ظاهرة الفبينغ أو عندما ينتصر الهاتف على الإنسان

الدكتور عماد فوزي شعيبي
أصبح من المألوف أن يجلس شخصان متقابلان، لكن كلاً منهما يعيش في عالم مختلف؛ أحدهما حاضر بجسده، وغائب بعقله، لأن الهاتف الذكي استولى على انتباهه. ومن هنا ظهر مصطلح الفبينغ (Phubbing)، الذي لا يصف مجرد استخدام الهاتف أثناء الحديث، بل يعبر عن ظاهرة اجتماعية ونفسية جديدة أصبحت إحدى السمات البارزة للحياة الرقمية.
الفبينغ كلمة إنجليزية مركبة من كلمتين: Phone (الهاتف) وSnubbing (التجاهل أو الصدّ)، أي أن معناها الحرفي هو «تجاهل الآخرين بسبب الهاتف». إلا أن هذا التعريف اللغوي لا يكشف عمق الظاهرة؛ فالفبينج إعادة ترتيب ضمنية لأولويات الانتباه، بحيث تصبح العلاقة مع الجهاز أكثر أهمية من العلاقة مع الإنسان الجالس أمامنا.
تكمن خطورة الفبينغ في أنه لا يقطع التواصل بصورة مباشرة، (بل يستنزفه) تدريجياً. فالمحادثة تستمر ظاهرياً، لكن حضورها النفسي يتآكل شيئاً فشيئاً. ويشعر الطرف الآخر بأن اهتمامه لم يعد محل تقدير، وأن وجوده يمكن أن يؤجل في أي لحظة لصالح رسالة أو إشعار أو صورة أو مقطع فيديو. ومن هنا فإن الضرر الحقيقي لا يكمن في النظر إلى الهاتف، وإنما في الرسالة النفسية الضمنية التي ينقلها هذا السلوك، وهي أن الشخص الحاضر أقل أهمية من المحتوى الرقمي.
ومن منظور علم النفس، يعكس الفبينغ تغيراً في اقتصاد الانتباه. فالانتباه مورد معرفي محدود، وكلما انجذب إلى الهاتف تراجع حضوره في التفاعل الاجتماعي. وتستغل التطبيقات الرقمية هذا الأمر من خلال تصميمها القائم على الإشعارات والمكافآت الفورية والتحديثات المستمرة، مما يجعل الهاتف منافساً دائماً للإنسان في الحصول على الانتباه. ولذلك فإن كثيراً من حالات الفبينغ لا تكون نتيجة قصد أو سوء أدب، وإنما نتيجة اعتياد نفسي وآليات مكافأة عصبية تجعل العودة إلى الشاشة شبه تلقائية.
أما على المستوى الاجتماعي، فإن الفبينغ يؤدي إلى تآكل الروابط الإنسانية بصورة يصعب ملاحظتها في بدايتها. فالثقة بين الأفراد لا تُبنى بالكلمات وحدها، بل بالشعور بأن الآخر حاضر بكل انتباهه. وحتى بلغة الجسد
وعندما يتكرر انقطاع هذا الحضور، ينخفض الإحساس بالتقدير، وتضعف الحميمية، ويزداد الشعور بالإهمال والرفض، حتى في العلاقات الوثيقة كالزواج والأسرة والصداقة. وقد أظهرت دراسات عديدة أن الفبينغ يرتبط بانخفاض الرضا العاطفي، وارتفاع النزاعات، وتراجع جودة العلاقة بين الأزواج والأصدقاء.
ولا يقتصر أثر الفبينغ على العلاقات الشخصية، بل يمتد إلى بيئات العمل والتعليم. ففي الاجتماعات، يؤدي الانشغال المتكرر بالهاتف إلى فقدان تسلسل الحوار، وضعف الإصغاء، وزيادة الحاجة إلى إعادة المعلومات، وانخفاض جودة اتخاذ القرار الجماعي. وفي الصفوف الدراسية، يشتت انتباه الطلبة والمعلمين معاً، ويؤثر في عمق الفهم والاستيعاب، لأن الدماغ يحتاج إلى استمرارية التركيز حتى يعالج المعلومات معالجة فعالة.
ومن الناحية الاستعرافية، يمثل الفبينغ مثالاً واضحاً على ما يمكن تسميته اختطاف الانتباه؛ إذ تنتقل بؤرة التركيز باستمرار بين الواقع المادي والواقع الرقمي، فيضعف الإدراك الاجتماعي، وتقل القدرة على قراءة تعابير الوجه، وفهم نبرة الصوت، والتقاط الإشارات غير اللفظية التي تشكل جزءاً أساسياً من التواصل الإنساني و وذلك بلغة الجسد. وهكذا لا يضعف الحوار فحسب، بل تضعف القدرة على فهم الآخر فهماً عميقاً.




التعليقات