ضجيج انتخابي بلا مضمون سياسي

13 سبتمبر 2026

دين بريس
دخل الخطاب السياسي المغربي مرحلة أصبح فيها الصراع حول “السمعة” أقوى من التنافس حول “الأفكار”، فقد تراجعت البرامج والحصيلة والبدائل أمام اتهامات تمس المخدرات والمال العام وشراء الأصوات واستغلال النفوذ والوصول إلى المعطيات الشخصية، وهي قضايا تتجاوز حدود الاختلاف الحزبي والتنافس الانتخابي، لأنها ترتبط بسلامة المؤسسات ونزاهة الانتخابات وفعالية القانون.

ويعبر هذا التحول عن أزمة حقيقية في دور الأحزاب السياسية، ذلك أن مهمتها تمثيل المواطنين، وتقديم البرامج، ومراقبة السلطة، واقتراح الحلول، وعندما تعجز عن ذلك تلجأ إلى مهاجمة الخصوم لجذب الانتباه وإخفاء ضعف خطابها.

وتفسر طبيعة المرحلة جزء من حدة المواجهة، لأن الانتخابات تدفع المتنافسين إلى إبراز الأخطاء واستثمار مواطن الضعف، لكن ما يجري تجاوز النقد المشروع إلى تداول اتهامات ترتب مسؤوليات جنائية وأخلاقية، وهو ما يفرض الانتقال بها من المنابر الحزبية إلى مؤسسات التحقيق والقضاء.

وتقتضي الادعاءات المرتبطة بالمخدرات والمال العام وشراء الأصوات تقديم ما يثبتها إلى الجهات المختصة، لأن الجرائم تستوجب التبليغ عنها فور اكتشافها، أما تأجيل الكشف عنها إلى موسم الانتخابات فيحولها من ملفات تستدعي المحاسبة القضائية إلى أوراق تستعمل في الصراع السياسي.

وتزداد خطورة هذا السجال عندما يشمل معلومات شخصية يفترض أن يحميها القانون، فالحصول على هذه البيانات واستعمالها في تصفية الحسابات يفتح النقاش حول مصدرها وحدود نفاذ السياسيين إليها ومدى احترام المؤسسات المؤتمنة عليها للضوابط القانونية، كما يمس شعور المواطن بالأمان أمام الإدارة والدولة.

وتبرز هذه المواجهة أيضا تراجعا في مستوى النقاش العمومي، إذ كان منتظرا أن تنشغل الأحزاب بالغلاء والبطالة والتعليم والصحة وتفاوتات المجال، لكنها وجدت نفسها منشغلة بما يقوله كل طرف عن الآخر، فتحول المواطن من موضوع للسياسة إلى متفرج على خصومات السياسيين.

ويؤدي هذا المسار إلى إضعاف الثقة بصرف النظر عن صحة الاتهامات، فإذا ثبتت الوقائع أصبحت المؤسسات مطالبة بتفسير تأخر المحاسبة، وإذا غابت الأدلة أصبح الاتهام أداة للإضرار بالخصوم، وفي الحالتين تتراجع صورة السياسة بوصفها مجالا لخدمة الصالح العام.

تحتاج الديمقراطية إلى أحزاب تختلف في برامجها، وتراقب أداء بعضها، وتكشف الفساد من دون تردد، كما تحتاج إلى قواعد واضحة تميز بين النقد والتشهير، وبين المحاسبة والابتزاز، لأن توظيف القضاء في الصراع الحزبي يضر بالعدالة، وتعويضه بتبادل الاتهامات يفسد السياسة.

لقد خرجت المعركة الانتخابية الحالية من حدود التنظيمات الحزبية وأصبحت اختبارا لقدرة الدولة على حماية نزاهة الانتخابات وصيانة المعطيات الشخصية وإنفاذ القانون على الجميع، لذلك لن يكون الصمت مؤشرا على الحياد بقدر ما سيمنح الشبهات فرصة للانتشار ويترك المواطنين أمام روايات متعارضة لا تحسمها الوقائع.

وستنتهي هذه المواجهة إلى حقيقة مؤلمة، لأنها ستفقد السياسة كثيرا من مقاصدها، بعدما غابت قضايا المغاربة خلف صراع حزبي منشغل بالخصوم، وبقيت حاجاتهم اليومية وتطلعاتهم إلى المستقبل خارج دائرة النقاش..

التعليقات
لا يوجد تعليقات بعد.

تحديات الحكومة المقبلة..

تتقدم مطالب المغاربة إلى الحكومة المقبلة واضحة ومباشرة، فرص عمل تحفظ كرامة الشباب، وأسعار لا تلتهم أجور الأسر، ومدرسة تؤدي دورها، ومستشفى يجد فيه المواطن العلاج حين يحتاج إليه. هذه ليست عناوين في برنامج انتخابي، إنها تفاصيل الحياة التي سيقيس الناس بها أداء الحكومة منذ أيامها الأولى. ويأتي غلاء المعيشة في مقدمة ما ينتظره الناس […]

استطلاع رأي

هل أعجبك التصميم الجديد للموقع ؟

عرض النتائج

Loading ...