رسالة من محمد بن موسى الخوارزمي إلى الكاتب المغربي سعيد ناشيد
محمد أبلاغ، كاتب مغربي
لا تكتب فيما لا تفهمه حتى لا يُؤْثر عنك ما لا تستسيغه وتتقبله
كتب الكاتب المغربي سعيد ناشيد تدوينة بعنوان من الخوارزمي إلى الخوارزميات في مجال بعيد عن اهتماماته، وهذا الأمر إنما هو ناتج عن ظاهرة أتمنى ألا يتمادى في السقوط فيها حتى لا تسقطه، وهي الرغبة في الحضور الدائم والكتابة باستمرار حتى لا ينساه الناس، وهي ظاهرة بدأت مع بداية الوسائل السمعية البصرية الحديثة في القرن العشرين وتفاقمت في هذا القرن نتيجة للتطور الالكتروني الكبير، والمشكلة الكبيرة التي لم يفهمها عبد الرحمن بدوي في القرن العشرين وفتحي المسكيني اليوم كنموذجين مشهورين لنماذج كثيرة من هذا النوع، هي أن الرغبة في الحضور الدائم، يجعل المرء يسقط في أخطاء كثيرة، تحجب عن الناس قيمته الفكرية الحقيقية، لو ركز بالأساس على ما هو على دراية كبيرة به في تخصصه.
فالتدوينة التي كتبها سعيد ناشيد بعنوان من الخوارزمي إلى الخوارزميات، يعتبر فيها أن عمل الخوارزمي قائم على ” إجراءات، وخطوات مرتبة، متتالية، بإمكانك إنجازها بنحو آلي، من دون حاجة ضرورية إلى أن تفهم”، وبعد أن كتب هذا كال المديح للهندسة الأوقليدية التي تتطلب أن تكون براهينها براهين مطلقة ( برهان السبب والوجود)، حتى اختزل ما أراد قوله ولم يوفق فيه.
بالنسبة للجبر عند الخوارزمي فهو ليس مجرد خوارزميات حسابية، لأنه وصل إلى أعلى درجات التجريد حيث انتقل بالموجودات من مستوى الموجود اليوناني المحصور بالمقولات العشرة الحاصرة للوجود، إلى مستوى الأشياء اللامتناهية المتطلبة للرياضيات التي وحدها المؤهلة للتعامل مع الأشياء اللامتناهية، وكما تحضر البرهنة في كتاب أوقليدس تحضر كذلك عند الخوارزمي من خلال الاعتماد على البراهين الهندسية لتعليل صحة المعادلات الجبرية من الدرجتين الأولى والثانية. كلمة Algorithm في اللغات الأوروبية هي تحريف لاتيني لاسم الخوارزمي التي تعني التقنيات الحسابية وهي تعود لا لعمله في الجبر بل إلى كتابين في علم الحساب نقل فيهما النظام العشري الهندي إلى اللغة العربية وهما كتاب الحساب الهندي وكتاب الجمع والتفريق بحساب الهند، لذلك فإن أردنا أن نعرف اصل العقل الآلي الأداتي ” لتبرئة ديكارت” من الكوارث التي نعيشها اليوم فيجب الرجوع إلى الهنود الذي ابتكروا هذا النوع من الحساب، ونقله عنهم الرياضيون في المرحلة العربية الإسلامية من تاريخ العلوم، لكن لا يمكن القول بأن هذا الحساب هو حساب نقوم به بدون فهم كما جاء في التدوينة، هو أيضا يحتاج التعليل، وذلك عندما ننتقل به من مستوى الأعداد الطبيعية إلى مستوى الأعداد القائمة على النسبة، وهو ما لا يتسع المجال إلى تفصيل القول فيه هنا، لذلك سأكتفي بالإشارة السريعة هنا إلى مسألتين أساسيتين:
المسألة الأولى هي أن العقل الآلي الأداتي البارد لا يرتبط بالخوارزميات العددية، لكنه يرتبط بالأساس بعزل العلم عن ابعاده الفكرية والثقافية والوجدانية والروحية، فأنتج لنا نموذجا من البشر البارد بدون عواطف، وهذه المشكلة أنتجها تطور الفكر الأوروبي لا غيره، فاتجه بالعلم نحو آلات الدمار، كانت معها القارات الأخرى مضطرة إلى اتباعها حتى لا تفنى وتزول، والمطلوب اليوم ليس محاولة تبرئة القارة الأوروبية ب”مفكريها الكبار” بل بالتوجه نحو فكر إنساني كلي جامع محتضن لكل الحضارات الإنسانية، لأن القارة الأوروبية وباعتراف كثير من رموزها، هي السبب الأول فيما يقع اليوم على مستوى العالم من كوارث وتلوث ودمار.
المسالة الثانية أن هذا التوجه العملي في الحساب للمرحلة العربية الإسلامية من تاريخ الفلسفة والعلوم، قد سبق للجابري أن ذهب إليه في كتاب تكوين العقل العربي، بالاعتماد على الخوارزمي ومقدمة كتابه الجبر والمقابلة الذي يؤكد فيه على الأهمية العملية للجبر والمقابلة في حل مسائل تتعلق بالشرع والمعاملات ، لكي يبرهن للعالم أجمع أن الحضارة العربية الإسلامية هي حضارة عملية، في مقابل التفوق النظري للحضارتين اليونانية والأوروبية باتجاههما للعقل الفلسفي والعلمي، وهو قول خاطئ، لأن الجابري تجاهل عن قصد لمناصرة أطروحته، ان هذا الانطلاق العملي لم يكن سوى الخطوات الأولى كما هو الشأن بالنسبة لكل فكر وعلم نحو أعلى درجات التجريد، حيث يتم الارتقاء من العملي للنظري وهو فعلا ما وقع، لكن الجابري الذي سكت عن هذا الأمر كان على معرفة تامة به، فبعد هذه الخطوات الأولى تم الارتقاء بالجبر نفسه الذي ركب فيه الخوارزمي بين الهندسة النظرية اليونانية والخوارزميات العددية الهندية، إلى مستوى التركيب بين الهندسة والجبر على مستوى إيجاد الحلول للمعادلات من الدرجة الثالثة على يد عمر الخيام، إلى مستوى تطبيق الهندسة نفسها في الجبر على يد شرف الدين الطوسي.
وأخيرا وبالنظر إلى ما يقع اليوم، حيث سقط القناع عن القناع عن القناع، فإننا نحتاج إلى تضافر الجهود لإعطاء نفس جديد للفكر الإنساني وإعطاء معاني جديدة تمتح من المشاكل الحالية التي يعرفها الانسان والأرض لمفاهيم أفرغت من محتواها الإنساني كالتنوير والحداثة وما بعد الحداثة وغيرها.
المصدر: رابطه صفحة الكاتب على فيسبوك.
التعليقات