دروس مغربية بالجملة من فعاليات كأس إفريقيا لكرة القدم
لطفي الصمدي
ما حدث بعد نهائي كأس إفريقيا للأمم لم يكن مجرد خسارة رياضية مؤلمة، بل لحظة اختبار حقيقية للمجتمع المغربي، اختبار نجح فيه المغاربة بهدوء يستحق أن يُسجَّل لا أن يُمرَّر مرور الكرام.
الخسارة كانت قاسية بكل المقاييس. مباراة درامية، قرارات تحكيمية مثيرة، ضغط نفسي هائل، ثم هدف قاتل بعد بداية الأشواط الإضافية. سياق مثالي لانفجار الغضب. ومع ذلك، لم تُحرق سيارات، لم تُنهب محلات، لم تُقتحم ملاعب من طرف الجمهور المغربي، ولم يُعتدَ على ممتلكات أو أرواح. لم نشهد انفلاتًا ولا هستيريا جماعية، بل حزنا، صمتا، ونقاشا، ثم عودة تدريجية إلى النظام.
هذا السلوك لا يمكن فهمه بمنطق الطبع أو الأخلاق الفطرية، بل بمنطق بنية اجتماعية وسياسية تشكّلت عبر الزمن. المجتمعات لا تضبط نفسها صدفة. ضبط النفس الجماعي هو نتاج رسالة واضحة مفادها أن الخسارة، مهما كانت قاسية، لا تبرر الانتحار الرمزي ولا التخريب الذاتي. المغاربة لم ينكروا ألمهم، لكنهم رفضوا تحويله إلى عنف.
المفارقة الصارخة تظهر حين نقارن هذا السلوك بما وقع في أماكن تُقدَّم عادة كنماذج “للتحضر”. احتجاجات فانكوفر سنة 2011 بعد خسارة نهائي كأس ستانلي تحولت إلى شغب واسع: سيارات محروقة، نهب، اعتداءات، وانهيار مؤقت للنظام العام. مدينة غربية، دولة قانون، مؤسسات قوية، ومع ذلك انهار الضبط الجماعي أمام صدمة رياضية. هذه المقارنة لا تهدف إلى التشفي، بل إلى تفكيك وهم خطير: أن العنف مرتبط بثقافة بعينها، وأن الانضباط حكر على جغرافيا دون أخرى.
ما يميز الحالة المغربية ليس غياب الغضب، بل إدارته. الغضب كان حاضرا، الصدمة كانت حقيقية، الشعور بالظلم كان واسعا، خصوصا في ظل حملات التشكيك والعداء التي تلت النهائي رغم ما وقع فيه. ومع ذلك، لم يتحول هذا كله إلى فوضى داخلية. هنا تتجلى قوة ناعمة لا تُرى عادة في المؤشرات الاقتصادية أو العسكرية: قوة المجتمع الذي يعرف أين يضع حدًا لانفعاله.
ما تعرض له المغرب من حملات التشفي، الاتهامات بالغش، التشكيك في التنظيم، والاعتداءات التي طالت مغاربة وممتلكاتهم خارج البلاد، كلها كانت كافية لإشعال الداخل لو كان هشا. لكن الداخل لم ينفجر. وهذا ليس أمرا سهلا. المجتمع الذي يتعرض للضغط الخارجي ولا ينفجر داخليا هو مجتمع يمتلك حدا أدنى من النضج السياسي والنفسي.
ضبط النفس المغربي في هذه اللحظة لا يعني الرضا ولا القبول بالظلم، بل يعني رفض الانجرار إلى سيناريو يخدم خصومنا أكثر مما يخدمنا. الفوضى لا تُربك العدو، بل تعطي له المبرر ليستقوى اكثر. التخريب لا يستعيد كرامة، بل يفقدها. والمغاربة، بوعي أو بحدس جماعي، فهموا هذه المعادلة.
من حقنا الافتخار بالمنشآت، بالبنيات التحتية، بالتنظيم، بكل شيء، وفوق كل هذا، من حقنا الافتخار بنا كشعب، ليس لأننا أفضل أخلاقيا من غيرنا، بل لأننا أثبتنا عمليا أننا قادرون على ضبط أنفسنا إلى أقصى الحدود تحت أقسى الظروف..
التعليقات