فلسطينيو الداخل وأقليات شعوب الشرق الأوسط
أرام كيوان
في الآونة الأخيرة، بالذات بعد أن فتح النقاش عن مسألة الأقليات في الدول الناطقة بالعربية، يقوم بعض الإخوة في البلدان الناطقة بالعربية بمقارنة بين فلسطينيي الداخل، وبين أقليات أخرى في البلدان العربية، وبعض هذه المقارنات تذهب إلى القول بأن فلسطينيي الداخل ينعمون بحياة ومعيشة أفضل.
التمييز الهيكلي نابع سياسة الاستعمار الداخلي الذي يحدد سلوك إسرائيل اتجاه العرب، إذ يقوم منطق الاستعمار الداخلي على خليط من التوسع الاستيطاني والتراكم الرأسمالي مع نزع الملكية الفلاحية.
كقاعدة أساسية فإن إسرائيل منذ العام 1948 تعاملت مع مواطنيها العرب بمنطق “العدو العربي”، فقد كانت البطاقة الأولى التي حصل عليها العرب بطاقة حمراء تعني “مواطن مؤقت” وحتى المواطنة الزرقاء اعتبرت إنجازًا في وقته يعني تثبيت البقاء، وهو ما عرف ب”معركة الهويات الملونة”.
وبحكم عوامل كثيرة سياسة “العدو العربي” لم تتوقف ولو لحظة، ما كان يحصل هو انخفاض وتصاعد في العدوانية وفق الظرف.
جغرافيًا يتوزع الفلسطينيون في الداخل، ب60% يعيشون في منطقة الجليل، و20% في منطقة المثلث و10% في النقب، و10% في المدن المختلطة.
بادئ ذي بدئ نجد سياسة الاستعمار الداخلي في الخليط الذي ذكرناه (الاستعمار الاستيطاني والتراكم الرأسمالي) بنزع 70% من أراضي الفلاحين وموارد المياه ونقلها إلى بلدات يهودية، وبناء 700 بلدة يهودية منذ ال48 مقابل صفر بلدات عربية جديدة، ويعيش العرب على ما مجموعه 2% من أراضي 48، فيما يشكلون نسبة 20% من المواطنين.
في التصنيف العمراني تقع 95% من البلدات العربية في العناقيد الاجتماعية الاقتصادية المتدنية، وتتبع السلطات الإسرائيلية سياسة “المقاضيات” مع البلديات العربية، مثلًا تطور خدمات معينة مقابل اقتطاع أراض لصالح بلدة يهودية مجاورة أو لمشروع “قومي”، وهو ما يفسر تقلص مساحة البلدات العربية مع السنوات. وفي الجنوب لا تعترف إسرائيل بأكثر من نصف التجمعات السكانية البدوية وتعطيهم تسمية عنصرية هي “الشتات البدوي”، هذه التجمعات السكانية لا يصلها أبسط الخدمات مثل الماء والكهرباء.
هذه السياسة خلقت أزمة نسميها “الأرض والمسكن”، وهذا يعود إلى ربط مواضيع التنمية والإسكان في الغالب بلجان إدارية موسعة نادرًا ما يشارك فيها عرب، وقد أقرت لجنة أور التي أقيمت في أعقاب أحداث أكتوبر 2000 بالتمييز المنهجي من قبل هذه اللجان ووصفته بأنه “لم يظهر تعاطفًا كافيًا مع احتياجات السكان العرب”.
داخل هذه التجمعات السكانية الصغيرة ينطوي عالم أوسع، فما يسمى “التعاطف” لم يقتصر على التحجيم الجغرافي وامتد ليشمل سائر المستويات الهيكلية، وعلى نحو من التحديد الاقتصاد العربي بعد نزع الملكية الفلحية والدمج المتأخر للعرب، وبالتحديد التجمعات العربية الما بعد فلاحية، في السوق الرأسمالي الإسرائيلي منذ أواخر سبعينات القرن الماضي.
في فترة الحكم العسكري بقي الضامن لإنتاج الحياة هو آليات التضامن الاجتماعي بنمطها الفلاحي والقروي، واقتصر اندماج العرب في السوق على التصاريح لأعمال محددة في الكيبوتسات والمدن الكبرى في مهن متدنية الجودة، وعندما فتح السوق الإسرائيلي تدريجيًا، واندمجت فيه التجمعات الما بعد فلاحية بالأساس، حدثت طفرة قصيرة الأمد في ما يسميه البعض ب”تشكل طبقة وسطى” في البلدان العربية، وهم في غالبيتهم من اندمجوا في وظائف مكتبية أو حازوا على رأس مال صغير، ولكن سرعان ما اتضح أن الدمج في السوق كان موجهًا من حيث تحديد مجالات العمل.
ما يزال حتى اليوم ما يزيد عن نصف العمال العرب في المهن البدنية كأعمال البناء والترميم، ونسبة معتبرة في قطاع الصحة واللوجستيات كسائقي الشاحنات والباصات، فيما يتركز اليهود (الأشكناز أكثر من غيرهم) في مجالات الإدارة والعمل الذهني والمناصب المرتبطة بالدولة، وتشمل التراتيبة العرقية اليهود أنفسهم بين أشكناز في المواقع العليا ويهود دول عربية وإسلامية ومن ثم يهود إثيوبيا.
تعاني البلدات العربية من نقص في الاستثمار والمشاريع الإنتاجية، والمرتبات والأجور لا تكف لقضاء الحوائج، حيث أن قرابة نصف العائلات العربية تعيش تحت خط الفقر ونسبة البطالة في أقل تقدير 15% وفي تقديرات أخرى خاصة في الفئات العمرية الشابة أعلى بكثير، وهذا يعود إلى عاملين: سياسة بنكية، الرأسمالية الاحتكارية.
أولًا، هناك مشكلة عامة يتذمر منها حتى أبناء الطبقة الوسطى الإسرائيلي، وهي أن معظم الضرر الاقتصادي للسوق الاحتكاري يضر بالمصالح المتوسطة والصغيرة، إذ تشكل المصالح الصغيرة ما نسبته 95% من المصالح التجارية في البلدات العربية.
ثانيًا، من مجمل فروع البنوك، فقط 10% منها في البلدات العربية، ويجد العرب صعوبة في الحصول على قروض عقارية، فمثلًا 33% من الصفقات العقارية في البلدات العربية ممولة من البنوك مقابل 97% من الصفقات في البلدات اليهودية، وهذا يشمل نسب الائتمان والقروض للمصالح التجارية والفردية.
في هذا الوضع تشكلت بيئة خصبة لظاهرة السوق السوداء والاقتراض من خارج البنوك، ويقدر الفائض المالي السنوي للسوق السوداء بمليار شيكل، بالمقارنة مع أكبر بلدية عربية (الناصرة) ميزانيتها السنوية تزيد قليلًا عن 500 مليون شيكل.
في هذه البيئة الخصبة تشكلت عصابات الجريمة المنظمة، التي في آخر أربع سنوات فقط أزهقت أرواح ألف عربي في الداخل، ويرى الكثيرون تواطئًا مؤسساتيًا بين الجريمة المنظمة ومؤسسات الدولة، ويستند هذا التصور إلى شهادات كثيرة، لعل أبرزها بيان الشرطة:
“معظم عناصر الجريمة في المجتمع العربي متعاونون مع الشاباك” (من بيان للشرطة 30.6.2021).
سياسيًا الدولة بمؤسساتها وحكومتها وأجهزتها تتماثل مع الجماعة الاستيطانية وتعبر عنهم بقوانينها وسلوكها، لذلك فإن كل القوانين المتعلقة بطابع الدولة وجوهرها تتعلق بطابعها اليهودي، مع التزام جزئي بحقوق مواطنة معممة مثل حق التعبير عن الرأي والاحتجاج والتظاهر إلخ.
هذه التركيبة في الداخل نسميها “الهامش الديمقراطي” لأنها من جهة ترسخ التمييز الهيكلي وتضمنه بالقانون، ومن جهة أخرى تضمن هامشًا من الحريات الفردية بدون سند دستوري متين.
فمثلًا في فترة الحكم العسكري حظرت الحركات السياسية باستثناء الحزب الشيوعي، وحتى اتفاق أوسلو بقيت الرموز الفلسطينية ممنوعة، لا سيما العلم، وصارت هذه الحقوق متاحة بفعل مفاوضات السلام.
تعطيل التحديث أدى إلى غياب مركز ثقل حضري، مثل مدينة إزمير بالنسبة للمعارضة التركية، وجعل صعود وهبوط قوة الجماعات السياسية يحدد مركز الثقل وفق أسس معينة. فعندما كان الحزب الشيوعي والجبهة في ذروتها كانت الناصرة هي “القلعة الحمراء” أو “قلعة الجماهير العربية”، ومع صعود قوة الإسلاميين انتقل هذا الثقل إلى القدس والمسجد الأقصى، ونرى اليوم غيابًا لمركز ثقل على هذا النمط.
وتجدر الإشارة أن غياب سند قانوني للحقوق القومية يجعل هذه الحقوق مناطة بعوامل عديدة، أولها الحكومة وسياساتها، فإسرائيل من البلدان حيث التوازنات والضوابط قليلة وللسلطة السياسية صلاحيات واسعة جدًا، فحتى قبل السابع من أكتوبر قام بن غفير بإعادة منع رفع العلم الفلسطيني، بل وفي حالات الطوارئ يتاح فائض أكبر من العدوانية المسنودة قانونيًا بتهم جاهزة مثل “التماثل مع العدو” و”التحريض”، فبعد السابع من أكتوبر مُنع ما أمكن من المظاهر العلنية للهوية الفلسطينية التي اعتدنا عليها، كمسيرات العودة أو مسرحيات وعروض فنية.
كما منعت معظم المظاهر الاحتجاجية بعد السابع من أكتوبر ولا تعترف السلطات الإسرائيلية بلجنة المتابعة العليا كممثل للطموحات الوطنية للفلسطينيين.
يختلف هذا الوضع عن الضفة في كون الدولة بمؤسساتها هي المنطم والمشرف والمحتكر شبه الوحيد للقمع والتمييز، وحتى هذا الوضع يمر بحالة من “التحلل” نظرًا لوصول الصراع الداخلي بين أقطاب الحركة الصهيونية إلى مرحلة إعادة تركيب الدولة ومؤسساتها. وعلى نحو من التحديد تتجه الصهيونية الدينية إلى تكتيك “الشعب المسلح” وتغتنم كل فرصة للإمعان في هذه السياسية، كما حدث في “هبة الكرامة” (2021)، أو تفاخر بن غفير بتوزيع أكثر من 200,000 قطعة سلاح مرخص، وأيضًا مظاهر مضايقات شخصيات منتخبة وصحفيين إسرائيليين، وبعض الهجمات الاستيطانية المتقطعة في البلدات الساحلية.
الدول الناطقة بالعربية -لا سيما الدول الريفية- أنتجت نماذج إبادية مقيتة، ولكن بناء استنتاج إيجابي لعلاقة إسرائيل بأي تجمع فلسطيني بناءً على تلك النماذج هو في أحسن الحالات تصور وردي.
التعليقات