روسيا والصين والحرب على إيران
محمد زاوي
يتساءل عدد من المحللين والمتابعين عن دور حلفاء إيران -خاصة روسيا والصين- في الحرب القائمة بينها وبين أمريكا-“إسرائيل”، وقد ذهب البعض حد وصف مواقف البلدين بالتخلي عن إيران وتركها وشأنها أمام آلة الطحن الأمريكية.. وفي ذات السياق، عادت إلى الأذهان أحداث 1967 (النكسة)، وما اتسمت به من تحفظ سوفييتي في دعم مصر والطرف العربي عموما في حربهما ضد التوسع “الإسرائيلي”.. فهل هي حسابات سياسية وجيوسياسية تفرض على حلفاء إيران التحفظ في دعمها؟ أم أن هؤلاء الحلفاء يكتفون بدعم لا يربك حساباتهم الجيوسياسية؟ أم أن ساعة التدخل المباشر والصريح لم يحن بعد ما دامت الوتيرة الحالية الحرب لا تهدد مواقع ومصالح كل من روسيا والصين؟
فلنتطرق أولا لموقفي كل من روسيا والصين منذ اندلاع الحرب على إيران، مع الأخذ بعين الاعتبار نوع العلاقة التي تربط كلا منهما بطهران.. فموسكو التي تربطها بطهران اتفاقية تعاون عسكري تقني، لم تنف تزويد إيران بالعتاد العسكري، حسب تصريح لوزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف (مقابلة مع قناة فرنسية)؛ إلا أنها -أي روسيا- نفت أن تكون قد زودت طهران بإحداثيات القواعد العسكرية الأمريكية في الشرق الأوسط، مشيرة إلى أن هذه الإحداثيات “عامة ومتاحة ومعروفة لدى الجميع”.
وقد اتخذ الموقف الروسي منحى تصعيديا على مستوى الخطاب بعد حديث تقارير إعلامية عن تخطيط أمريكي للسيطرة على جزيرة خارج الإيرانية، وبعد تهديد الإدارة الأمريكية بقصف منشآت طاقية في إيران.. متحدثون باسم الكرملين حذروا من هذه الخطوة، وقالوا إنها قد تؤدي إلى اتساع رقعة الحرب، في إشارة لتدخل دول أخرى.. فهل هي إشارة لتدخل روسي محتمل أم تحذير عام ينبه إلى خطورة التدخل البري في إيران وخطورة استهداف المشروع النووي والطاقي لإيران استهدافا بالغا! وقبل هذا وذاك، فقد اعتبرت روسيا الحرب على إيران اعتداء ما كان له أن يقع، مشددة على حقها -أي إيران- في تطوير مشروعها النووي.
وقد اتخذت الصين موقفا أكثر احترازا، إذ اكتفت بالدعوة إلى وقف إطلاق النار ومنع التصعيد وبدء المفاوضات بين طرفي الحرب، أمريكا و”إسرائيل” من جهة، وإيران من جهة أخرى.. وذلك من خلال مبعوثها الخاص إلى الشرق الأوسط، تشاي جيون (خلال مؤتمر صحفي ببكين)، الذي استنكر الاعتداء على إيران دون رجوعٍ إلى مجلس الأمن، كما دعا إلى حماية المدنيين، واعتبر أن “دول الخليج تعاني من حرب لم تقررها”، وأن “الصين ترفض الاعتداءات التي لا تميز بين المدنيين والعسكريين”. وإلى جانب هذا التصريح نفت تصريحات أكاديمية وتحليلية صينية أي دعم استخباراتي من قبل بلادها لإيران، مؤكدة دعمها لسيادة بلدان الخليج ووحدة أراضيها.
نحن إذن إزاء موقفين؛ موقف روسي بتمثيلية أكبر (وزير الخارجية/ متحدثين باسم الكرملين)، وموقف صيني بتمثيلية أقل (المبعوث الصيني إلى الشرق الأوسط/ مراكز أكاديمية).. وقد تناسب هذا المعطى الشكلي تناسبا اطراديا مع مضمون موقفي البلدين، إذ نحت روسيا بخطابها منحى تهديديا يؤكد دعم إيران بالسلاح، فيما أمسكت الصين عصا الحرب من الوسط بين دول الخليج وإيران.. الأمر أشبه بحديثين على مسافتين مختلفتين، حديث روسي من قريب، وحديث صيني من بعيد.. فهل تبقى روسيا وفية لهذا الموقف؟ وهل يصمد الموقف الإحترازي الصيني في وجه التغيرات الجيوسياسية، مع استحضار تضرره الاقتصادي من استهداف إيران، وعلاقاته الاستراتيجية مع روسيا؟
بالنظر إلى الخريطة، نلاحظ تباينا في المسافة التي تربط كلا من روسيا والصين بإيران، فالأولى أقرب إلى حدودها من الثانية، وهذا ما قد يفسر الدينامية المتقدمة التي يتسم بها الموقف الروسي، إذا ما قورنت بالدينامية الحذرة للصين.. ومن ناحية أخرى، جيوسياسية، تدبر روسيا عمليتها الخاصة في نقطة مشتعلة هي أوكرانيا، ما يفرض عليها ممارسة ضغط على الجبهة الإيرانية يسمح لها بالتقدم غربا. وهذا ما تعرفه واشنطن جيدا، رغم الضغوط الأوروبية التي تسعى إلى إشعال فتيل التوتر بين أمريكا وروسيا تخفيفا للضغط على الجبهة الأوكرانية. الصين من جهتها، لا تدخل الحرب الحالية في تكتيكها الجيوسياسي، فضلا عن أن استمرارها واستفحالها قد يضر بها اقتصاديا، وهذه غاية ترامب.
التعليقات