رمضانيات.. كفارة الإفطار في رمضان
عبد الله القيسي
طلعت على فتوى قدمت لزوجين حديثي العهد بالزواج، سألا عن حكم إفطارهما سبعة أيام في رمضان، فجاء فيها أنه يلزمهما عن كل يوم صيام شهرين متتابعين. فاستوقفتني هذه الفتوى، إذ يترتب على القول بها إلزامهما بصيام أربعة عشر شهرًا، وهو تكليف بالغ المشقة، ما يثير الحاجة إلى إعادة النظر في مستندها ومدى اتساقها مع كليات الفقه.
هذه المسألة وقع فيها خلافٌ بين الفقهاء، ويمكن إجماله في صورتين:
1- إن كان الإفطار بغير جماع، فقد ذهب جمهور الفقهاء إلى أنه لا كفارة فيه، وإنما يجب القضاء مع التوبة، بينما ذهب المالكية إلى وجوب الكفارة فيه أيضًا.
2- أما إذا كان الإفطار بالجماع، فقد قرر جمهور العلماء وجوب الكفارة المغلظة، في حين ذهب بعض أهل العلم إلى أنه لا كفارة فيه، شأنه شأن سائر صور الإفطار العمد بغير جماع.
وسأتوقف عند المسألة الثانية، لأن القول بعدم الكفارة في الجماع يكاد يغيب عن الخطاب الفقهي المعاصر، حتى ليُظن أنه غير موجود في تراثنا، ويرجع ذلك في الغالب إلى الاستناد المكثف إلى الرواية المشهورة في قصة الرجل الذي جامع امرأته في نهار رمضان، المروية عن أبي هريرة رضي الله عنه، والتي سيأتي ذكرها.
لكن المتأمل في أدلة المسألة يظهر أن القول بعدم وجوب الكفارة أقرب إلى الاتساق مع الأصول العامة، وذلك لاعتبارات عدة، من أهمها:
أولًا: إن أصل قصة الرجل الذي جامع امرأته قد رُوي كذلك عن عائشة رضي الله عنها، أما الرواية المنسوبة إلى أبي هريرة فليست إلا إعادة نقلٍ للقصة مع زياداتٍ في بعض ألفاظها. ومع أن الروايتين مخرَّجتان في البخاري ومسلم، فإن التأمل في متونهما يكشف فروقًا مؤثرة، ومع ذلك شاع في التداول الفقهي الاعتماد على الرواية التي تضمنت زيادات وتشديدًا، ولو أدى ذلك إلى عدم اتساق مع القواعد الكلية وروح التشريع في الإسلام.
1- الحديث المروي عن أبي هريرة رضي الله عنه:
عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: هلكت، يا رسول الله، قال: «وما أهلكك؟» قال: وقعت على امرأتي في رمضان، قال: «هل تجد ما تعتق رقبة؟» قال: لا، قال: «فهل تستطيع أن تصوم شهرين متتابعين؟» قال: لا، قال: «فهل تجد ما تطعم ستين مسكينا؟» قال: لا، قال: ثم جلس، فأتي النبي صلى الله عليه وسلم بعرق فيه تمر، فقال: «تصدق بهذا» قال: أفقر منا؟ فما بين لابتيها أهل بيت أحوج إليه منا، فضحك النبي صلى الله عليه وسلم حتى بدت أنيابه، ثم قال: «اذهب فأطعمه أهلك».
2- الحديث المروي عن رواية عائشة رضي الله عنها:
عن عائشة رضي الله عنها، أنها قالت: جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: احترقت، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لم» قال: وطئت امرأتي في رمضان نهارا، قال: «تصدق، تصدق» قال: ما عندي شيء، فأمره أن يجلس، فجاءه عرقان فيهما طعام، فأمره رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يتصدق به.
تأملوا الروايتين معًا، وانظروا إلى تلك الزيادات التي كان أصلها واردًا في كفارة الظهار، ثم نُقلت إلى مسألة الإفطار بالجماع!
هل الحدث في الروايتين واحد؟ نعم، هو واقعة رجلٍ جامع أهله في نهار رمضان.
وأين وقع هذا الحدث؟ في بيت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها.
فمن الأجدر بأن تكون روايته أضبط وأدق؟ لا ريب أن صاحبة البيت وأقرب الناس إلى تفاصيل ما جرى أولى بذلك.
وقد عُرفت عائشة بكثرة استدراكاتها، وخاصة على أبي هريرة.
ومن يتتبّع ما رُوي عن أبي هريرة رضي الله عنه يلحظ أن عددًا غير قليل من مروياته تَرِدُ فيها زيادات في بعض الألفاظ أو التفاصيل. فإذا تشابهت روايته مع أخرى رويت عنه، وكان بينهما قدر من الزيادة، فإن الاحتمال الأقرب أن تكون روايته إعادة للخبر مع إدراج تلك الزيادات.
كما أن بعض الروايات المنسوبة إليه ورد فيها ما يعارض القرآن، والأقرب أن بعض ذلك قد نُسب إليه بعد اشتهاره بكثرة الرواية؛ إذ وجد الوضّاعون في الاسم المشهور طريقًا أيسر لترويج مروياتهم.
ولهذا كان الإمام أبو حنيفة رحمه الله يتوقف في بعض الروايات المنسوبة إلى أبي هريرة وأنس بن مالك رضي الله عنهما، ويقدِّم القياس عليها أحيانًا. وقد فسّر بعض الحنفية ذلك بأنهما لم يكونا من فقهاء الصحابة، لكني لا أرى هذا التعليل دقيقًا، إذ الأقرب أن منشأ التوقف عنده كان لما رآه من عللٍ في متون تلك الروايات.
ثانيًا: إن القول بعدم وجوب الكفارة في الجماع نُقل عن عدد من كبار التابعين، وهم: عامر الشعبي، وإبراهيم النخعي، وسعيد بن جبير رحمهم الله.
وقد حفظت كتب الفقه أقوالهم في ذلك، فمنها:
قال عبد الوهاب البغدادي المالكي:
“وحُكي عن الشعبي والنخعي أنه لا كفارة في ذلك ولا في غيره، وأن الخبر الوارد بوجوب الكفارة مخصوص بمن ورد فيه”. (شرح الرسالة 1/264).
وقال ابن قدامة المقدسي الحنبلي:
“حُكي عن الشعبي، والنخعي، وسعيد بن جبير: لا كفارة عليه؛ لأن الصوم عبادة لا تجب الكفارة بإفساد قضائها، فلا تجب في أدائها، كالصلاة”. (المغني 3/134).
وقال علي القاري الحنفي:
“وحُكي عن الشعبي والنخعي وسعيد بن جبير أن الكفارة غير واجبة أصلاً لا على موسر ولا معسر. قالوا: لأنه أباح له أن يأكل منها، ولو كانت واجبة لما جاز ذلك”. (مرقاة المفاتيح 6/519).
فتأمل رأي هؤلاء التابعين، وتأمل مسالكهم في الاستدلال: فمنهم من نظر إلى دلالة الإذن بالأكل من الكفارة، ومنهم من حمل الخبر على الخصوص، ومنهم من قاس الصوم على الصلاة في عدم إيجاب الكفارة بالإفساد.
ثالثًا: إن مذهب مالك بن أنس – في أشهر الروايات عنه – يقتصر في كفارة الجماع على الإطعام دون العتق أو الصيام، وهو ما قرّره غير واحد من المالكية، مستندين إلى رواية عائشة رضي الله عنها، كما رجّحه ابن عبد البر.
قال ابن عبد البر:
“قال ابن وهب عن مالك: الإطعام أحب إلي في ذلك من العتق وغيره. وقال ابن القاسم عنه: إنه لا يعرف إلا الإطعام، ولا يؤخذ بالعتق ولا بالصيام. وقد رُوي عن عائشة قصة الواقع على أهله في رمضان بهذا الخبر، ولم يُذكر فيه إلا الإطعام”. (التمهيد 7/163).
ثم قال مبينًا وجه اختيار مالك:
“ففي هذا الحديث بيان ما ذهب إليه مالك رحمه الله في اختياره الإطعام دون غيره، وقد كان الشافعي وابن علية يقولان إن مالكًا ترك في هذا الباب ما رواه إلى رأيه، وليس كما ظنّا، والأغلب أن مالكًا سمع الحديث لأنه مدني، فذهب إليه في اختياره الإطعام، مع ما ذكرناه من شهود الأصول له بدخول الإطعام في البدل من الصيام، والله أعلم”. (التمهيد 7/164).
وقال بدر الدين العيني في عمدة القاري:
“وقال صاحب (التوضيح): وذكر الطحاوي عن هؤلاء القوم هكذا، ولم يبين من هم. قلت: هم عوف بن مالك الأشجعي، ومالك في رواية، وعبد الله بن رهم، فإنهم قالوا في هذا: تجب عليه الصدقة ولا تجب عليه الكفارة، واحتجوا في ذلك بظاهر حديث المحترق. وأجيب: بأن حديث أبي هريرة الذي يأتي في الكتاب زاد فيه: العتق والصيام، والأخذ به أولى، لأن أبا هريرة حفظ ذلك ولم تحفظه عائشة، ويقال: إنها لم تجب عليه في الحال لعجزه عن الكل، وأُخرت إلى زمن الميسرة. وفي (المبسوط): وما أمره به صلى الله عليه وسلم كان تطوعًا، لأنها لم تكن واجبة عليه في الحال لعجزه، ولهذا أجاز صرفها إلى نفسه وعياله”. (عمدة القاري 11/26).
وقال ابن بطال:
“وفي المدونة قال ابن القاسم: لا يعرف مالك في الكفارة إلا الإطعام، لا عتقًا ولا صومًا. وقال في كتاب الظهار: ما للعتق وماله؟ قال تعالى: (وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ) [البقرة: 184]، قال المؤلف: وأمر المحترق بالصدقة”. (شرح صحيح البخاري 4/76).
والملاحظ هنا أن الرواية التي استند إليها الإمام مالك في الاقتصار على الإطعام – وهي رواية عائشة – لم يرد فيها تحديد العدد بستين مسكينًا. وعليه، فإن أصل مذهب مالك يفترض أن يكون الإطعام مطلقًا دون تفصيل. أما تحديده بستين مسكينًا كما عند بعض المالكية فمستندُه الرواية الأخرى، مع أن أصل مذهب مالك يقوم على اعتماد رواية عائشة وتقديمها، وردّ ما زاد عليها في رواية أبي هريرة.
وتأمل ما ذكره ابن بطال من استشهاد من قال بالإطعام، بقوله تعالى: (وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ). قلتُ: وهذه الآية استشهد بها بعض المعاصرين، فقال إنها خاصة بمن أفطر رمضان بلا عذر، وأن كفارته تكون بإطعام مسكين أو أكثر مع القضاء. وقد فصلت هذا القول في كتابي: إشكالية النسخ في القرآن.
الخلاصة في هذه المسألة: أن تعمّد الإفطار في نهار رمضان من غير عذر إثم كبير، والقول الأرجح في كفارته هو إطعام مساكين بقدر سعته مع قضاء الأيام التي أفطرها الإنسان، فذلك أقرب لتحقيق مقاصد الشريعة.
التعليقات