رسالة أمير المؤمنين إلى الشعب المغربي بمناسبة نهائي كأس أفريقيا: بوصلة للقيادة والاحتفاء بقارة أفريقيا
د. محمد المهدي اقرابش
يهدف تواصل أمير المؤمنين محمد السادس حفظه الله مع الشعب المغربي في مواقيت وظرفيات حاسمة، إلى توجيه حكيم ورشيد للسلوك الجماعي للشعب المغربي، لكيلا يَفْسُدَ ماصنعه من امجاد في سبيل هذه القارة الغالية والعزيزة، بسبب انفعال طبيعي ومشروع، إزاء الدسائس والمكائد التي حاكها ودبرها الخصوم وذلك للضرب في سمعة وصورة بلدنا المغرب. وهيهات هيهات!
إن مخاطبة جلالته لكل مغربي فردا فردا لهو بلسم شافي. فهو يهدف إلى التهدئة وتغليب منطق العقل والحكمة، لأن العاطفة الجياشة والكبرياء المجروح قد يحدثان مفسدة في العلاقات مع إخواننا الأفارقة، فتختل بذلك، لا قدر الله، المصلحة العامة.
ليكن لسان المغاربة قول سيدنا النبي يوسف عليه السلام ” لا تثريب عليكم اليوم يغفر الله لكم ” الآية 91 سورة يوسف.
والعفو من شيم الكرام، وإن أبيت أيها القارئ، فهب أن أخا شقيقا لك قد ظلمك أو إبنا قد عَقَّكَ فهل تصرمه وتقاطعه؟ حتما الجواب سيكون لا. وإنما ستتجاوز وتصفح ولكن ستحذر وتحتاط لأن المؤمن لا يلدغ من جحر مرتين.
لقد صار المغرب قائداً لقارة أفريقيا في المحافل الدولية فهو صوتها والمدافع عنها. ولننظر مثلا إلى خطابات الملك المغفور له محمد الخامس طيب الله ثراه في المحافل الدولية في شأن الدول الأفريقية المستعمرة وقد استقبل رحمه الله في ما مضى المقاوم الرمز باتريس لومومبا وبعده استقبل المغاربة المقاوم نيلسون مانديلا وناصروه وكذلك المقاومين الجزائريين والتاريخ ينطق بهذا جليا والشواهد لا تنكره عين ولا يذهل عنه منصف.
إن مَثَلَ المغرب والقارة الأفريقية كمثل شجرة باسقة ووارفة الظل وجذورها عميقة وراسخة في القارة الأفريقية.
ولعل الله قد جعل المملكة المغربية في رأس أفريقيا لتكون هي المقدمة والقاطرة التي تقود قارتنا بمساعدة الغيورين من القيادات الأفريقية،إلى الإزدهار والمجد والرخاء.
تتقاسم المملكة المغربية مع دول أفريقيا روابط حضارية عريقة وعلاقات إنسانية ودينية وجغرافية قوية أيضا.
ولا يسعنا في هذا المقال أن نَعْرِض لكل هذه الوشائج ولكن سأشير إلى بعضها وكما قيل: يكفي من القلادة أو العقد ما أحاط بالعنق.
– الريادة الدينية منذ قرون للمملكة المغربية على مستوى الساحل جنوب الصحراء.
قد كان المغرب ولا يزال دائما صلة وصل بين أوروبا و البحر الأبيض المتوسط وأفريقيا، فهو الذي نشر الإسلام في منطقة الساحل جنوب الصحراء عن طريق الزوايا الصوفية خاصة التيجانية والقادرية والمحضرة الدينية. ومن أراد أن يتوسع في هذا الأمر ويدرسه فليقرأ في المراسلات العلمية التاريخية بين علماء فاس ومراكش وسوس و سمارة وشنقيط وعلماء تمبوكتو والسنغال وغيرها. وإني أحيل القارئ إلى كتابات الناصري صاحب كتاب الاستقصا وكتابات العلماء التيجانيين في هذا الباب. فليرجع إلى مظانها فهي مشهورة ومعروفة. وقد تحققت هذه الآصرة العلمية بفضل إمارة المؤمنين. فقد بايع الأفارقة دينيا سلطان المغرب ودعوا له فوق المنابر، لأن حدود المغرب في ما مضى كانت تصل إلى نهر السنغال.
– مساندة المغرب لحركات التحرر الوطنية في البلدان الإفريقية.
نظمت حركات تحررية أفريقية مؤتمراتها وأنشطتها المتعددة في المغرب. و نسوق مثالا على ذلك، حركة تحرير غينيا بيساو وجزر الرأس الأخضر (PAIGC) والحركة الشعبية لتحرير أنغولا (MPLA) و جبهة تحرير الموزامبيق (FRELIMO) وغيرها من الحركات التحررية التي لقيت دعما مغربيا.
فلا مزايدة إذن على المقاومة و التحرر من ربقة الاستعمار الغربي. وتجدر الإشارة إلى أن المغرب هو أحد مؤسسي منظمة الوحدة الأفريقية( OUA) و قد شارك بشكل فعال في صياغة الميثاق الأفريقي.
– دفاع المغرب عن القضايا الأفريقية من خلال جهود دبلوماسية لصالح السلم والاستقرار في أفريقيا.
ترأس أمير المؤمنين محمد السادس حفظه الله سنة 2002 اجتماعا لتسوية النزاع في نهر مانو(MANO) بين رؤساء دول غينيا وليبريا والسيراليون، وساهم في عودة الثقة بين قادة المنطقة. وهو مثل من بين الأمثلة العديدة في هذا الشأن. لذلك نجد صُوَرَ أمير المؤمنين تُزَيِّنُ جدران بيوتات ومؤسسات بلدان أفريقية كنيجيريا والسنغال ومالي وغيرها من البلدان نظرا لمكانته الروحية ورمزيته الدينية. ومؤسسة محمد السادس للعلماء الأفارقة خير دليل وشاهد على هذا الأمر. اضطلعت هذه المؤسسة العلمائية بتكوين وتأطير ائمة وخطباء ووعاظ أفارقة. في إطار الدبلوماسية الدينية الموازية للدبلوماسية التقليدية.
– الدفاع عن مصالح القارة الأفريقية الاقتصادية.
بوصفه رئيسا لمجموعة 77+ الصين، استضاف المغرب المؤتمر الوزاري للدول الأقل نموا في يونيو 2003 بالرباط والذي شاركت فيه العديد من الدول الأفريقية. كما نظم المغرب في يوليوز سنة 2006 بالرباط، المؤتمر الوزاري الأوروبي- الإفريقي حول الهجرة والتنمية والذي جمع 60 دولة أفريقية وأوروبية، وقد سمح هذا اللقاء بإقامة حوار بناء ووضع خطة عمل لتدبير جيد لتدفق الهجرة بين القارتين، مع التأكيد على محاربة الهجرة غير الشرعية وعلى مفهوم الشراكة. ثم توالت بعد ذلك مؤتمرات ولقاءات وفعاليات سياسية واقتصادية واجتماعية وثقافية لتمتين أواصر الصداقة والأخوة مع الدول الأفريقية.
ماذكرت هو غيض من فيض. وعليه فإن حاجة القارة الأفريقية إلى المغرب وحاجة المغرب إلى قارته هي قوية جدا. وليس هناك أي شيء قادر على تعكير صفو العلاقات الأخوية بين المغرب والبلدان الأفريقية. وإن حدث كدر فهو بسبب حاسدين ومناوئين ومعادين وإنها لسحابة صيف ثم بعده الصفاء والنقاء.
حفظ الله أمير المؤمنين محمدا السادس وولي عهده الأمين الأمير مولاي الحسن و الأمير الجليل مولاي رشيد وسائر الأسرة العلوية الشريفة و الشعب المغربي قاطبة.
وحفظ الله بلدنا المغرب وجعله رخاء سخاء وبلاد المسلمين وحفظ الله قارتنا أفريقيا وجعلها في ازدهار دائم.
قال الله تعالى: “ياأيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم إن الله عليم خبير “الآية 14 سورة الحجرات.
التعليقات