حين تلعب الجزائر بالنار..

30 يناير 2026

عمر العمري
تتكرر الحوادث الدامية على الحدود المغربية ـ الجزائرية بوتيرة تفرض إخراجها من منطق الوقائع المعزولة وإدراجها ضمن سياق سياسي وأمني أوسع، يكشف عن خلل بنيوي في مقاربة تدبير الحدود، وعن انزلاق متدرج نحو منطق أمني متصلب.

ويدل مقتل ثلاثة مواطنين مغاربة قرب “بشار” على مآلات هذا الخلل، ويعيد إلى الواجهة سلسلة من الوقائع المشابهة في سياق إقليمي متوتر، تحكمه قطيعة سياسية وخطاب رسمي وإعلامي مشحون، حول الحدود على الدوام من مجال تنظيمي تتعاون فيه الدول إلى فضاء احتكاك دائم.

ويطرح هذا الحادث من جديد سؤال الشرعية القانونية لاستخدام القوة المميتة، حيث يحدد القانون الدولي لحقوق الإنسان شروطا صارمة تجعل اللجوء إلى السلاح استثناء محكوما بوجود تهديد آني ومباشر للحياة، وتخضع التدخل الأمني لمبدأ التدرج الذي يبدأ بالإنذار، يمر بالمطاردة والتوقيف، وينتهي بالإحالة على القضاء، بما يجعل أي تجاوز لهذا المسار انحرافا خطيرا عن مقتضيات دولة القانون.

ويتجلى هذا الانحراف أيضا عندما يعوض مسار التحقيق القضائي ببيانات عسكرية “مقتضبة”، وعندما تسعى الجارة إلى طي الملف قبل كشف جميع ملابساته، وفي غياب أي تنسيق دبلوماسي أو قضائي بين الدول المعنية.

وتؤكد التجارب الدولية أن أنشطة التهريب في المناطق الحدودية لا تنشأ في فراغ، وإنما تتغذى من هشاشة اقتصادية واجتماعية عميقة، ومن غياب بدائل تنموية مستدامة، وهي عوامل لا يمكن معالجتها بمنطق أمني صرف، وإنما عبر سياسات إدماج اجتماعي وتنمية محلية، ومقاربات تعاون عابر للحدود، واستراتيجيات وقائية تستهدف معالجة الأسباب البنيوية عوض الاكتفاء بضبط مظاهرها بالعنف والقتل..

ويظهر السياق المغربي ـ الجزائري حجم تأثير القطيعة السياسية في تكريس مناخ الشك المتبادل، وفي إنتاج سرديات عدائية تجرد الجار من بعده الإنساني، وتسهل تبرير العنف ضده، وتحول الحدود إلى فضاءات خوف دائم، حيث يتراجع منطق العقل لصالح ردود فعل آنية محكومة بهاجس الاشتباه المستمر.

ويفرض احترام السيادة الوطنية العودة إلى منطق القانون باعتباره الإطار الناظم لكل تدخل أمني، ويستدعي بناء مقاربة متوازنة تزاوج بين الحزم المشروع والالتزام الحقوقي، وتدرك أن الأمن الحقيقي يترسيخ بالثقة في المؤسسات، وبضمان حماية الحياة الإنسانية، وبإرساء قواعد تدبير عقلاني للمخاطر المحتملة.

ويطرح تكرار هذه الوقائع سؤالا استراتيجيا آنيا: أي حدود نريد، حدود تحكمها قواعد التعاون والمسؤولية المشتركة، أم حدود يدبرها منطق التصعيد والتوتر؟

إن الحدود التي تدار بالعقل والتعاون تصنع الاستقرار، وتجسد منطق الدولة الراشدة التي راكم فيها المغرب تقاليد عريقة في الحكمة وضبط النفس واحترام القانون، بينما تقود إدارة الحدود بمنطق الخوف والرصاص ـ كما تفعل الدول المتوجسة ـ إلى أزمات مفتوحة يصعب التحكم في مآلاتها..

التعليقات
لا يوجد تعليقات بعد.

حين تلعب الجزائر بالنار..

عمر العمري تتكرر الحوادث الدامية على الحدود المغربية ـ الجزائرية بوتيرة تفرض إخراجها من منطق الوقائع المعزولة وإدراجها ضمن سياق سياسي وأمني أوسع، يكشف عن خلل بنيوي في مقاربة تدبير الحدود، وعن انزلاق متدرج نحو منطق أمني متصلب. ويدل مقتل ثلاثة مواطنين مغاربة قرب “بشار” على مآلات هذا الخلل، ويعيد إلى الواجهة سلسلة من الوقائع […]

استطلاع رأي

هل أعجبك التصميم الجديد للموقع ؟

عرض النتائج

جاري التحميل ... جاري التحميل ...