غزة والتطبيع وإيران: كيف يُصنع “العدو” في زمن انهيار صدام الحضارات؟

22 مارس 2026

بوشعيب شكير
في خضمّ التحولات السياسية الكبرى التي يعرفها الشرق الأوسط اليوم ـ من حرب غزة، إلى مسارات التطبيع، إلى موقع إيران في توازنات القوة ـ يستمر خطاب “صدام الحضارات” في الحضور وكأنه تفسير بديهي لما يحدث.

غير أن هذا التفسير، كما بيّن محمد عابد الجابري، لا يفسّر الواقع بقدر ما يحجبه. فالصراعات التي تُقدَّم بوصفها دينية أو ثقافية، تخفي في جوهرها علاقات قوة غير متكافئة ومصالح استراتيجية متشابكة.

تُظهر حرب غزة، على سبيل المثال، حدود هذا الخطاب. فاختزالها في “صراع حضاري” يُغفل طبيعتها كقضية تتعلق بالسيادة والاختلال البنيوي في ميزان القوة، كما يُغفل كذلك التناقض بين الخطاب الحقوقي السائد دوليًا والممارسات الفعلية على الأرض.

هنا لا يكون “الثقافي” سببًا للصراع، بل يصبح لغةً لتبريره وإعادة إنتاجه. وهذا ما يتقاطع مع تحليل ميشيل فوكو، الذي يرى أن الخطاب ليس مجرد انعكاس للواقع، بل أداة تُنتج من خلالها “الحقيقة” المقبولة، وتُحدّد من هو الفاعل المشروع ومن هو “التهديد”.

ينطبق الأمر ذاته على تمثّل إيران في الخطاب الدولي. فهي تُقدَّم غالبًا كخطر إيديولوجي أو حضاري، في حين أن سلوكها الفعلي يُدار ضمن منطق التوازنات الإقليمية والردع المتبادل والتفاوض. هنا تتجاور “إيران الخطابية” ـ بوصفها تهديدًا ـ مع “إيران الواقعية” كفاعل عقلاني داخل نظام دولي معقّد.

هذه الازدواجية تكشف ما يمكن تسميته، بلغة فوكو، بانفصال بين الخطاب والممارسة، حيث يُستخدم الأول لتأطير الإدراك العام، بينما تتحرك الثانية وفق حسابات مصلحية دقيقة.

أما مسارات التطبيع بين بعض الدول العربية وإسرائيل، فتُشكّل ضربة مباشرة لأطروحة “صدام الحضارات”. إذ لو كان الصراع قائمًا على أسس ثقافية أو دينية خالصة، لما أمكن تفسير هذه التحولات.

ما يحدث في الواقع هو إعادة تموضع استراتيجي، تحكمه اعتبارات الأمن والاقتصاد وإعادة توزيع الأدوار داخل الإقليم. وهو ما يؤكد أن الدول لا تتصرف بوصفها “حضارات”، بل كوحدات سياسية تسعى إلى تعظيم مصالحها.

في هذا السياق، تبدو أطروحة الجابري حول “الأنا والآخر” أكثر راهنية من أي وقت مضى. فالغرب، تاريخيًا، لم يُعرّف ذاته إلا عبر بناء “آخر” يُقابله ـ من “البرابرة” إلى “الشيوعية” وصولًا إلى “الإسلام”. غير أن ميشيل فوكو يضيف بعدًا حاسمًا: هذا “الآخر” لا يُكتشف، بل يُنتَج عبر خطاب يحدّد معالمه ووظيفته داخل بنية السلطة.

وهكذا، لا يصبح “العدو” مجرد واقع، بل وظيفة ضرورية لاستمرار أنماط معينة من الهيمنة.

إن ما تكشفه تحولات الشرق الأوسط اليوم هو تهافت الثنائيات المبسطة: شرق/غرب، إسلام/غرب، نحن/هم. فالواقع أكثر تعقيدًا، تحكمه شبكات من المصالح والتقاطعات والتناقضات. ومن هنا، فإن تجاوز منطق “الصدام” لا يمرّ عبر إنكار الاختلافات الثقافية، بل عبر تفكيك الخطابات التي تحوّل هذه الاختلافات إلى أدوات للصراع.

ربما يكون الدرس الأهم، كما يستلهمه الجابري من ابن رشد، هو أن فهم الآخر لا يتم من موقع الهيمنة أو الاختزال، بل من داخل نظامه المعرفي، وبمنهج يقوم على الاعتراف والاختلاف والحوار.

في عالم تتكاثر فيه السرديات المتصارعة، يبقى السؤال الحاسم ليس: من هو العدو؟ بل: من يصنع هذه الصورة، ولأي غاية؟

التعليقات
لا يوجد تعليقات بعد.

المغرب ودروس الحرب..

عمر العمري ما الذي ينبغي للمغرب أن يستفيده من الحرب الدائرة اليوم في الشرق الأوسط بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران؟ نحن لسنا بعيدين عن هذه الحرب، ولا توجد دولة في العالم في منأى تام عن ارتداداتها، فمن لم تمسه نيرانها مباشرة، ستبلغه آثارها الاقتصادية والمادية بدرجات متفاوتة، في ظل مسار إقليمي ودولي مفتوح على أكثر […]

استطلاع رأي

هل أعجبك التصميم الجديد للموقع ؟

عرض النتائج

جاري التحميل ... جاري التحميل ...