زيارة ملكية تهدد سنوات من التقارب بين الرباط ومدريد

دين بريس
تجمع تحليلات نشرتها وسائل إعلام مغربية وإسبانية ودولية على أن الزيارة المرتقبة للملك “فيليبي السادس” إلى سبتة ومليلية لن تمر من دون أثر في العلاقات المغربية الإسبانية، لأنها تأتي في توقيت شديد الحساسية، بعد أزمة العبور الجماعي وما رافقها من اتهامات للمغرب وتصعيد داخل البرلمان والشارع الإسباني.
ولا تنظر الرباط إلى زيارة الملك الإسباني بالطريقة نفسها التي تتعامل بها مع زيارات رؤساء الحكومات والوزراء، فالملك يمثل الدولة الإسبانية ويحمل حضوره دلالة سيادية واضحة، ولذلك يمكن أن تفهم الزيارة مغربيا على أنها محاولة لتثبيت الأمر الواقع وإضفاء شرعية رمزية على استمرار الاحتلال الإسباني للمدينتين، وهو ما يمس قضية راسخة في الوجدان الوطني المغربي.
لقد حافظ المغرب خلال السنوات الماضية على قدر كبير من الهدوء في إدارة هذا الملف، ولم يجعل مطالبته بسبتة ومليلية عائقا أمام بناء شراكة واسعة مع إسبانيا، كما تجنب البلدان خطوات قد تعيد النزاع إلى الواجهة، ونشأ بينهما تفاهم ضمني يقوم على استمرار التعاون وتأجيل القضايا السيادية المعقدة، ومن هنا تبدو الزيارة الملكية خروجا عن ذلك التوازن وتراجعا عن سياسة الحذر التي حمت العلاقات من أزمات كثيرة.
حتى التلفزيون الإسباني أقر بأن زيارة “فيليبي السادس” قد ينظر إليها المغرب باعتبارها استفزازا، وأنها قادرة على فتح أزمة دبلوماسية بين البلدين، كما نقلت صحيفة “إلباييس” عن مصدر سياسي مغربي أن مثل هذه الخطوة لن تساعد على خفض التوتر، وأن الأولوية في الظرف الراهن يجب أن تمنح لمعالجة تداعيات أزمة سبتة وإيجاد حلول عملية للمشكلات الأمنية والإنسانية القائمة.
وتقدم زيارة الملك “خوان كارلوس” إلى سبتة ومليلية سنة 2007 صورة واضحة عما يمكن أن يحدث، فقد استدعى المغرب سفيره لدى مدريد للتشاور، وأصدر الملك محمد السادس بيانا أدان فيه الزيارة ووصفها بأنها إساءة إلى المشاعر الوطنية لدى المغاربة، ولا توجد اليوم أسباب تدفع الرباط إلى التعامل مع زيارة جديدة بقدر أقل من الحزم، خاصة أنها تأتي وسط خطاب إسباني متشدد بشأن المدينتين.
يبدو أن “سانشيز” يريد من الزيارة امتصاص الغضب المتصاعد في سبتة والرد على المعارضة التي تتهم حكومته بالتقصير في حماية الحدود، إلا أن معالجة أزمة سياسية داخلية بخطوة تمس المغرب قد تكون مكلفة، فما يمكن أن يمنح الحكومة الإسبانية بعض المكاسب المؤقتة أمام خصومها قد يبدد سنوات من العمل المشترك مع الرباط في الأمن والهجرة والتجارة ومكافحة الإرهاب.
ويظهر التناقض أيضا في موقف “سانشيز” نفسه، فهو يؤكد عدم وجود دليل يثبت أن المغرب دبر أحداث سبتة، ويعترف بأن التعاون المغربي كان ضروريا لاحتواء الأزمة، ثم يدفع نحو زيارة يعرف أن الرباط ستعتبرها استفزازا، وبذلك يخاطر بالشراكة مع المغرب سعيا إلى تهدئة الشارع الإسباني وإضعاف حملة المعارضة ضده.
لم يصدر حتى الآن موقف رسمي مغربي من الزيارة المحتملة، إلا أن هذا الصمت لا يعني قبولها، فقد تختار الرباط انتظار اتضاح موعدها وطبيعتها قبل تحديد مستوى الرد، وتملك في هذا السياق خيارات تبدأ بالاحتجاج الدبلوماسي، وقد تصل إلى استدعاء السفير للتشاور أو مراجعة بعض جوانب التنسيق السياسي، مع إعادة ملف المدينتين إلى واجهة النقاش.
لقد بنيت العلاقة الحالية بين المغرب وإسبانيا على توازن دقيق، يقوم على احترام المصالح المتبادلة وتجنب الخطوات التي تضع القضايا السيادية في قلب المواجهة، وإذا مضت مدريد في تنظيم الزيارة فإنها ستكون قد كسرت هذا التوازن في ظرف إقليمي مضطرب، ووضعت تعاونها مع الرباط أمام اختبار كان من الممكن تجنبه بقليل من الحكمة السياسية.




التعليقات