سيكولوجيا الندبة والأسطورة في معمار العقل الفارسي

13 مارس 2026

علي البلوي

في كتابه “إيران من الداخل”، يصف فهمي هويدي بكائية الندبة واستدعاء التاريخ لتشكيل الوعي الراهن في سردية دامية تعيد صوغ النفس وفقاً لأجندات قومية فارسية.

هذا الوصف يلامس الحقيقة الجوهرية للهضبة الإيرانية، حيث لا يتحرك الزمن وفق خط مستقيم يهرب من الماضي نحو المستقبل، بل يدور في حلقة مفرغة تجعل من “الموت” مجرد بوابة لإعادة إنتاج الحياة بصورة أكثر قداسة.

إن العقل الفارسي يسكن في “زمن دائري” لا يعترف بالفناء، حيث تتحول الجنازة إلى منصة انطلاق، وتتحول “الندبة” من بكائية حزينة إلى معمار نفسي واجتماعي يُعيد بناء الهوية عند كل أزمة.

هذا الوجدان الذي يبكي منذ ما قبل التاريخ على “تموز” و”عشتار”، وندب “سياوش” المقتول غدراً في الشاهنامة، وجد في الطقس الشيعي وعاءً مثالياً لتفريغ شحنات المظلومية وتحويلها إلى وقود سياسي، مما يجعل البكاء في إيران فعلاً استراتيجياً لا علاقة له بالضعف، بل هو “تقية” وجدانية تحفظ الجوهر وتنتظر لحظة الانفجار.

ويتجلى هذا الربط بين الأسطورة والواقع في تسمية أدق الأسلحة وأفتكها بأسماء أبطال الملحمة الكبرى؛ فمن يرمي طائرة “آرش” الانتحارية لا يطلق قطعة من المعدن، بل يعيد تمثيل تضحية البطل الذي ذاب جسده ليرسم حدود إيران بسهمه، وكأن المهندس المعاصر هو الكاهن الذي يستحضر روح الأسطورة ليصبها في قالب تقني.

هذا الاندماج يجعل من “الموت” ميراثاً يُعتز به، ويخلق حصانة نفسية للقادة الذين يتحصنون في بيوت “البراني” المتواضعة ذات المساحات الضيقة، محولين الزهد من قيمة أخلاقية إلى درع أمني يربك حسابات الخصوم الذين يطاردون القصور، بينما يختبئ رأس السلطة في قلب النسيج الشعبي المعبد بالدموع، ممارساً حذراً ورثه من بيئة الفقهاء التي لا تسمح بجهالة مكان المرجع.

وتتجلى هذه الدائرية في أبهى صورها حين تتحول الجغرافيا الإيرانية من مجرد تضاريس صلبة إلى “جسد ممتد” للعقيدة؛ فالهضبة الإيرانية في الوعي الجمعي ليست حدوداً سياسية قابلة للتفاوض، بل هي مسرح لانتظار كوني لا ينتهي.

هذا الربط السيكولوجي بين “المكان” و”المقدس” يفسر لماذا يرى الإيرانيون في كل حقل حدودي، مثل حقل “آرش”، ساحة لاستعادة مجد غابر، ولماذا يُنظر إلى القائد العسكري الذي يسقط خارج الحدود على أنه لم يغادر وطنه، بل قام بتوسيع “حرم” الأمة بلحمه ودمه.

إن العقل الفارسي لا يبني جيوشاً لحماية الجغرافيا فحسب، بل يبني “أساطير” لحراسة الذاكرة؛ فإذا نفدت الذخيرة، استُحضر “رستم” من بطون الكتب ليقود المتطوعين، وإذا تهدمت المدن، أُعيد بناؤها من ركام “الندبات” القديمة، في دورة لا تنكسر من التدمير والبعث، تجعل من إيران كياناً عصياً على الفهم بمنطق الدول الحديثة، وسهلاً على القراءة بمنطق الملاحم الخالدة.

وفي هذه الدائرة المغلقة، يبرز “مجتبى خامنئي” كحلقة وصل سيكولوجية لا سياسية فحسب؛ فهو يمثل “الباطن” الذي يحرس “الظاهر”، ويمارس حضوره من خلال “الغياب” الطويل في الظلال، وهو سلوك يتقاطع بنيوياً مع عقيدة “الإمام الغائب”.

إن العقل الجمعي الإيراني الذي يقدس “الغيبة” ويرى في القوة المستترة أصالةً لا تملكها السلطة المعلنة، يرى في انتقال السلطة من الأب إلى الابن استمراراً لنمط “سيمرغ” (العنقاء) التي تربي الأبطال في الجبال بعيداً عن الأعين.

وهكذا، يتم تجاوز العقبات الفقهية حول التوريث عبر “الندبة” التي تشرعن بقاء السلالة حمايةً للمشروع، ليصبح مجتبى هو “الظل” الذي يمهد للأصل، وتكتمل به دائرة الانتظار، مؤكدة أن البنية النفسية الفارسية لا تبحث عن حاكم، بل عن “أسطورة” قابلة للتدوير، وعن موتٍ يضمن الخلود، في وطنٍ يُرسم فيه التاريخ بلحم الأبطال وتُحرس فيه الحدود بدموع الندباء.

التعليقات
لا يوجد تعليقات بعد.

حين تتحول الحرب إلى “نبوءة”..

عمر العمري تشير الشكاوى المتداولة من داخل المؤسسة العسكرية الأمريكية، بشأن تبرير الحرب على إيران بخطاب ديني يستحضر النصوص المقدسة، إلى منزلق بالغ الخطورة يتمثل في تحويل الحرب من قرار سياسي خاضع للحساب والمساءلة إلى مهمة مقدسة محصنة ضد النقد. وأوردت إحدى هذه الشكاوى المنشورة أن قائدا عسكريا افتتح إحاطة خاصة بالجاهزية القتالية بحث عناصر […]

استطلاع رأي

هل أعجبك التصميم الجديد للموقع ؟

عرض النتائج

جاري التحميل ... جاري التحميل ...