فرنسا ألغت “الواجب الزوجي”… فهل آن الأوان أن نعترف أن الإسلام بريء من اغتصاب الزوجة؟

7 فبراير 2026

كريمة العزيز

في 28 يناير 2026 صوّتت الجمعية الوطنية الفرنسية بالإجماع على مقترح قانون يهدف إلى إلغاء ما يُعرف بـ “الحقّ الزوجي”، وهو مفهوم قديم كان يترك بابًا مفتوحًا أمام فكرة خطيرة مفادها أن الزواج يمنح الزوج حقًا تلقائيًا في جسد زوجته. وقد جاء القانون الجديد واضحًا وحاسمًا: الزواج لا يخلق أي التزام جنسي، ولا يمكن اعتباره عقدًا يمنح الرجل حق الوصول إلى جسد المرأة، لأن الرضا لا يُشترى ولا يُؤخذ بالعقد ولا يُكتسب بالزواج، بل هو شرط دائم ومتجدد في كل علاقة، وفي كل مرة، وفي كل ظرف.
هذه الخطوة الفرنسية لم تكن مجرد تعديل قانوني، بل كانت رسالة أخلاقية قوية ضد ثقافة ما تزال متجذرة في كثير من المجتمعات، وهي ثقافة تعتبر أن العلاقة الجنسية “واجبة” داخل الزواج، وأن رفض الزوجة يُعد نوعًا من العصيان أو التقصير، وأن الرجل حين يُحرم من الجنس يصبح مظلومًا.
لكن السؤال الذي يهمنا نحن في المجتمعات المسلمة هو: هل هذا المفهوم غريب عن الإسلام؟ أم أن المشكلة ليست في الدين بل في الطريقة التي تم بها تزييف الدين لخدمة عقلية ذكورية قديمة؟
أعتقد أن ما فعلته فرنسا اليوم لا يتعارض مع جوهر الشريعة الإسلامية، بل ينسجم مع بعدها الإنساني الذي يقوم على الرحمة والعدل وحفظ الكرامة، لأن الإسلام لم يقدّم الزواج كعقد امتلاك ولا كتصريح مفتوح لاستعمال جسد المرأة، بل وصفه بأنه “ميثاق غليظ”، قال تعالى: ﴿وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا ۚ أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا، وكيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَىٰ بَعْضُكُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا﴾ (سورة النساء: الآية 21)، والميثاق الغليظ لا يعني سيطرة طرف على طرف، بل يعني شراكة ومسؤولية وسكنًا ومودة ورحمة.
إن القرآن الكريم لم يختصر فلسفة الزواج في كلمة “طاعة”، بل جعل أساسه المودة والرحمة، قال عزّ وجل: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ (سورة الروم: الآية 21)، فهل يمكن أن تكون الرحمة إكراهًا؟ وهل يمكن أن تكون المودة ضغطًا؟ وهل يمكن أن يكون السكن خوفًا؟ ومع ذلك نجد أن كثيرًا من الرجال في مجتمعاتنا ما زالوا يعتقدون أن الزواج يعني حقًا دائمًا في جسد الزوجة، وأن كلمة “لا” ليست حقًا بل تحديًا، وأن الزوجة إن رفضت فهي آثمة أو ناقصة أو متكبرة، وأنها ملعونة من طرف الملائكة حتى تصبح، وهذه ليست تعاليم إسلامية بقدر ما هي صناعة مجتمع ذكوري جعل من المرأة سلعة ومن الزواج امتيازًا للرجل.
لعل أخطر ما تم توظيفه لتبرير هذه العقلية هو سوء تفسير بعض الآيات القرآنية، وعلى رأسها قوله سبحانه: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّىٰ شِئْتُمْ ۖ وَقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلَاقُوهُ ۗ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (سورة البقرة: الآية 223)، حيث قرأها البعض على هواه وكأنها تصريح بالسيطرة المطلقة، بينما الآية تتحدث عن سياق العلاقة الزوجية الطبيعية ولا تلغي إرادة الزوجة ولا تمحو إنسانيتها.
بل إن القرآن الذي يرفض الإكراه في أصل العقيدة يستحيل أن يشرّع الإكراه في العلاقة الزوجية، قال تعالى: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ ۖ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ ۚ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىٰ لَا انْفِصَامَ لَهَا ۗ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ (سورة البقرة: الآية 256)، لأن الجسد في الإسلام ليس مباحًا بالعقد بل محفوظ بالكرامة، والإنسان ليس آلة بل روح ونفس ومشاعر.
ومن هنا نفهم أن المشكلة ليست في الإسلام بل في ما يمكن تسميته “الذكورية المقدسة”، أي تلك الثقافة التي خلطت الدين بالعادات ثم قدمت العادات على أنها شريعة، فاعتبر كثير من الذكوريين أن رفض الزوجة للعلاقة الجنسية أحيانًا حرام، بينما هذا الخطاب لا يعكس روح الدين بل يعكس عقلية التملك، لأن الرجل الذي يعتقد أن الزواج يمنحه حقًا أوتوماتيكيًا في جسد زوجته لا يعيش زوجية حقيقية بل يعيش علاقة سيطرة، والسيطرة ليست حبًا بل عنفًا ناعمًا. وبصفتي أخصائية في علم الجنس، أؤكد أن كثيرًا من الرجال يجهلون حقيقة أساسية: المرأة ليست ثابتة الهرمونات، ورغبتها ليست زرًا يُضغط عليه متى شاء الزوج، فالمرأة تمر بتغيرات هرمونية شهرية، وبآلام الدورة، وبالإرهاق النفسي والجسدي، وبضغط الأطفال والبيت، وقد تمر بالاكتئاب أو التوتر أو اضطرابات النوم، وقد تعيش تغيرات في الرغبة بسبب العمر أو الظروف الصحية أو النفسية، وفي كثير من الأحيان لا تقول “لا” لأنها لا تحب زوجها، بل لأنها لا تستطيع جسديًا أو لا تملك رغبة في تلك اللحظة، وهذا أمر طبيعي تمامًا، لكن المشكلة أن بعض الرجال حين يسمعون كلمة “لا” لا يفهمونها على أنها عدم رغبة مؤقت، بل يترجمونها فورًا إلى إهانة أو رفض شخصي أو تحدٍ للرجولة، وهنا يبدأ الابتزاز العاطفي والصمت العقابي والضغط والتخويف، وكأن جسد المرأة لا يحق له أن يتعب أو يرفض أو يحتاج إلى وقت. والأسوأ أن البعض يعتقد أنه إن حصل على الجنس بالقوة فقد انتصر، بينما الحقيقة العلمية والنفسية تقول العكس: العلاقة الجنسية بالإجبار لا تبني قربًا ولا مودة، بل تخلق نفورًا وبرودًا واحتقارًا داخليًا وأحيانًا صدمة نفسية قد تقتل الرغبة لسنوات، لأن المرأة قد تسكت لكنها لا تنسى، وقد تخضع لكنها لا تشعر بالأمان، والجنس الذي يُنتزع لا يُنتج حبًا بل يُنتج جرحًا.
ولهذا فإن الرجولة الحقيقية ليست في أخذ ما تريد، بل في احترام ما لا تريده زوجتك، فالرجل الذي يحترم زوجته عندما تقول “لا” لا يخسر شيئًا بل يربح الثقة، والثقة هي أكبر محفز للرغبة عند المرأة، فالمرأة عندما تشعر بالأمان تعطي، وعندما تشعر بالضغط تنغلق، وهذه قاعدة نفسية معروفة. ما حدث في فرنسا ليس مجرد شأن أوروبي، بل هو رسالة عالمية لكل النساء ولكل الرجال، بأن الزواج لا يمنح حق التحكم في جسد المرأة، وأن كلمة “لا” ليست جريمة ولا عصيانًا ولا خروجًا عن الدين، بل هي حق طبيعي وإنساني، ومن صميم العدالة التي أمر بها الله.
نحن لا نحتاج إلى استيراد القيم من الغرب، نحن فقط نحتاج إلى تنظيف ديننا من التفسيرات والتأويلات الذكورية التي شوّهته، وإلى الاعتراف أن كثيرًا مما قيل باسم الإسلام حول أن الزوجة يجب أن تطيع زوجها كلما أرادها ليس دينًا بل تراثًا اجتماعيًا تم تلبيسه لباس القداسة. لذلك إذا أردنا زواجًا صحيًا فعلينا أن ننهي مفهوم “الواجب الزوجي” ليس فقط من القوانين بل من العقول، لأن الزواج الحقيقي ليس علاقة واجب بل علاقة رضا، والرضا ليس تفصيلًا ثانويًا بل هو قلب العلاقة، لأن الله لم يشرّع الزواج ليكون سلبًا بل ليكون سكنًا.

التعليقات
لا يوجد تعليقات بعد.

ملف “إبستين” يعيد طرح أسئلة أطفال “تندوف”

عمر العمري يفرض علينا تداخل ملفات الاستغلال الجنسي العابر للحدود مع فضاءات النزاع المغلقة طرح أسئلة ثقيلة لا يجوز تجاوزها، خاصة حين يتعلق الأمر بأطفال يعيشون خارج أي منظومة حماية فعالة.. إن العالم الذي صدم بحجم الشبكات التي كشفتها قضية “جيفري إبستين” مطالب اليوم بتوسيع زاوية النظر، وعدم الاكتفاء بتتبع الأسماء المتداولة، مع الانتباه إلى […]

استطلاع رأي

هل أعجبك التصميم الجديد للموقع ؟

عرض النتائج

جاري التحميل ... جاري التحميل ...