو تقيس نجاحها بمعايير الاعتراف الخارجي وحدها. بل يُحسّ في صميم ممارسته بأن معرفته علقية في بداية تشكلها مفتقرة في أطوار تكاملها ومتواضعة في محضر معلمّها ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِّنْ أَنفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ۞﴾ (آل عمران: 164) ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ۞﴾ (الجمعة: 2) ، مفتقرة إلى الهداية، ملتصقة بالرب الخالق، مكتنزة بالإمكان الذي لا يُرى في ظاهرها.
خلاصته؛ العلق في بنية القراءة القرآنية
تُقدّم الآية الكريمة ﴿خَلَقَ الْإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ﴾ -في ضوء هذه الأبعاد المتشعّبة- ثلاث مكوّنات متضافرة لرؤية قرآنية في المعرفة:
التواضع الوجودي: الإنسان يقرأ من موقع من لم يكن شيئاً، فلا مسوّغ للكبرياء المعرفي.
التعلّق المؤسِّس: القراءة الحقيقية لا تنطلق من الذات المكتفية بل من الذات المفتقرة المتعلّقة بالرب الذي خلق وعلّم، وهذا التعلّق هو شرطها لا عائقها.
الوعد بالتجاوز: العلق لا يبقى علقاً، والقراءة التي تنطلق من هذا الموقع تحمل في باطنها إمكانية التشكّل والنمو والكمال الذي لا تُخبر به بداياتها المتواضعة.
وهذه المكوّنات الثلاثة مجتمعةً هي ما يُفرّق القراءة باسم الرب الخالق عن القراءة باسم الذات: الأولى تنطلق من التعلّق وتسعى نحو الكمال، والثانية تنطلق من ادعاء الاكتمال وتنتهي إلى الاستلاب.
ثالثا: القراءة في الأفق الحداثي؛ ما ضاع في خيار الاستغناء
لفهم عمق ما يُقدمه الأمر القرآني الأول، من المفيد المقارنة بما أصبحت عليه القراءة في الأفق المعرفي الحداثي الغربي المعولم والمهيمن؛ لأن المقارنة تُضيء بتبايناتها ما قد يُؤخذ مأخوذاً حين يُعرض منفرداً.
في الأفق الحداثي، القراءة -بمعناها الموسّع أي الاطلاع على المعرفة وإنتاجها- باتت:
فعلاً ذاتياً مكتفياً: يبدأ من الذات وينتهي بها. العقل يقرأ العالم ليسيطر عليه، ويُنتج المعرفة ليُوسّع قدرته. لا يوجد في هذه المعادلة مرجع خارجي يُوجّه القراءة أو يُحدد غايتها؛ العقل هو المبدأ والمنتهى.
مهارةً تقنية: بوصفها قدرة على التحليل والتفكيك والتركيب وفق معايير منهجية محددة. والكفاءة فيها تُقاس بالإتقان الإجرائي لا بعمق الفهم الوجودي أو اتساع الأفق الهادي.
سلطةً: من يملك المعرفة يملك السلطة. والقراءة بهذا المعنى ليست طلباً متواضعاً للفهم بل امتلاكاً للعالم عبر تمثيله. وقد رصد فوكو هذه الديناميكية بدقة حين أثبت أن المعرفة والسلطة لا يمكن فصلهما في الحقبة الحديثة (Foucault, 1980).
نشاطاً غايته ذاتية: المعرفة لذاتها، والقراءة لأجل القراءة. وحين تُسأل عن الغاية يأتي الجواب: الفضول والتنوير والتقدم، وهي مفاهيم تُحيل في نهاية المطاف إلى العقل البشري ذاته لا إلى ما يتجاوزه.
وما ضاع في هذه الترجمة الحداثية للقراءة هو تحديداً ما جاء به الأمر القرآني الأول: الباء. تلك الباء الصغيرة التي تجعل القراءة موصولةً لا مستقلة، مُؤسَّسةً لا طافيةً، ذات وجهة لا عائمة في فضاء المعاني المفتوح على العدم.
رابعا: باء التأسيس – اللحظة التي تُولد فيها المعرفة
﴿اقرأ باسم ربك﴾.
الباء في قوله تعالى “باسم ربك” وهي تجمع بين فعل الاستعانة وأفق الملازمة بشيد في فهمنا هذا لبنية تأسيسية، أي أن القراءة تنبثق من الاسم وتقوم عليه – ليس الاسم مجرد رفيق للقراءة بل شرطها الوجودي.
وهذا يعني أن القراءة الحقيقية – بالمعنى الذي يُؤسّسه الوحي – ليست قراءةً تبدأ من موضوع ثم تُضاف إليها الربوبية لاحقاً تزكيةً ودعاءً. بل هي قراءةٌ تنبثق من الاسم: من الإقرار بأن ما يُقرأ مخلوقٌ لخالق، وأن العلاقة بين القارئ وما يقرأ تجري داخل نظام لا يستقل بنفسه ولا يُفسَّر بنفسه.
وهذه الباء بهذا المعنى تُحدث تحولاً جذرياً في موقع الباحث: من مركز العملية المعرفية – كما في المنظور الحداثي حيث العقل هو سيد المعرفة ومولِّدها – إلى موقع الاستخلاف والاستئمان؛ التي تقيم الباحث مقام الخليفة في إنتاج المعرفة لا المالك لها، الشاهد على الحقيقة لا الصانع لها، الحامل للأمانة المعرفية لا المحتكر لنتائجها.
وهذا التحول لا يُقلّل من دور العقل ولا يُهمّش الجهد البحثي. بل يُعيد تعريف العلاقة بين الباحث والمعرفة والغاية: العقل أداة عظيمة لكنه أداة في خدمة ما يتجاوزه، والجهد البحثي ضرورة لكنه يُكتسب معناه الكامل من وجهته لا من تراكمه.
خامسا: “ربك”؛ المعرفة في علاقتها بمصدر الوجود
﴿اقرأ باسم ربك الذي خلق﴾.
الرب هنا لا يُقدَّم مجرداً، بل موصوفاً بالخلق: ربك الذي خلق. وهذا التوصيف يحمل بُعداً معرفياً حاسماً: الله الذي تُنسب إليه القراءة هو الخالق، أي مصدر وجود كل ما يُقرأ. فليس القرآن هنا يأمر بالقراءة باسم إله مفارق للعالم ولا علاقة له بما يُقرأ، بل باسم الرب الذي هو في آنٍ معاً صاحب الأمر وصاحب الخلق – أي أن ما يُدرَس ويُبحث فيه هو في النهاية خلقه، وفهمه يعود إليه.
وهذا يُنتج ما يمكن تسميته وحدة الموضوع والمصدر: الطبيعة التي يدرسها العالم والإنسان الذي يدرسه عالم الاجتماع والتاريخ الذي يدرسه المؤرخ – كل هذا خلق الله. والمعرفة الحقيقية لهذه الموضوعات لا تنفصل عن الإقرار بأنها مخلوقة وأن في خلقها حكمة وغاية وبنية تستدعي الفهم.
وهذا المبدأ يُحدث فرقاً منهجياً عميقاً حين يُطبَّق: فالباحث في علم الاجتماع الذي ينطلق من هذا الأفق لا يرى المجتمع مجرد نظام من التفاعلات والبنى القابلة للتحليل الإجرائي، بل يراه أيضاً وجوداً ذا غاية؛ الإنسان في المجتمع ليس مجرد فاعل يتبادل المصالح، بل كائن حامل للأمانة مستخلَف في الأرض تترتب على فهم هذا الاستخلاف أسئلة لا يُثيرها المنهج السوسيولوجي الكلاسيكي. والباحث في التاريخ لا يرى التاريخ مجرد تسلسل من الأحداث والعلل، بل يرى فيه نظام سنن: قوانين إلهية تشتغل في حركة الاجتماع البشري يمكن اكتشافها وفهمها والاستفادة منها – وهو ما أسّس له ابن خلدون في مقدمته دون أن يُسمّيه بالسنن صراحةً دائماً لكنه ينطلق من هذا اليقين (ابن خلدون، 1377/1967).
سادسا: “علّمَ الإنسان ما لم يعلم”؛ بنية الاحتياج-التعلق الأصيل
﴿علّم الإنسان ما لم يعلم﴾.
في هاتين الكلمتين -ما لم يعلم- يكمن ما يمكن أن يُسمّى الأنطولوجيا المعرفية القرآنية؛ فالإنسان في أصله جاهل؛ ليس هذا حكماً بالدونية، بل وصف لوضعه الوجودي الأصيل: هو كائن ينقصه العلم بطبعه، وما يعلمه كله مُعطًى له من مصدر يسبقه ويتجاوزه.
وهذا الوضع الأصيل للإنسان بوصفه محتاجاً إلى التعليم يُنتج ما يمكن تسميته أخلاق المعرفة: مجموعة من المواقف الوجودية التي ينبغي أن يحملها الباحث في ممارسته المعرفية:
التواضع المعرفي: حين يُدرك الباحث أن علمه مُعطًى لا مكتسَب من فراغ، يتحرر من غرور الامتلاك ويتجه نحو تواضع الاستخلاف. وهذا التواضع ليس ضعفاً بل موقف وجودي يُحرر الباحث من وهم أن المعرفة ملكيته الخاصة، ويجعله أكثر قدرةً على الشك في نتائجه وإعادة النظر فيها.
الامتنان المعرفي: حين يُدرك الباحث أن تعلّمه فضل من الأكرم، تنشأ علاقة بين المعرفة والشكر لا يعرفها المنظور الحداثي. والشكر هنا ليس طقساً وجدانياً بل موقف معرفي: من يشكر على العلم لن يوظّفه في تدمير ما منحه العلم فهمه، ولن يُفضي به إلى مسخ ما أعانه على فهمه.
المسؤولية المعرفية: حين يُدرك الباحث أنه تعلّم ما لم يكن يعلم، أي أنه تجاوز حدوده الأصلية بمعونة إلهية، تتحول المعرفة من حق يمارسه إلى أمانة يؤدّيها. وهذا يُغير علاقته بنتائج بحثه: ليس الهدف إثبات قدرته أو بناء مكانته الأكاديمية، بل أداء الشهادة الصادقة على ما أُعطي له من فهم.
نقد التأليه والانغلاق معاً
ما تُقدّمه هذه الآية بجمعها بين الكاف الخاصة و”الإنسان” الكلية هو نقد مزدوج يستحق الوقوف:
نقد أول: نقد تأليه الإنسان؛
القراءة التي تبدأ من الإنسان لتنتهي إليه -التي تجعل العقل البشري مبدأها ومنتهاها- تُؤلّه الإنسان من حيث لا تقصد: تجعله المقياس الذي لا مقياس فوقه، والغاية التي لا غاية بعدها. وهذا التأليه -في ثوب العقلانية والإنسانوية- هو ما رصده نيتشه حين أعلن موت الإله وطالب بعودة الإنسان الأعلى (Nietzsche, 1883/1969)، وهو ما فكّكه ما بعد الحداثيون حين وجدوا أن “الإنسان” الحداثي بناء خطابي لا حقيقة أنطولوجية.
غير أن نقدهم لم يُنقذ الإنسان بل أفضى إلى تذرير الإنسان وإسالته وتبخيرة ثم مسخه لا إلى إنقاذه أو تحريره. أما القراءة القرآنية فتُنقذ الإنسان من التأليه لا بتفكيكه بل بردّه إلى حقيقة تعلّقه بالرب: عظمته لا تلغي فقره، وعلمه لا يلغي افتقاره.
نقد ثانٍ: نقد الانغلاق الهوياتي؛
القراءة التي تنطلق من الهوية لتحتكرها -التي تجعل من المعرفة سلاحاً في الصراع الهوياتي- هي قراءة تُضيّق ما أراد القرآن توسيعه. فالآية لم تقل “خلقك” بل قالت “خلق الإنسان”، وهذا الانفتاح على الإنسانية ينبغي أن يُشكّل روح الباحث المنطلق من القرآن: لا يبحث لينتصر لجماعته بل ليُسهم في فهم الإنسان -كل إنسان- بما يصونه ويُعينه على بلوغ كماله.
رابعا: القراءة والرحمة الكونية؛ الأفق الذي يختمه المحور
ختاماً، يُفصح هذا الاستطراد عن بُعد أخير في فلسفة القراءة القرآنية: القراءة في هذا الأفق لا تريد أن تُضيف معرفةً إلى معارف العالم بمعنى التراكم الكمي -وإن كان التراكم المعرفي مطلوباً في ذاته- بل تريد أن تعيد وصل العالم بأفقه الرحموتي والربوبي؛ بمعنى أن تجعل من المعرفة طريقاً إلى الرحمة لا أداةً للسيطرة، ومن القراءة سبيلاً إلى الهداية لا تراكماً للقوة، ومن الإنسان مشروعاً مفتوحاً على كماله لا كائناً مستهلَكاً داخل دوائر التقنية والمنفعة والهيمنة.
وهذا المعنى يستحضر بعمق ما أشار إليه طه عبد الرحمن في مفهوم الائتمانية؛ إذ المعرفة أمانة يحملها الإنسان لا ملكية يمتلكها، والباحث مستأمَن على ما أُعطيه من فهم وعلم، مسؤول أمام الله والناس عن كيفية أداء هذه الأمانة (طه عبد الرحمن، روح الدين، 2012، ص.147-153). وهذه الائتمانية هي الترجمة العملية لما تُؤسّسه الآية: القراءة باسم الرب الخالق تعني أن تحمل معرفتك حمل الأمين لا حمل المتسلط.
فالقراءة التي تبدأ باسم الرب الخالق لا تبدأ من الإنسان لتُؤلّه الإنسان، ولا تبدأ من العالم لتُغلقه على قوانينه الصماء، بل تبدأ من الاسم ثم تعود إلى الإنسان المخلوق من علق حتى يتذكر أن عظمته لا تلغي فقره وأن علمه لا يلغي افتقاره وأن كماله لا يتحقق بالانفصال عن أصل وجوده بل بالاتصال به والقراءة باسمه والسير في ظلال ربوبيته.

التعليقات
لا يوجد تعليقات بعد.

إيران: من مشروع الإطاحة إلى شرعنة النفوذ

يؤشر الاتفاق الأميركي الإيراني الأخير، المزمع توقيعه الجمعة المقبل في سويسرا، إلى تحول جوهري في طبيعة التعامل الدولي مع إيران، أكثر مما يعبر عن ترتيب مؤقت لوقف الحرب، إذ انتقلت الولايات المتحدة من إدارة المواجهة على أساس إسقاط أو إضعاف النظام الإيراني وعزله إلى التفاوض معه باعتباره قوة مؤثرة في قضايا الأمن والطاقة والممرات البحرية […]

استطلاع رأي

هل أعجبك التصميم الجديد للموقع ؟

عرض النتائج

جاري التحميل ... جاري التحميل ...