خصوصية المدرسة السلفية المغربية… مؤلَّف جديد للدكتور سعيد شبار يرصد معالم الهوية الدينية المغربية
أحمد المهداوي/كاتب صحافي
شهدت الساحة الفكرية المغربية صدور كتاب جديد للباحث المغربي سعيد شبار، أستاذ التعليم العالي بجامعة السلطان مولاي سليمان-المغرب، بعنوان «المدرسة السلفية المغربية: خصوصية الماضي والحاضر»، وهو عمل فكري يندرج ضمن منشورات مركز دراسات المعرفة والحضارة، ضمن سلسلة الدراسات والأبحاث الفكرية (العدد السادس).
ويأتي هذا الإصدار ليعيد طرح سؤال الخصوصية المغربية في تدبير الشأن الديني، من خلال قراءة في تجربة المدرسة السلفية بالمغرب في امتدادها التاريخي وتحولاتها المعاصرة.
ويعالج الكتاب موضوع السلفية المغربية من زاوية علمية تحاول تجاوز الصور النمطية التي ارتبطت بمفهوم السلفية في الخطابات الفكرية والإعلامية المعاصرة، فالمؤلف يقارب الظاهرة بوصفها تجربة علمية متجذرة في التاريخ المغربي، تشكّلت في سياق علمي وفقهي خاص، وأسهمت في بلورة ملامح الهوية الدينية للمغرب عبر قرون طويلة من الاجتهاد والتفاعل مع التحولات الاجتماعية والسياسية.
ومن خلال عنوانه الدالّ، يطرح الكتاب فكرة «الخصوصية» باعتبارها مدخلاً لفهم السلفية المغربية، التي لم تكن مجرد استنساخ لنماذج فكرية وافدة من خارج المجال المغربي، بل تجربة علمية نمت داخل البيئة العلمية المحلية، وتفاعلت مع مؤسساتها الدينية ومذاهبها الفقهية الراسخة؛ وفي هذا الإطار، يسعى المؤلف إلى إبراز الكيفية التي استطاعت بها المدرسة السلفية في المغرب أن تجمع بين الوفاء للأصول الشرعية والانفتاح على مقتضيات الواقع المتغير.
ويكشف نص الغلاف الخلفي، الذي طرحه الدكتور سعيد شبار على صفحته بمنصة التواصل الاجتماعي (فايسبوك)، عن إحدى الأفكار المركزية التي ينطلق منها الكتاب؛ إذ يشير المؤلف إلى أن تطور المعرفة وما يرافقه من اختلاف في الفهم والاجتهاد هو أمر طبيعي داخل النسق المذهبي الواحد، سواء كان فقهياً أو عقدياً أو حتى فكرياً وسلوكياً، غير أن هذا الاختلاف قد يُساء فهمه أحياناً حين يُعزل عن سياقاته التاريخية والعلمية، مما يؤدي إلى اتهام بعض الاجتهادات بالخروج عن المذهب أو الابتداع، في حين أنها في كثير من الأحيان تعبير عن تفاعل العلماء مع تغير الأحوال والوقائع.
ومن هذا المنطلق، يؤكد الكتاب على أهمية فهم الاجتهاد في سياقه التاريخي والمعرفي، مع التمييز بين الأصول الكلية التي تضبط عملية الاستنباط، وبين الفروع والجزئيات التي تبقى مجالاً واسعاً لاجتهاد العلماء وتقديرهم للواقع، وهو ما يعكس طبيعة المدرسة العلمية المغربية التي عُرفت تاريخياً بقدرتها على تحقيق قدر من التوازن بين المحافظة على الأصول والانفتاح على مقتضيات الاجتهاد.
كما يندرج هذا العمل ضمن موجة متنامية من الدراسات التي تعيد قراءة تاريخ الفكر الإسلامي في المغرب، وتسعى إلى إبراز ملامح شخصيته العلمية الخاصة، بعيداً عن التعميمات التي غالباً ما تختزل التجارب المحلية في نماذج فكرية عامة، كما من شأن هذا الكتاب أن يفتح نقاشاً علمياً حول طبيعة السلفية المغربية، وحدود تمايزها عن غيرها من التيارات السلفية في العالم الإسلامي.
ويرسم الكتاب، عبر قراءة مركزة ومكثفة، مسار تشكل المدرسة السلفية المغربية، مستحضراً بعض الإشكالات الفكرية التي رافقت تطورها بين الماضي والحاضر، ما يجعله إضافة جديدة إلى المكتبة الفكرية المغربية، ومرجعاً تمهيدياً للباحثين والمهتمين بتاريخ المدارس العلمية في المغرب.
وتجدر الإشارة إلى أن الدكتور سعيد شبار، الذي يشغل منصب الكاتب العام للمجلس العلمي الأعلى بالمغرب، يعد من الأسماء الوازنة في إغناء البحث داخل الأوساط العلمية والبحثية في العالم العربي باعتباره أحد أبرز المثقفين والباحثين المغاربة في قضايا الفكر الإسلامي وتجديده، وله إسهامات علمية متعددة في دراسة المرجعيات الدينية ومفاهيم الإصلاح في الفكر الإسلامي المعاصر.
وبهذا الإصدار، يواصل الدكتور سعيد شبار حضوره وإسهامه في النقاش الفكري حول قضايا الفكر الإسلامي المعاصر، من خلال أعمال تسعى إلى قراءة التراث العلمي المغربي في ضوء أسئلته التاريخية وتحولاته الراهنة.
التعليقات