دوغين يدعو إلى حرب قيامية “يزنها بوتين ببيض النمل”

29 مارس 2026

محمد زاوي

ليس ما يكتبه ألكسندر دوغين عن الحرب الأمريكية الإيرانية بأمرٍ مستغرَب، فقد اعتاد تحويل كل حرب في الواقع الجيوسياسي إلى حرب حضارية تؤيد تصوراته اليمينية الأرثودوكسية؛ الثورة الروسية، ثورة 1917، نفسُها لم تسلم من إيديولوجيته “الأوراسية”، لم تكن إلا تمهيدا لقيصرية جديدة سرعان ما فرضت وجودها على الأفكار الأطلسية البحرية للشيوعيين الروس، ولم تكن إلا تمردا لـ”فرسان الهيكل” على نظام فقد قدرته الروحانية على السيطرة، ليس للقضاء عليه بل لبعث روحه اليمينية القديمة والخالدة من جديد (راجع كتاب “فرسان هيكل البروليتاريا” لألكسندر دوغين). ليس في الوجود الجيوسياسي أي صراع غير الصراع الذي ملأ به صفحات كتبه في الجيوبولتيك، الصراع “الأبدي” بين الحضارات الأرضية والحضارات الأطلسية.

ذات مؤتمر صحفي، سئل بوتين عن موقفه من اجتهادات ألكسندر دوغين فأجاب بجملة معبرة: “لا أريد السقوط في نفس الخطأ الذي سقط فيه الاتحاد السوفييتي”.. وليس هذا الخطأ غير جعل الإيديولوجيا بديلا عن الجغرافيا السياسية، الخطأ الذي ينبه إليه دوغين نفسه (في كتابه “الجغرافية السياسية لما بعد الحداثة: عصر الإمبراطوريات الجديدة”)، غير أنه يعيد إنتاجه بكيفية أخرى أكثر مثالية تستمد أصولها من طبيعة تكوينه.. فماذا يُنتظر من تمركز جيوسياسي أرثودوكسي حول الذات الأورواسية، ومن إيديولوجيا يمينية اكتسبت وقودها الفلسفي من الفلسفة “الكينونية” للفيلسوف الألماني مارتن هايدغر، والفلسفة الروحانية للفيلسوف الإيطالي جوليوس إيفولا؟!

تبدأ الرحلة الحضارية-اليمينية، الأرثودوكسية، لألكسندر دوغين مع تعريفه للحرب الحالية على إيران، بأنها حرب يقودها “الصهاينة” على الوجود الإيراني، و”الصهاينة و(المسيحيون الصهاينة) هم عبدة بعل، طائفة سبتائية/فرانكية متطرفة، ولهذا يعارضهم اليهود الأرثوذكس، إنهم العِرِف راف، الخليط غير اليهودي داخل اليهود، يتبعون مسيحاً زائفاً ويعتقدون أنهم آلهة بأنفسهم” (ألكسندر دوغين، مقال “إيران: المواجهة الأخيرة ضد بها”، منصة “أركتوس جورنال”).. ولأن دوغين يجيد الانتقال بين الغيبي والتاريخي، بين الحضاري والسياسي، فقد انتقل إلى تعريف “حضارة عبدة بعل” بعملها الواقعي، فقال إنها “حضارة (حضارة بعل) بسيطة: تكرر السيناريو نفسه مرة بعد مرة، وينجح في كل مرة، لأن الجميع يظنون أن ذلك ينطبق على القذافي أو حسين أو ميلوشيفيتش أو مبارك أو نصر الله أو الأسد أو خامنئي، لكنه لن ينطبق عليهم هم” (نفس المرجع).

الحرب قيامية إذن، يجب أن يخوضها الجميع تحت راية “رجال الله”، فـ”الرجال (وحدهم) -يقول دوغين في مقاله- يمكنهم أن يبدأوا حرباً، لكن الله وحده يمنح النصر لأحد الطرفين. وزن أرواح المحاربين على الجانبين هو المهم. روح الغرب فاسدة تماماً. خمنوا من سيفوز” (نفس المرجع).. يكتب دوغين هذه التميمية في الوقت الذي يدرس فيه بوتين -القيصر الأرثودوكسي الجديد (كما يصفه في كتابه “الصيغة الجديدة لبروتين”)- تفاصيل الحرب داخل أروقة الكرملين بمنطق “الربح والخسارة”، بمنطق جيوسياسي يستحضر الحسابات الروسية على الجبهة الأوكرانية على غيرها من الجبهات.. يكثر دوغين الحديث عن “حرب مقدسة مصيرية”، في وقت ترمق فيه الصين -وهي حضارة أرضية رئيسية في رؤية دوغين- نتائجها من بعيد فتحدد موقعها على ذلك الأساس..

ولأن “الأسطورة” تنسي صاحبها تحليله القديم كما تُفقده قدرته على التحليل في حينه، فقد نسي دوغين أول لعله “تناسى” ما قاله عن ترامب في كتاب سابق (يمكن الرجوع إلى كتابه “ثورة ترامب”)، فلا صوت يعلو على صوت المعركة، ولا تحليل يغني عن خوض “حرب قيامية”! فترامب لا يعترف بقانون ولا بأخلاق، فقد “قال بالفعل إن القانون الدولي غير موجود: ما هو أخلاقي هو ما أعتبره أنا أخلاقياً.. وبالتالي فإن “الحديث عن القواعد أو القوانين أو أي معايير في العلاقات الدولية لم يعد ممكناً (…) لا يسري الآن غير حق الأقوى وحق الأسرع؛ من يضرب أولاً هو الذي يكون على حق، وكل ما عدا ذلك مجرد تبريرات لاحقة” (نفس المقال). لم يستطع دوغين إيجاد تفسير للتناقض بين استراتيجية ترامب (تحدث عنها في كتابه “ثورة ترامب”) وتكتيكه في إيران، فانقلب على تحليله القديم وكأنه لم يصدر عنه، فاستحال ترامب إمبراطورا شيطانيا لـ”حضارة بعل”.. كان ثائرا على العولمة لما كانت روسيا تريد ذلك، وغدا عميلا للشيطان الأرثودوكسي عندما غدا نقيضا لها في الملف الإيراني.. وكل المبررات اليمينية طوع يدي دوغين.

تلاشت الليبرالية، كما تلاشت الماركسية والفاشية؛ لا سبيل ينقذ البشرية اليوم غير النظرية “السياسية الرابعة”، وهي كما يبشر بها دوغين إعادة اليمينية الإمبراطورية إلى الواجهة بصفة تعددية (راجع “الخلاص من الغرب” لأكسندر دوغين)، للخروج لا من عيب الليبرالية فحسب، بل من خطر تلاشيها تاركة مكانها لـ”حضارة بعل”.. الحرب على إيران مثال لهذا التلاشي، تنفيذ لمبادئ “حضارة بعل”.. يقول دوغين: “تلاشت الليبرالية سريعاً واختفت من جدول الأعمال، ولم يعد أحد يتحدث عن القيم الليبرالية أو الديمقراطية، كل ذلك أصبح من الماضي. الآن يسود طقس بعل، طقس العجل الذهبي، طقس السلطة العالمية، طقس الولايات المتحدة وإسرائيل. إنها حضارة العنف والشيطانية وأكل لحوم البشر والانحراف والبيدوفيليا” (نفس المقال).. تلاشت الليبرالية، لكن عقلنتها ليست يمينية فحسب، ليست يمينية دائما كما يزعم دوغين.. هذا الاستغراق في اليمينية هو عيبه الأساسي، يصيب في كشف العيب الأخلاقي والإنساني لليبرالية، لكنه لا يفلح في إيجاد مخرج عقلاني منه.. لو كان الكشف عقلانيا ملموسا لكان الخروج كذلك، لكن الكشف كان أخلاقيا يمينيا فبقي دوغين حبيس مثالية الخروج..

بقي حبيس مثاليته في تصور سبيل للخروج من عالم “الليبرالية الإمبريالية”، كما بقي حبيس مثاليته في الحكم على تجارب جيوسياسية لا تتماشى وهو صرخته القيامية في عالم فوضوي تعسر فيه الانتقال إلى عالم جديد.. وذلك من قبيل حكمه -في تغريدة له على منصة “إكس”- على دول الخليج العربي بأنها دول مخيبة للآمال، عكس ماضيها المشرق.. وذلك لأنها لم تخض الحرب مع إيران، أو كما تريدها إيران.. ولو أن دوغين فكر للحظة بمنطق جيوسياسي واقعي لانتبه إلى الاستحالة الجيوسياسة لما يدعو إليه وكما يدعو إليه.. ولو أن الأمر كان كما يقول، لكان لزاما على روسيا أن تخوض غمار الحرب المقدسة دون حساب.. وإذا كانت إيران آخر القلاع الروسية -كما يرى بوتين في مقاله المذكور أعلاه-، لماذا ينخرط فيها العرب قبل روسيا وهي أول المعنيين بها؟!

هناك مفارقة في اجتهادات دوغين، يدرس مسارات السياسة على الخريطة، لكنه يأبى إلا أن ينحاز إلى مثاله الخاص، إلى عقله، في عقله، وضمنه عقله، وضد العقل الواقعي العالمي، في إطار ما يسميه دوغين “فلسفة النوماخيا” (محمود محمد علي، فلسفة النوماخيا عند ألكسندر دوغين)، وهي نفسها الفلسفة التي تنتج لديه قابلية كبيرة لجعل الأفكار مهما كانت أسطورية، ما قبل تاريخية، دليلا في المعرفة، بل في التحليل.. اُنظر ماذا يقول عن علي لاريجاني، رئيس المجلس الأعلى للأمن الإيراني، عقب اغتياله: “أجريت حواراً فلسفياً طويلاً جداً مع علي لاريجاني، لكن لم يكن عن “كانط”. كان عن “السهروردي” ونظريته حول “العقل العاشر”، وعن “الملكوت” و”الملاك ذو الجناح الأحمر”. لقد أرهق المترجم نفسه كثيراً في البحث عن المفردات المناسبة. كان لاريجاني عاقلاً وعميقاً. لماذا تقتلون الفلاسفة؟ إنهم بهذه الندرة… الآن هو في الجنة. وما زلنا نحن في الجحيم” (تغريدة على موقع “إكس”)؟!

التعليقات
لا يوجد تعليقات بعد.

ما الذي ينتظر الدبلوماسية المغربية بعد الحرب؟

عمر العمري تؤشر الحرب الجارية، منذ 28 من فبراير، إلى أن النظام الإقليمي والدولي مقبل على مرحلة مختلفة نوعيا، لأن عالم ما بعد هذه المواجهة لن يكون امتدادا بسيطا لما قبلها.. لقد كشفت الحرب عن تصدعات عميقة في تصورات القوة والردع، وأعادت طرح أسئلة جوهرية حول معنى الهيبة العسكرية، وحدود الحماية الخارجية، وموقع الطاقة والممرات […]

استطلاع رأي

هل أعجبك التصميم الجديد للموقع ؟

عرض النتائج

جاري التحميل ... جاري التحميل ...