حين ينصّب التكفيري نفسه وكيلا عن الله في الحكم على عباده!

12 سبتمبر 2026

الشيخ الصادق العثماني ـ أمين عام رابطة علماء المسلمين بأمريكا اللاتينية
من أخطر مظاهر الغلو الديني أن يتحول بعض الدعاة والجماعات الإسلامية إلى ما يشبه “محكمة دينية” مفتوحة، تنصّب نفسها وصيا على عقائد الناس ومصائرهم، وتستعيد في خطابها، بصورة أو بأخرى، منطق محاكم التفتيش الكاثوليكية التي عرفتها إسبانيا والبرتغال والبرازيل في عصور سابقة؛ فهي لا تكتفي بالدعوة والإرشاد وبيان الحق، بل تتجرأ على توزيع أحكام الإيمان والكفر، وتحديد من هو الناجي ومن هو الهالك، ومن هو على الصراط المستقيم ومن هو خارجه.

والأشد خطورة أن يبلغ هذا الغلو ببعضهم حدَّ الاعتقاد بأن جماعتهم أو طائفتهم وحدها تمثل “الطائفة الناجية”، وأن من خالفها في فهم أو اجتهاد أو موقف ديني أو سياسي فهو واقع في الضلال والهلاك، وهنا ينتقل الخطاب الديني من وظيفة الهداية والنصح إلى ممارسة الوصاية على ضمائر الناس، ومن بيان الدين إلى احتكار الحقيقة، وكأن مفاتيح الجنة والنار قد أصبحت في أيدي أفراد أو جماعات من البشر.

وفي هذا السياق يتدخل القرآن الكريم ويقرر بكل وضوح أن الفصل النهائي بين العباد يوم القيامة من اختصاص الله وحده يقول تعالى: ” إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَىٰ وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ” (الحج: 17). فالذي “يفصل” بينهم هو الله، لا شيخ، ولا فقيه، ولا جماعة، ولا حزب، ولا طائفة .

وهذا لا يعني تعطيل العقيدة أو إنكار أحكام الكفر التي جاءت بها النصوص، وإنما يعني ضرورة التمييز بين الحكم على قول أو فعل بأنه كفري وبين تكفير شخص معين والحكم على خاتمته ومصيره عند الله . فالتكفير حكم بالغ الخطورة، لا يجوز أن يتحول إلى أداة لتصفية الخصومات المذهبية والسياسية والفكرية.

لأن الإنسان مخلوق ضغيف لا يعلم ما في القلوب؛ بل الله وحده العليم الخبير يقول تعالى: “إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ” (الملك: 13)، ويقول سبحانه: “يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ” (غافر: 19) .

ولذلك فإن من يتعامل مع إيمان الناس وكفرهم كما يتعامل شرطي المرور مع بطاقات الهوية، يكون بذلك قد تجاوز حدود المعرفة البشرية، ودخل في منطقة الغيب التي هي بيد علام الغيوب .

لهذا القرآن الكريم نظم التصرف في هذه المنطقة ومنع الإنسان من ادعاء معرفة ما في نفوس الآخرين، فقال سبحانه: ” وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَىٰ إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا” (النساء: 94).

والآية تحمل دلالة عظيمة وواضحة جدا وهي عدم جعل أنفسنا حكاما وقضاة على حقيقة إيمان الناس بناءً على الظنون والمواقف والانطباعات .

بل إن النبي ﷺ حذّر تحذيرًا شديدًا من إطلاق كلمة الكفر على المسلم، فقال: “إذا قال الرجل لأخيه: يا كافر، فقد باء بها أحدهما” (متفق عليه). وفي حديث آخر قال ﷺ: “من قال لأخيه: يا كافر، فقد باء بها أحدهما”. فكيف تحولت هذه الكلمة عند بعض الجماعات إلى وسيلة سهلة لإسكات المخالف وإخراجه من الإسلام؟

والأخطر من التكفير أن تمنح جماعة نفسها شهادة النجاة يوم القيامة اعتمادا على الحديث الشريف، علما ان الحديث النبوي عن افتراق الأمة لا يصح أن يتحول إلى “بطاقة انتخابية” تمنحها كل جماعة لنفسها.

فالنجاة ليست اسم تنظيم، ولا شعارًا حزبيًا، ولا نتيجة يعلنها شيخ لجماعته. والله تعالى يقول: “فَلَا تُزَكُّوا أَنفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَىٰ” (النجم: 32). فإذا كان الله ينهى الإنسان عن تزكية نفسه، فكيف تزكي جماعة كاملة نفسها وتعلن أنها وحدها أهل النجاة؟

ثم إن القرآن يقرر أن الحساب فردي ، يقول تعالى : “كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ” (المدثر: 38)، ويقول سبحانه: “وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا” (مريم: 95). فلا جماعة ستقف بين يدي الله لتحمل عن أعضائها حسابهم، ولا شيخ سيمتلك سلطة إلغاء مسؤولية الفرد عن أعماله.

واللافت أن القرآن نفسه يحدد وظيفة الرسول ﷺ، وهو سيد الخلق وأعلمهم بالله، فلا يجعله وصيًا على قلوب الناس، يقول سبحانه: “وَمَا أَنتَ عَلَيْهِم بِوَكِيلٍ” (الأنعام: 107)، ويقول: “لَّسْتَ عَلَيْهِم بِمُصَيْطِرٍ” (الغاشية: 22). ويقول أيضًا: “فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنتَ مُذَكِّرٌ لَّسْتَ عَلَيْهِم بِمُصَيْطِرٍ” (الغاشية: 21-22).

فإذا لم يجعل الله رسوله ﷺ “مصيطرًا” على الناس، فمن أين استمد بعض الدعاة والجماعات هذه الوصاية المطلقة على عقائد المسلمين وضمائرهم؟

والنبي ﷺ نفسه لم يجعل معيار التعامل مع الناس هو التفتيش عن بواطنهم؛ بل قال: : “إني لم أؤمر أن أنقب عن قلوب الناس ولا أشق بطونهم” (صحيح البخاري ). فالإيمان الباطن سر بين العبد وربه، ولا يحق للبشر أن يجعلوا الظنون طريقًا إلى اقتحام القلوب.

ومن هنا فإن العالم الحقيقي ليس هو الأكثر توزيعًا لأحكام الكفر، وإنما الأكثر ورعًا في استعمالها. وليس من العلم أن تجعل كل مخالف مبتدعًا، وكل مبتدع كافرًا، وكل كافرًا هالكًا قطعًا. هذه سلسلة من التوسع في الأحكام لا تنتمي إلى روح القرآن الكريم الذي يقول: “ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ” (النحل: 125).

إن وظيفة الداعية أن يبين الحق بالحجة، وأن ينصح ويعلّم ويحذر، لا أن يتحول إلى مالك لمصائر البشر. يقول سبحانه : “إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلَاغُ” (الشورى: 48). ويقول: “مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِم مِّن شَيْءٍ” (الأنعام: 52). وهنا يكمن الخطر الحقيقي للفكر التكفيري؛ بحيث لا يكتفي بمخالفة الآخرين، بل يحاول احتكار الإسلام واحتكار الحقيقة واحتكار النجاة لنفسه ولجماعته يوم القيامة .

فإذا خالفه المسلم في فهم أو اجتهاد أو موقف سياسي، لم يعد عنده مجرد مخالف، بل يصبح ضالًا، ثم مبتدعًا، ثم فاسقًا، وربما كافرًا. وهكذا يتحول الدين من رسالة هداية إلى أداة للإقصاء.

إن الله سبحانه وتعالى هو “أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ” (التين: 8)، وهو الذي قال: “إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ ” (يوسف: 40). وليس معنى ذلك أن البشر لا يحكمون في شؤون الدنيا وفق الشرع والقانون، وإنما معناه أن الحكم المطلق والنهائي لله، وخاصة الحكم على السرائر والمصائر الأخروية .

لذلك ينبغي أن يتوقف هؤلاء عن التصرف وكأنهم وكلاء الله في الأرض، يوزعون صكوك الإيمان والكفر والجنة والنار. فالله لم يمنح جماعة مفاتيح الجنة، ولم يجعل شيخًا مسؤولًا عن توزيع أهل النار، ولم يهب حزبًا شهادة رسمية بأنه “الفرقة الناجية”.

إن المؤمن الصادق يخاف على نفسه قبل أن يحكم على غيره، ويحاسب قلبه قبل أن يفتش قلوب الناس، ويتواضع أمام علم الله بدل أن يتكبر على عباد الله. أما من جعل نفسه قاضيًا على الناس في الدنيا والآخرة، فعليه أن يتذكر أن هناك يومًا سيقف فيه هو نفسه أمام “مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ” (الفاتحة: 4)، وحينها لن تنفعه جماعته ولا شعاراته ولا تزكيته لنفسه، وسيعلم علم اليقين ان مفاتيح الجنة والنار والحساب والعقاب لم تكن من اختصصات الدعاة والمشايخ والجماعات.

فالحكم لله وحده، والحساب إليه وحده، وهو أعلم بمن اتقى..

التعليقات
لا يوجد تعليقات بعد.

تحديات الحكومة المقبلة..

تتقدم مطالب المغاربة إلى الحكومة المقبلة واضحة ومباشرة، فرص عمل تحفظ كرامة الشباب، وأسعار لا تلتهم أجور الأسر، ومدرسة تؤدي دورها، ومستشفى يجد فيه المواطن العلاج حين يحتاج إليه. هذه ليست عناوين في برنامج انتخابي، إنها تفاصيل الحياة التي سيقيس الناس بها أداء الحكومة منذ أيامها الأولى. ويأتي غلاء المعيشة في مقدمة ما ينتظره الناس […]

استطلاع رأي

هل أعجبك التصميم الجديد للموقع ؟

عرض النتائج

Loading ...