“خديعة القرن” وائتلاف المصالح السرية بين واشنطن وطهران

5 أبريل 2026

علي البلوي

لم يكن سقوط بغداد في عام 2003 مجرد انكسار عسكري عابر في موازين القوى الدولية، بل كان زلزالاً كشف عن أعقد تجليات “سيكولوجية الغدر” في السياسة الحديثة، حيث التقت إرادات متناقضة ظاهرياً على هدف استراتيجي واحد وهو تفكيك بنية الدولة العراقية من جذورها.

إن التأمل في الدور الذي لعبه مهندسو الدبلوماسية الإيرانية من أمثال محمد جواد ظريف، ومحمد جواد لاريجاني، وصادق خرازي، وكمال خرازي، يكشف عما يسميه خبراء التحليل السياسي “البراغماتية المتلحفة بالغموض”، وهي سمة متجذرة في سيكولوجية الشخصية السياسية الإيرانية التي تجيد الفصل التام بين الخطاب الأيديولوجي المعلن والممارسة النفعية تحت الطاولة.

لقد تحالفت طهران في الغرف المظلمة مع الإدارة الأمريكية ومهندس صفقاتها زلماي خليل زاده، في مفارقة تعكس قدرة هذه الشخصية على المناورة المتناقضة؛ فهي ترفع شعارات المقاومة والعداء لـ “الشيطان الأكبر” علناً، بينما تمنح الإحداثيات والخرائط والمعلومات الاستخباراتية الدقيقة للقوات الغازية سراً، رغبة في الانتقام من الكيان الذي وقف سداً منيعاً أمام طموحاتها لثماني سنوات، بغض النظر عن سياسات حكم صدام حسين انذاك.

ويمتد هذا التاريخ من “مخالفة العهود” والتعاون السري ليشمل تزويد الكيان الصهيوني سابقاً بخرائط وصور جوية ومعلومات حساسة عن المفاعل النووي العراقي لضمان تحييد أي قوة تكنولوجية عربية صاعدة .

ويكتمل مشهد هذا التآمر بظهور شخصية زلماي خليل زاده، “عراب المهام القذرة” وصنيعة الاستخبارات المركزية الأمريكية منذ السبعينيات، الذي تدرج من دعم “المجاهدين” إلى رسم التخطيط السياسي في بغداد. وقد تعزز هذا المحور بوجود نائب السفير الاميركي روبرت فورد، الذي وصفه كولن باول بأنه من “عظماء الدبلوماسية والتحليل الاستخباراتي”. فورد، الذي صقل خبرته في “العشرية السوداء” في الجزائر، ودعم الجماعات المتطرفة والذي جلب معه “عقيدة التفتيت” ليشرف على بناء الميليشيات الطائفية بالتنسيق المباشر مع قاسم سليماني.

هذا الثنائي (فورد وسليماني) أدار مشهداً دموياً امتد لاحقاً إلى دمشق، وهو التاريخ الذي جعل القاهرة ترفض فورد سفيراً لديها إدراكاً منها لخطورة أدواره في تفكيك الدول من الداخل.

وبينما كان فورد وخليل زاده يديران الصفقات الميدانية، كانت زوجة زاده الباحثة في معهد “راند” شيريل بينارد تشرف على هندسة “القوة الناعمة” عبر دراستها “الإسلام الديمقراطي المدني”، وهي استراتيجية تهدف لإعادة صياغة تدين مشوه يفرغ المنطقة من قيمها السيادية، بالتزامن مع الدور المريب الذي لعبه محمد البرادعي والوكالة الدولية للطاقة الذرية في تجريد العراق من أوراق قوته الدفاعية تحت غطاء التفتيش الدولي.

على الأرض، تُرجمت هذه الصفقات إلى حملة تطهير بشري وعلمي غير مسبوقة؛ إذ عمل سليماني وفورد، تحت غطاء “بول بريمر”، على تصفية العقول العراقية والكفاءات من علماء ذرة وبيولوجيين، واستهدافاً ممنهجاً لـ ضباط الوحدة 224 اختصاص “أرض-أرض” الذين قصفوا تل أبيب عام 1991.

كما تم تمرير أجندات تجنيس مليون إيراني وتأسيس ميليشيات مذهبية لإشعال حرب طائفية، كما حدث في تفجيرات سامراء، لضمان بقاء الاحتلال الذي يخدم مصالح طهران، وتشريد فلسطينيي العراق الذين لم يسلموا من هذا الغدر الممنهج.

إن السبب الجوهري الذي يجعل إيران اليوم تتذوق “السم الأمريكي” وتكتشف أنها تشرب من الكأس نفسه، يكمن في سيكولوجية القوى العظمى التي لا تقبل بشريك دائم بل بـ “أدوات وظيفية”.

يحلل علماء الاجتماع السياسي هذا المشهد بأنه “انقلاب السحر على الساحر”؛ فقد استخدمت واشنطن الطموح الإيراني كمعول لهدم البوابة الشرقية وتفريغ العراق من طاقاته خدمة لأمن إسرائيل، وبمجرد انتهاء المهمة، تضاربت المصالح واندلع الصدام.

إن “تجرع السم” هو النتيجة المنطقية لثقافة “نقض العقود” والرهان على تدمير الجار؛ فالفوضى التي رعتها طهران بالتنسيق مع خليل زاده وروبرت فورد والبرادعي وشيريل بينارد ارتدت عليها اليوم، لتجد نفسها محاصرة بين رفض شعبي عارم وقوة أمريكية بدأت بتقليم أظافر وكلائها، وشبه استباحة لسيادتها ، في تأكيد تاريخي على أن الصفقات المبنية على أنقاض الأوطان لا تورث إلا الندم والاحتراق بذات النيران التي أُشعلت في بيوت الآخرين.

للعلم: أطلقت ايران على دراسة شيريل بينارد مسمى الاسلام الامريكي الخليجي بينما قدمت طهران معلومات كبيرة من خلال مجموعة مساندة من الباحثين.

التعليقات
لا يوجد تعليقات بعد.

لم يعد للأقصى رب يحميه..

أثار منع شرطة الاحتلال الإسرائيلي، الأحد الماضي، بطريرك الكنيسة اللاتينية في القدس من دخول كنيسة القيامة في البلدة القديمة لترؤس قداس أحد الشعانين، موجة واسعة من الغضب في الأوساط السياسية والدينية، وفتح الباب أمام تفاعل كبير على منصات التواصل الاجتماعي. ولم تلبث الواقعة أن خرجت من نطاقها الميداني الضيق لتتحول إلى قضية ذات بعد دبلوماسي، […]

استطلاع رأي

هل أعجبك التصميم الجديد للموقع ؟

عرض النتائج

جاري التحميل ... جاري التحميل ...