خطبة الجمعة في زمن المنصات الرقمية: حين تتحول الكلمة إلى خطر عابر للحدود
الشيخ الصادق العثماني – أمين عام رابطة علماء المسلمين بأمريكا اللاتينية
لم تعد خطبة الجمعة في عصرنا محصورة في جدران المسجد ولا في حدود الحي أو المدينة، بل تحولت بفعل الثورة الرقمية إلى خطاب عابر للقارات، مفتوح على فضاءات لا نهائية من التلقي والتأويل والتأثير.
لقد أصبحت “السماوات المفتوحة” – بما تحمله من قنوات فضائية ومنصات رقمية وشبكات اجتماعية – وسيطًا جديدًا ينقل الكلمة المنبرية من دائرة الخصوص إلى فضاء العموم، ومن لحظة زمنية محدودة إلى حضور دائم قابل للإعادة والاجتزاء والتوظيف.
وهذا التحول يفرض قراءة مقاصدية فلسفية جديدة لوظيفة خطبة الجمعة، تتجاوز النظر التقليدي إليها باعتبارها مجرد وعظ أسبوعي، إلى كونها خطابًا ذا أثر حضاري وأخلاقي ومعرفي ممتد، تتعاظم خطورته بقدر ما تتسع دوائر انتشاره.
إن خطبة الجمعة في أصلها الشرعي مؤسسة على مقاصد عظيمة، في مقدمتها حفظ الدين من خلال التذكير، وحفظ العقل عبر ترسيخ الفهم الرشيد، وحفظ المجتمع بإشاعة قيم العدل والرحمة والتكافل.
فهي ليست مجرد أداء تعبدي شكلي، بل هي فعل تواصلي هادف يسعى إلى بناء الإنسان في توازنه الروحي والعقلي والاجتماعي. غير أن انتقالها إلى الفضاء المفتوح يجعلها تخضع لقوانين جديدة في التلقي، حيث لم يعد المستمع واحدًا ولا السياق واحدًا، بل تعددت البيئات الثقافية والمرجعيات الفكرية، واختلفت مستويات الفهم، وتباينت الخلفيات النفسية والاجتماعية للمتلقين.
ومن هنا تتجلى الخطورة؛ إذ إن الكلمة التي كانت تُلقى في سياق محدد، مخاطِبةً جمهورًا معلومًا بخصائصه، قد تُنقل اليوم إلى جمهور عالمي غير متجانس، قد يقرأها خارج سياقها، أو يحمّلها دلالات لم يقصدها الخطيب.
وهنا يظهر التوتر بين “المقصد” و”الوسيط”، بين نية البلاغ وضوابطه الشرعية، وبين آليات الانتشار الرقمي التي قد تُحوّل الخطاب من أداة إصلاح إلى مادة للجدل أو حتى للتحريض.
إن المقاربة المقاصدية تقتضي أن ننظر إلى خطبة الجمعة بوصفها خطابًا يهدف إلى تحقيق المصالح ودرء المفاسد، لا على مستوى الفرد فحسب، بل على مستوى المجتمع والإنسانية جمعاء. وعندما تصبح الخطبة مادة متداولة عالميًا، فإن مآلاتها لا تعود محصورة في نطاق ضيق، بل قد تمتد لتؤثر في صورة الإسلام، وفي العلاقات بين المجتمعات، وفي تصورات الآخرين عن القيم الإسلامية. ومن هنا فإن مسؤولية الخطيب تتضاعف، لأنه لم يعد يخاطب “مصلين” فقط، بل يخاطب – بوعي أو بغير وعي – إنسانًا عالميًا قد يتلقى خطابه من خلفيات مختلفة.
وفي هذا السياق، تبرز إشكالية “التجزيء” التي تفرضها الوسائط الحديثة؛ إذ قد تُقتطع جملة من خطبة طويلة، أو يُنتزع مقطع من سياقه، ليُعاد نشره بشكل منفصل، مما قد يؤدي إلى تشويه المعنى أو قلب المقصد.
وهذا يطرح سؤالًا فلسفيًا عميقًا حول علاقة المعنى بالسياق، وحول قدرة الخطاب الديني على الحفاظ على دلالته الأصلية في ظل وسائط تفككه وتعيد تركيبه وفق منطق الانتشار لا منطق الفهم.
كما أن “السماوات المفتوحة” أفرزت ظاهرة التنافس على التأثير، حيث أصبح بعض الخطباء – بقصد أو بغير قصد – يسعون إلى جذب الانتباه عبر الإثارة أو الطرح الحاد، لأن الخطاب المعتدل الهادئ قد لا يحقق الانتشار في منطق المنصات الرقمية. وهذا الانزلاق من “الإخلاص في البلاغ” إلى “البحث عن التفاعل” يمثل خطرًا حقيقيًا على روح الخطبة ومقاصدها.
ومن زاوية فلسفية، يمكن القول إن خطبة الجمعة تعيش اليوم أزمة “الهوية التواصلية”، حيث لم تعد واضحة الحدود بين ما هو تعبدي وما هو إعلامي، بين ما هو محلي وما هو عالمي، بين ما هو تعليمي وما هو تفاعلي. وهذه الأزمة تتطلب إعادة تأصيل لوظيفة الخطبة في ضوء التحولات المعاصرة.
ولا تقل خطورةً عن مضمون الخطبة ذاته تلك اللحظة الختامية التي يُرفع فيها الدعاء، إذ إن الدعاء في آخر الخطبة لم يعد فعلًا تعبديًا محصورًا في وجدان الحاضرين، بل أصبح خطابًا مسموعًا ومُسجَّلًا وقابلًا للانتشار والتأويل.
ومن منظور مقاصدي، فإن الدعاء يفترض أن يكون تجسيدًا لمعاني الرحمة والعدل والافتقار إلى الله، وأن يعكس روح الشمول والاتزان في حفظ الدين والنفس والمجتمع. غير أن انزلاق الدعاء نحو التوظيف الانفعالي أو إدخال مضامين حادة قد تُفهم على أنها إقصاء أو تحريض، يفرغه من مقصده التعبدي.
وتتجلى ذروة هذه الخطورة حين يُوجَّه الدعاء ضد المخالفين بالدعاء عليهم بالموت أو الهلاك، إذ يتحول من مقام التضرع إلى خطاب إقصائي قد يُفهم على أنه تبرير رمزي للعنف أو تغذية لمشاعر الكراهية.
ومن منظور مقاصدي، فإن الأصل في الدعاء أن يكون مظهرًا لحفظ النفس وتعظيم حرمتها، لا وسيلة لانتهاكها معنويًا، حتى في حق المخالف، لأن الإسلام أقام العلاقة مع الآخر على العدل والرحمة والدعوة بالحكمة، لا على التمني بزواله.
وفي سياق “السماوات المفتوحة”، تتضاعف خطورة هذا النمط من الدعاء، لأنه يُنقل إلى جمهور واسع خارج سياقه، فيرسخ صورًا سلبية عن الخطاب الديني. ومن هنا، فإن استحضار المقاصد الكلية يفرض على الخطيب أن يرتقي بالدعاء إلى أفق الهداية، فيدعو بالإصلاح ورفع الظلم بدل الدعاء بالفناء، حتى يظل منسجمًا مع رسالة الإسلام في بناء الإنسان لا إلغائه.
إن الخطيب في هذا العصر مطالب بأن يكون واعيًا بمآلات كلمته، مدركًا أن خطابه قد يُفهم بطرق متعددة، وأن عليه أن يوازن بين وضوح الرسالة وعمقها، وبين الجرأة في الحق والحكمة في الطرح. فالمقاصد الشرعية لا تتحقق فقط بصحة المضمون، بل كذلك بحسن عرضه ومراعاة سياقاته.
ولا يعني ذلك تمييع الخطاب، بل الارتقاء به ليكون جامعًا بين الصدق والحكمة، وبين الأصالة والمعاصرة. كما أن المتلقي أصبح شريكًا في إنتاج المعنى، مما يفرض بناء وعي جماعي راشد في التعامل مع الخطاب الديني.
إن خطبة الجمعة في زمن السماوات المفتوحة تقف على مفترق طرق: إما أن تتحول إلى أداة إصلاح عالمي تنشر القيم الإسلامية السمحة، أو أن تنزلق إلى مصدر للجدل وسوء الفهم. وهذا الاختيار مرهون بوعي الخطباء، وبالتأصيل العلمي، وبالقدرة على استيعاب التحولات الرقمية.
وفي الختام، فإن خطورة خطبة الجمعة في هذا العصر لا تكمن في ذاتها، بل في سياقها ووسائطها ومآلاتها. وهي مسؤولية مشتركة تقتضي تجديدًا في الفهم وتطويرًا في الأداء ووعيًا عميقًا بالمقاصد الشرعية، حتى تظل الخطبة منبرًا للهداية، وجسرًا للتواصل، ورسالة إنسانية عالمية تحمل نور الوحي إلى العالم بدل أن تتحول إلى أداة للانقسام أو سوء الفهم .
التعليقات