خسارة الكِتَاب وخسارة الفكر، في زمن الحروب!
عزالعرب لحكيم بناني
ابتدع روائي لبناني يعيش في بلاد المهجر سبيل غصوب بيروتًا من وحي خياله، وهي بيروت على ضفاف نهر السين، بحكم أنَّه قد سمع عنها من خلال الأخبار التي تناقلتها أسرته؛ من جهتي، ابتدعت بيروت من وحي خيالي، وهي موجودة هذه المرة على مقربة من فاس أو الرباط أو الراشدية أو البيضاء، وقد تخيلت هذه المدينة ومعاناتها مع مشاهد الدمار بعدما وصلتني مشاهد الرعب التي عاشها أحد أصدقائي في دور النشر اللبنانية في بيروت.
لا أستطيع أن أكشف بالتّحديد من موقع بيروت داخل مخيلتي، وفي أيّ ضاحية تتواجد فيها هذه المدينة بالمغرب، لأنّني أخشى أن تُطلقَ الصواريخ والقنابل على مخيلتي، بعد توصل الغزاة بأخبار دقيقة عن مكان تواجد المدينة. عادة ما أسأل عن أحوال الكتب والنشر القادمة من بيروت وعن المشاريع العلمية، ولكنني بلعت لساني البارحة بعدما صدمت بشهادات حيّة عن حجم الدّمار، وأنا أرى اندلاع ألسنة اللهب من منطقة بربور في بيروت. سمعت بد ذلك أن المحلات والمتاجر والمكتبات أغلقت أبوابها، وانصرف الناس إلى بيوتهم، بحثا عن بصيص أمل في الأمن، ولو كان شعورًا زائفًا، في غياب ملاجئ حقيقية تحمي السكان من هول العدوان. والنتيجة هي سقوط عشرات القتلى في صفوف المواطنين المدنيين والأبرياء.
بيروت التي في خاطري، هي بيروت دور النشر العريقة التي تعرَّضت لأبشع عدوان دمَّر مخازن الكتب، ضاعت سنوات طويلة من الإبداع وذهبت هباء، بعدما دمّرت القنابل مخزون المركز الثقافي العربي ومؤمنون بلا حدود. ولم تستطع دار الكتاب الجديد أن تخرج الكتب من المطبعة، ولا أن تشارك في المعارض الدّوليّة، مثل معرض الرّباط الذي سيفتح أبوابه قريبًا.
امتدَّ العدوان إلى الكتاب وامتدَّ إلينا جميعًا في سائر أقطار البلاد العربيّة، وصارت بيروت ثكلى، لأنّها فقدت أعزَّ ما تملك وهي أن تكون إحدى بوابات الإبداع والإنتاج والنشر في العالم العربي. وستفتقد معارض الكتاب لحضور بعض دور النشر اللبنانية وضاعت فرصة تقديم آخر الأعمال، مع الأسف الشديد.
اغتيال الكتاب هو اغتيال الفكر، أيًّا كان هذا الفكر، بكلّ ألوانه ومذاهبه ومواقفه؛ لأنَّ الفكر هو ما يبقى بعد أن تعود السيوف إلى غمدها. لا يذكُرُ التّاريخ الغزاة الذين يدكّون الحضارات، بينما يذكر العلماء والأدباء والمفكرين الذين يقيمونها. كسب الحروب وخسارتها ربح على المدى القريب، بينما تطوير الحضارة ربح على المدى البعيد. ينسى التاريخ أسماء السياسيين، مهما علا شأنهم، بينما يترك المفكرون آثارهم التي تدُلُّ عليهم.
يعاني الفكر من شتّى ألوان التبخيس والتشكيك والتهميش، لأنّه ليس متيقّنًا من شيء، على خلاف السياسي، بل يحاول رسم طريق المستقبل وأن يحقّق شروك التنمية المستدامة.
أمام الكوارث التي تحُلُّ بالكتاب في زمن الحروب، علينا أن ندرك دور الفكر في استمرار الحضارات، ندرك أهمية الفكر، أهمية الفكر النقدي والمبدع. لكنَّ الفكر يظلُّ ضعيفًا في غياب الثقة في قدرته على تغيير الواقع، بما أنّه يسير بإيقاع بطيء في طرق وعرة، في وقت يعتقد فيه رجال السياسة أنهم قادرون على تغيير العالم، بما أنَّ ركوب الطريق السيار يسمح لهم بتجاوز بطء وتيرة الفكر.
مع ذلك، يذهب السياسيون ويظلُ الفكر، إذا كان يمتلك مقومات البقاء، في قدرته على الإبداع والعقلانية والإجابة عن أسئلة الحاضر والمستقبل. عندما يهاجَمُ الكتاب بالقنابل، ندرك أهمية وجود الفكر والمفكرين، حتى ولو اعتقدنا أنه فكر منشق ولا يخضع لرأي الجماعة والقبيلة ولا يلتزم بالأعراف ولا القيم السائدة. هناك أمل في تسديد الفكر بالحجاج والتواصل والإقناع، ولا توقفه القنابلُ الملقاة على الكتب.
في زمن الحرب اختفت بيروت التي أعرفها من أعمدة الصحف وشاشات التلفزة وقصاصات الأخبار، بعدما كانت مصدر فكرة التسامح وتعايش الأديان والثقافات والإبداع الفني منذ نهاية القرن التاسع عشر.
لا يطفئ اغتيال الكتاب بالقنابل فتيلة الفكر، ولا يجفف منابع الإبداع، لأنَّ روح الابتكار لا تموت ولو في عزّ الحرب واليأس والضعف، وتدمير مستودعات الكتب وضعف المشاركة في المعارض الدّوليّة.
التعليقات