دراسة تحليلية لشخصية دونالد ترامب ومآلات التحالفات الاستراتيجية

29 مارس 2026

علي البلوي 

ملاحظة: هذا ملخص لدراسة تحليلية سابقة وتفكيك لسيكولوجيته المتناقضة مع بدء فترته الرئاسية الثانية

تنبثق شخصية دونالد ترامب من بنية سيكولوجية معقدة تتسم بالازدواجية الحادة، حيث يتقاطع فيها ادعاء “العبقرية المستقرة” مع واقع ذهني يتسم بالفوضى وعدم الانضباط الانفعالي.

إن فهم هذه الشخصية يتطلب الغوص في مكامن Malignant Narcissism (النرجسية الخبيثة)، وهو المصطلح الذي اتفقت عليه دراسات طبية ونفسية عديدة، لوصف حالة تجمع بين التمركز المرضي حول الذات، والنزعات السادية، والعدوانية تجاه كل من لا يمتثل لإرادته المطلقة.

يرى ترامب العالم من خلال عدسة Zero-Sum Game (المباراة الصفرية)، حيث لا يوجد رابحان في أي صفقة، بل يجب أن يكون هناك طرف مسيطر وآخر خاضع، وهو ما يفسر تحول تحالفاته الدولية إلى ساحات لابتزاز التنازلات الدائمة لملء شعوره الداخلي بالفراغ الكارثي.

وقد فككت مجموعة من الدراسات والمؤلفات الرصينة هذه التركيبة، ومن أبرزها دراسة عالم النفس Dan P. McAdams المعنونة بـ “The Mind of Donald Trump” والمنشورة في مجلة The Atlantic، والتي حللت سماته وفق نموذج The Big Five Inventory (عناصر الشخصية الخمسة).

كشفت الدراسة عن درجات قصوى من Extraversion (الانبساط والسعي الدؤوب خلف المكافأة والشهرة) يقابلها انخفاض حاد وغير مسبوق في مستوى Agreeableness (اللطف والتعاطف)، مما يجعله شخصية “صدامية” بامتياز، لا تتردد في استخدام Pathological Lying (الخداع المرضي) لإعادة صياغة الواقع بما يخدم صورته الذهنية.

هذا التوصيف يتطابق مع ما ورد في كتاب “The Dangerous Case of Donald Trump” الذي حررته الدكتورة Bandy X. Lee بمشاركة 27 خبيراً، مؤكدين أن ترامب يعاني من Emotional Dysregulation (عدم انضباط انفعالي) يجعله يندفع بغضب انتقامي تجاه أي Perceived Slights (إهانات متصورة) أو معارضة لقراراته.

وفيما يتعلق بآلية التفكير، صاغ الصحفي Michael Wolff في كتابه الشهير “Fire and Fury” مصطلح The Blender Brain (دماغ الخلاط) لوصف الفوضى المستمرة داخل عقل ترامب، حيث تتداخل المظالم الشخصية مع القرارات السيادية، مما يمنعه من ممارسة التفكير التحليلي أو الاستراتيجي العميق.

هذا العجز الذهني يدفعه لتبني Imperial Mindset (عقلية إمبراطورية) تقوم على “مناطق النفوذ”، وهو ما حلله Gideon Rachman في دراسته بـ Financial Times بعنوان “Trump, Putin, Xi and the New Age of Empire”.

يرى ترامب نفسه كـ “إمبراطور” في عصر New Imperialism، حيث الدول الحليفة ليست سوى أدوات وظيفية يجب أن تتحرك ضمن مدارات القوى العظمى، وأي محاولة لاستقلال القرار السيادي تُقابل بـ Narcissistic Injury (جرح نرجسي) يدفع ترامب نحو Impulsivity (الاندفاعية) والتهديد بتمزيق التحالفات.

تنعكس هذه السيكولوجية بشكل مباشر على ملف العلاقات مع المملكة العربية السعودية، خاصة في ظل موقفها المبدئي الرافض للانخراط في الصراع العسكري ضد إيران واشتراطها المسار الفلسطيني للتطبيع. يطبق ترامب هنا Transactional Psychology (علم النفس النفعي)، حيث يختزل الشراكة التاريخية في “صفقات مادية”، ويرى أن الحماية العسكرية يجب أن تُقايض بتبعية سياسية مطلقة.

إن الرفض السعودي يضعه في مأزق أمام جمهوره وأمام ذاته المتضخمة كـ Master Dealmaker (صانع الصفقات الأمهر)، مما يجعله يلجأ لأسلوب التهديد بـ “رفع الحماية” أو استخدام القوة الاقتصادية كأدوات عقابية.

هو لا يستوعب الثوابت الاستراتيجية للرياض، بل يراها عوائق أمام “عظمته الشخصية” التي يسعى لصقلها عبر تحقيق “نصر سريع” في ملف التطبيع أو تدمير النظام الإيراني لملء فراغه النفسي.

كما كشف Tony Schwartz، الشريك في كتابة “The Art of the Deal”، ومقال “Inside the Mind of Donald Trump” في مجلة Politico، أن ترامب يعيش في حالة دائمة من Survival Mode (وضع البقاء) تجعله يفتقر للفضول وقصر فترة الانتباه، مما يجعله محصناً ضد التعلم والنمو.

لذا، فإن ضغوطه على الحلفاء ليست استراتيجية مدروسة، بل هي مظاهر لـ Sadistic Tendencies (نزعات سادية) تهدف لإثبات السيطرة. إن التعامل مع إدارة ترامب يتطلب فهماً لهذا Empire State of Mind (عقلية الدولة الإمبراطورية) التي حللها Evan Solomon، حيث لا قيمة للحقائق أو المنطق، بل كل ما يهم هو “ما يريد أخذه”.

وبناءً على ذلك، تظل العلاقة معه مرهونة بقدرة الحليف على إدارة تقلباته المزاجية واستغلال حاجته للإطراء والظهور بمظهر “المنتصر”، لتجنب انزلاقه نحو قرارات متهورة قد تمس جوهر الاستقرار الإقليمي والسيادة الوطنية.

التعليقات
لا يوجد تعليقات بعد.

ما الذي ينتظر الدبلوماسية المغربية بعد الحرب؟

عمر العمري تؤشر الحرب الجارية، منذ 28 من فبراير، إلى أن النظام الإقليمي والدولي مقبل على مرحلة مختلفة نوعيا، لأن عالم ما بعد هذه المواجهة لن يكون امتدادا بسيطا لما قبلها.. لقد كشفت الحرب عن تصدعات عميقة في تصورات القوة والردع، وأعادت طرح أسئلة جوهرية حول معنى الهيبة العسكرية، وحدود الحماية الخارجية، وموقع الطاقة والممرات […]

استطلاع رأي

هل أعجبك التصميم الجديد للموقع ؟

عرض النتائج

جاري التحميل ... جاري التحميل ...