دراسات.. عندما يخشى الإسلاميون الدولة التي حلموا بحكمها

سعيد الزياني ـ دين بريس
فتحت دراسة أكاديمية حديثة نافذة على الطريقة التي يفكر بها أعضاء جماعة “الإخوان المسلمين” في الدولة بعد تجربة الحكم والانقلاب والسجن والمنفى، وانتقلت من تنظيرات القيادات إلى أصوات أعضاء عاشوا التحولات المصرية ثم أعادوا النظر في العلاقة بين الدين والسلطة والحرية.
نشرت مجلة “Religions” الدراسة أخيرا تحت عنوان “المتعالي والسياسي: المأزق العلماني في سرديات أعضاء جماعة الإخوان المسلمين المصرية”، وأعدتها الباحثة ضحى سليم عبد الجواد من كلية العلوم الاجتماعية والسياسية بجامعة ليدز البريطانية اعتمادا على مقابلات مع 48 عضوا وعضوا سابقا تتراوح أعمارهم بين 19 و40 سنة.
وشارك بعض أفراد العينة في الاتحادات الطلابية والنقابات والحملات الانتخابية، واقترب آخرون من دوائر القرار داخل الجماعة وحزب الحرية والعدالة، فيما غادر عدد منهم التنظيم والتحق بعضهم بتيارات يسارية وتخلى ثلاثة عن الإسلام، ولذلك تقدم الدراسة مشهدا متعددا يصعب تبسيطه في موقف واحد.
سألت الباحثة المشاركين عن حدود تدخل الدولة في الحياة الشخصية وعن موقع الدين في صناعة القوانين والسياسات، فظهرت مفارقة تختصر أزمة “الإسلام السياسي” كله، إذ يريد أغلبهم بقاء الدين في قلب المجال العام لكنهم يخشون منحه للدولة حتى لا تحوله إلى وسيلة للإكراه والسيطرة.
واتفق المشاركون بدرجات واسعة على حماية الحياة الخاصة من تدخل السلطة ورفض التجسس على الناس أو محاسبتهم على ما يجري داخل بيوتهم، واستند بعضهم إلى قصة عمر بن الخطاب حين اعترض عليه أصحاب بيت دخله لأنه خالف النهي عن التجسس، وهو استدلال ينطلق من المرجعية الإسلامية نفسها للدفاع عن الحرية الفردية.
ولم يصل هؤلاء إلى هذا الموقف عبر إبعاد الدين عن السياسة، وإنما عبر الخوف من الدولة حين تحتكر تفسير الدين وتقرر كيف ينبغي للناس أن يتدينوا، فقد علمتهم التجربة أن السلطة تستطيع استخدام العالم والفتوى والنص لتوسيع نفوذها أكثر مما تستخدمها لحماية الأخلاق.
وظلت فكرة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر حاضرة في أجوبتهم مع تحفظ واضح تجاه تحويلها إلى جهاز رسمي يطارد الأفراد، لأن الأخلاق التي تفرضها الشرطة قد تنتج طاعة ظاهرة من دون أن تبني ضميرا حرا.
ويقبل عدد من المشاركين تدخل الدولة في حالات محدودة تتصل بإظهار الأفعال المخالفة في المجال العام، لكن الخلاف يبدأ عند تحديد المخالفة والعقوبة والجهة التي تملك حق الفصل، وهنا ينتقل السؤال من حضور الدين في الدولة إلى من يملك سلطة الحديث باسمه.
وتمسك أغلب المستجوبين بالشريعة مرجعا للحكم ولم يضعوها في مرتبة مساوية لبقية المصادر الفكرية، لكنهم عجزوا عن الاتفاق على مؤسسة تحول هذه المرجعية إلى قوانين وقرارات من دون أن تصادر اختيار المجتمع.
واقترح بعضهم مجالس من العلماء تقدم الرأي للحاكم والمؤسسات المنتخبة، ودافع آخرون عن بقاء القرار النهائي مرتبطا بالإرادة الشعبية، ثم ظهر السؤال الذي ظل معلقا داخل جميع التصورات وهو من يختار العلماء ومن يراقبهم ومن يمنع السلطة من صناعة مؤسسة دينية تبرر سياساتها.
وتجادل الدراسة القراءة التي تعتبر قبول الإسلاميين بالديمقراطية دليلا على تحولهم إلى العلمانية أو استعمالهم لغة الحريات من أجل الوصول إلى الحكم، لأن المقابلات تظهر أن الدين بقي مركزيا في وعي الأغلبية بينما تغير تصورهم للطريقة التي يحضر بها داخل السياسة.
وينظر هؤلاء إلى الديمقراطية باعتبارها أداة لتقييد السلطة وتأمين رضا المجتمع من دون اعتبارها مرجعية أعلى من الوحي، كما يشككون في قدرة الانتخابات وحدها على التعبير عن السيادة الشعبية حين يتحكم المال والإعلام والنخب الاقتصادية في تشكيل الرأي العام.
وتبرز هذه المواقف عن انتقال داخل الوعي الإخواني لم يكتمل بعد، فقد تراجع حلم الاستيلاء على الدولة لتطبيق المشروع وحل محله سؤال أكثر صعوبة حول كيفية حضور الدين في الحكم من دون أن تبتلعه السلطة أو يتحول إلى قانون يراقب الضمائر.
وتظهر الدراسة أن الإخوان عرفوا ما يرفضونه أكثر مما حددوا ما يريدونه، فهم يرفضون دولة تبعد الدين عن المجال العام ويرفضون في الوقت نفسه دولة تقتحم حياة الأفراد باسمه، ويتمسكون بسيادة الشعب ثم يضعون فوقها مرجعية دينية لم يحسموا الجهة المؤهلة لتفسيرها.
وبالتالي يقع المأزق الحقيقي الذي لم يجب عنه شعار “الإسلام هو الحل”، لأن إدارة الدولة تحتاج تصورا واضحا لتوزيع السلطات وحماية المخالف وحقوق الأقليات والنساء وحدود التشريع وموقع العلماء، بينما ظل “المشروع الإخواني” أقوى في الدعوة والتعبئة وأضعف في بناء مؤسسات قابلة للحياة.
ولا تسمح عينة من 48 شخصا بتعميم النتائج على جميع أعضاء الجماعة وفروعها، كما أن سنوات القمع والانقسام والمنفى تركت أثرها في إجابات المشاركين، لكن الدراسة تظل مهمة لأنها تكشف ما يجري تحت الخطاب الرسمي وتستمع إلى أعضاء أعادت التجربة تشكيل أفكارهم.
سقط حكم الإخوان في مصر بعد عام واحد وبقي السؤال الذي حملهم إلى السياسة من دون جواب، فكيف يمكن بناء دولة تستلهم الدين وتحترم إرادة الناس وتحمي حياتهم الخاصة ولا تمنح الحاكم أو العالم حق الكلام باسم الله من فوق المجتمع.
سيحدد الجواب عن هذا السؤال إن كان “الإسلام السياسي” يتجه نحو مراجعة فكرية تمس أصل تصوره للسلطة أو يكتفي بتغيير لغته في انتظار فرصة أخرى للعودة إلى الحلم القديم..




التعليقات