خطاب أتباع المشروع الإيراني: قراءة نقدية في التهافت والتناقض

عبد الله القيسي
جمعني لقاء عابر، بلا سابق معرفة، بأحد المتأيرنين، فبدأ يحدثني عن بطولات الحو تي الخنفشارية، وعن أدواره التي لا نكاد نجد لها أثرًا في الواقع. وكلما تحدث، ازداد في المبالغة، وكلما ذكر الحوثي، انتقص من أدوار الآخرين وسخر منها.
قلت له بهدوء: ما تتحدث عنه عن الحو تي نراه في الإعلام أكثر مما نراه على الأرض. أما ما نراه حقيقة، فهو قتل لليمنيين ودماء، وسجون وتعذيب، وقمع للناس، وصواريخ تُرمى على المدن، وبيوت تُهدم، وأسر تُهجّر، وأجيال تُستنزف في حرب لا تنتهي.
هذا هو الحو تي الذي نعرفه في اليمن، لا الصورة الوردية التي صنعها الإعلام. ولا البطولات الخنفشارية التي تملأ بها الشاشات، فاسألوا عنها اليمنيين الذين دفعوا ثمنها من دمائهم وأمنهم وأعمارهم.
هذه الجماعة وتيارها في اليمن كانوا من أكثر التيارات حربًا على المؤسسات التي كانت تجمع التبرعات للفلسطينيين، وفي مقدمتها جمعية الأقصى، شنوا حملات تشويه واسعة على الشخصيات والعاملين فيها، وكانوا ينتقصون من قيمة القضية الفلسطينية في كل مناسبة، وحاربوا المؤسسات الخيرية التي كانت تقوم بهذا الدور. ولم نرَ عداء تجاه هذه المؤسسات والشخصيات مثل عدائهم.
فكيف يُغضّ الطرف عن تاريخ طويل من المواقف والسلوكيات التي تناقض هذا الادعاء؟
اسمعها مني باختصار، هذه جماعة براغماتية إلى أبعد الحدود، ولا أقول ذلك انطلاقًا من موقف عاطفي الآن، وإنما من قراءة لمسارها وطبيعة تفكيرها، وتاريخ مواقفها. عندما تتحدث اليوم عن جبهة إسناد فإنها تعرف جيدًا أنها لا تدفع ثمن تبعاته، وأن التبعات تقع على اليمنيين، وعلى بنية الدولة والمجتمع، وعلى الناس الذين يدفعون ثمن ذلك. ولذلك تستطيع أن ترفع الشعارات إلى أقصى حدودها، وهي مطمئنة إلى أن فاتورتها لن تُدفع من جيبها، وأنها ستكسب جماهيراً تستطيع تحشيدهم في حربها مع اليمنيين.
وأنا على يقين جازم لو أن هذه الجماعة تحولت إلى دولة معترف بها، فإن حساباتها ستتغير تماما وفق مقتضيات البقاء في السلطة، وستضرب عرض الحائط كل الشعارات التي ترفعها اليوم. وهي جماعة يمكنها أن تتحالف مع الشيطان نفسه، وأن تقدم أي تنازل، إذا رأت أن ذلك يوصلها للسلطة، ويساعدها في قهر اليمنيين والاستعلاء عليهم، وهي مستعدة أن تتنازل لكل شذاذ الأرض ولا تتنازل لليمنيين.
ولو رجعت إلى وثائقي الجزيرة الذي كشف تواصل هذا التيار في الستينات مع اسراط ين من أجل دعهم للوصول للسلطة مع الاعتراف به، وكيف دعموهم بالسلاح وبضربات الطيران، وهذا معروف ومشهور إعلاميًا. ومؤكد بالوثائق والشهادات فارجع له.
بعد مراوغات كثيرة منه طرحت عليه سؤالاً.
ما رأيك في الشيخ حميد الأحمر؟
قال: رجل خدم القضية الفلسطينية، وهو الآن رئيس برلمانيون من أجل القدس، وله مواقف معروفة في دعم القضية، إلى آخر ما قال.
قلت له: هذا الرجل نفسه فُجّر بيته في اليمن من قبل هذه الجماعة، وهُجّر مع أهله، وخرج من بلده، ونُهبت أمواله، وتعرض لما تعرض له من هذه الجماعة. لماذا لا تنظر إلى هذا كله وما وقع عليه من ظلم وتنظر فقط إلى جيبه!
هذا الرجل يرى أن مواجهة الحوثي نضال حقيقي ضد جماعة طاغية ومجرمة. فهل هو صه يوني لأنه يحارب الحو تي كما تسمون بقية اليمنيين الأحرار؟
وما رأيك في الشيخ عبد المجيد الزنداني؟
قال: عالم من علماء الأمة، ومن كبار علمائها، ورجل ناضل طوال حياته، إلى آخر هذا الكلام.
فقلت له: هذا العالم نفسه دخلت جماعة الحوتي إلى اليمن فنهبت جامعته، وبيوته، ولاحقت أسرته وطلابه وكل من ارتبط بمشروعه، ودمرت مشروعًا قضى عمره في بنائه: جامعة الإيمان.
وكان الرجل ضد الحوثيين حتى وفاته، وداعمًا لمواجهتهم. فهل أصبح عبد المجيد الزنداني صه يونيًا عندك لأنه وقف ضد الحوثي؟
أنا أذكر لك هذين الاسمين لأكشف لك تناقضك وزيفك.
وإذا كنت، بموقفك البائس اليوم في تأييد هذه الجماعة، تستحيي من الموقف المصنوع لها إعلاميًا والمروَّج له بهدف تمكينها من رقاب اليمنيين، وتقسيم اليمن وإضعافه، فلماذا لا تستحيي ممن دعم القضية سبعين عامًا ولا يزال يدعمها إلى اليوم؟ لماذا لا تستحيي ممن وقف معها بصدق، وبذل كل ما يستطيعه، واقتطع من لقمة عيشه لأجلها، وقدم الدم والجهد، لا منّةً ولا متاجرةً، وإنما وفاءً لقضية آمن بها؟




التعليقات