سلا: هكذا احتفلت الزاوية التهامية الوزانية بمولد المصطفى

خالد العمراني
شكل الاحتفاء بمرور خمسة عشر قرناً على ميلاد سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، في رحاب الزاوية التهامية الوزانية، حدثاً روحياً وفنياً استثنائياً؛ إذ امتد السماع يوماً كاملاً، وأُنشد خلاله 1500 بيت شعري، في فكرة أبدعها الشاب المحب ياسر التهامي، القائم على تدبير شؤون الزاوية، فجعل لكل سنة من هذا الامتداد النبوي بيتاً من المحبة والصلاة والمديح.
أما التنسيق الفني للبرنامج، فقد تولاه شيخ المادحين وعميد المسمّعين علي الرياحي، الذي نسج فقراته ووصلاته بدقة ظاهرة، مستنداً إلى خبرته الواسعة في متون المديح وطبوع السماع المغربي، وفي حسن الانتقال بين القصائد والمقامات والقوالب الإنشادية، بما حفظ للمجلس وحدته الروحية رغم غنى مواده وتنوع أصواته.
توزع البرنامج على ثلاث حصص متكاملة: حمل المادح الشيخ عبد الحق الغربي عبء الخمسمائة بيت الأولى، ثم واصل الفنان الشاب الأصيل وصال محمد الرحلة الإنشادية، قبل أن يُختتم المجلس بقامات السماع المغربي: علي الرياحي، والتهامي الحراق، ومحمد عز الدين. وقد جسد هذا التقسيم لقاء الخبرة المتراكمة بحيوية الجيل الصاعد، مؤكداً أن السماع المغربي تراث حي ينتقل بالتلقي والصحبة والممارسة.
وازدان الحفل بحضور بلبل المنشدين الفنان سعيد بلقاضي، والفنان عبد الفتاح ينيس، وعشرات من مادحي رسول الله صلى الله عليه وسلم، من بينهم محمد وهبي، وإبراهيم الزرهوني، ومصطفى بن رحال، والكواش بدر، إلى جانب أسماء وأصوات اجتمعت على خدمة المديح والمحافظة على تقاليده المغربية الأصيلة.
وكان لحضور شيخ سلا الحاج عبد المجيد بن الصادق وقع خاص؛ إذ تلا المولدية بصوته الجميل الرخيم الجوهري، فأضفى على المجلس مهابةً ودفئاً، واستعاد بصوته ذلك النَّفَس السلاوي العريق الذي يمتزج فيه جمال الأداء بصدق المحبة ووقار الذكر.
وتجلّى الاجتهاد في هندسة خمس عشرة وصلة متعاقبة: المحمديات، والمولديات، وخمس وصلات من اليعقوبيات، ثم النبويات، والمصطفويات، والشفيعيات، والمديحيات، والأحمديات، والأندلسيات، والمختاريات، فالختاميات. ولم يكن هذا الترتيب تجميعاً اعتباطياً للقصائد، بل مساراً روحياً يبدأ باستحضار الشمائل المحمدية، ويمر بميلاد النور وتعداد الأسماء والمناقب، ثم يرتقي إلى التوسل والاستشفاع، لينتهي بالمحبة والدعاء والصلاة على المصطفى صلى الله عليه وسلم.
وضم البرنامج نصوصاً من عيون المديح، في مقدمتها البردة والهمزية للإمام شرف الدين البوصيري، ورائعة أمير الشعراء أحمد شوقي «وُلِد الهدى فالكائنات ضياء»، والأجزاء الخمسة من قصيدة «مغاني ربى الأسماء» للشيخ محمد أبي الهدى اليعقوبي، وقصيدة للعلامة سيدي محمد العربي بن السائح، فضلاً عن القصيدة الوترية لأبي بكر البغدادي، ومختارات من الموشحات والبراول والصنائع المديحية المغربية.
وبرزت براعة الشيخ علي الرياحي في إحكام الصلات بين هذه النصوص، والانتقال الدقيق بين طبوع الحجاز المشرقي والماية ورمل الماية ورصد الذيل، وبين القصيدة العمودية والموشح والبرولة والصنعة. وهنا تكمن القيمة الفنية للبرنامج؛ فقد حافظ على وحدة المعنى والوجدان رغم تعدد البحور والطبوع والقوالب، وجعل من البيت الألف والخمسمائة خاتمة طبيعية لمسار متماسك، لا مجرد استكمال لعدد رمزي.
كما حمل المجلس معنى الوفاء؛ فترحّم على من انتقلوا إلى جوار ربهم خلال السنة، وكرّم روح الشيخ المحب، العلامة الفقيه الصوفي مصطفى النجار؛ تيجانياً في انتسابه، حتى لتحسبه شاذليَّ المشرب والهوى، لما طبع سيرته من علم وذوق وصفاء ومحبة




التعليقات