حزب الله: عندما يتجاوز الولاء حدود الوطن!
بقلم: الاستاذ أحمد حميدة
ولد حزب الله من رحم حركة أمل الشيعية التي أسسها موسى الصدر المولود في مدينة (قم) بإيران الحاصل على الجنسية اللبنانية لاحقا؛ كفكرة تتجاوز حدود الدولة وترتهن في نفس الوقت لقرارات تصاغ في طهران، وبناء على صفقة سورية إيرانية سمحت لطهران بنشر قوات قاربت 1500 فرد من الحرس الثوري في هيئة علماء دين ومسؤولين عسكريين للمساهمة في نشأة الحزب.
وفي العام 1982 التقى الزعيم الإيراني آية الله الخميني مع العديد من الشخصيات الشيعية البارزة في الداخل اللبناني بالعاصمة طهران؛ وكان ضمن الحضور صبحي الطفيل والذي أصبح لاحقا أول أمين عام للحزب، حيث شجع الخميني أعضاء الوفد على تشكيل حركة “مقاومة” ضد إسرائيل في جنوب لبنان؛ وساعد وفد من الحرس الثوري المتمركز في البقاع في تشكيل نواة قيادة الحزب؛ ومن ثم نما الجناح العسكري للحزب بسرعة مذهلة بسبب التدفقات المالية القادمة من طهران وعمليات التدريب والتأهيل المتواصلين، وهو ما يعني أن الحزب لم يتشكل من منطلق وطني يهدف إلى المساهمة مع بقية الفصائل في مواجهة العدوان الإسرائيلي وعدم منازعة الدولة اختصاصاتها؛ لكنه كان بمثابة أداة إيران وذراعها العسكري في المنطقة والذي من خلاله يتم تصفية الحسابات مع خصوم طهران متدثرا برداء المقاومة.
في بيانه التأسيسي الأول الصادر في فبراير 1985 والذي حمل عنوان “الرسالة المفتوحة إلى المستضعفين في لبنان والعالم” والذي يمثل الإطار العقدي والتنظيمي ومدونة السلوك التي يسير عليها الحزب ومما جاء فيه هذه الفقرة “إننا أبناء أمة حزب الله التي نصر الله طليعتها في إيران؛ وأسس من جديد نواة دولة الإسلام المركزية في العالم، نلتزم أوامر قيادة حكيمة تتمثل بالولي الفقيه الجامع للشرائط.. نحن في لبنان لا نعتبر أنفسنا منفصلين عن الثورة في إيران…”، وهذا أيضا ما أكده نعيم قاسم الأمين العام للحزب في لقاء له على قناة “LBCI” بأنهم لم يتبدلوا على المستوى العقائدي وما قلناه في وثيقتنا عام 1985 سيبقى ما دمنا نعمل.
فالمنظومة الفكرية التي بنى عليها الحزب توجهاته السياسية هي بالأساس منظومة عقائدية، حجر الزاوية فيها قيام الدولة الإسلامية، ويعدون الحكم والإمامة ركنا أساسيا من أصول الدين، فالإسلام من منظور الشيعة الإمامية “دين ودولة” وعابر للقارات والأوطان، فلا يكون المسلم كامل الإسلام إلا وفي جنبات رؤيته وفكره السعي لإقامة الدولة الإسلامية، وفي عمق مخيال الحزب أن الحكومات القائمة لا تحكم بما أنزل الله؛ لذلك يرى أنه منوط به تطبيق الإسلام وفق منظوره ويطمح لقيام الدولة الإسلامية المركزية.
ويستند الحزب الذي يصنف على أنه أقوى فاعل غير حكومي في العالم إلى ترسانة بشرية تعادل قوام جيش دولة متوسطة الحجم؛ حيث تشير الإحصائيات إلى أن تعداد المقاتلين يقدر بحوالي 50 ألف مقاتل مع تنوع كبير في الأسلحة وميزانية تصل إلى مليار دولار سنويا؛ بجانب الدعم الإيراني اللامحدود وهو ما يشكل خطرا على استقرار الدولة بل والمنطقة بأسرها، وشرعت الدولة اللبنانية في العديد من محاولاتها لنزع سلاح الحزب وحصره بيدها وحدها بداية من العام 1989 فيما عرف باتفاق الطائف والذي نص على حل جميع الميليشيات اللبنانية وتسليم سلاحها إلا أن الحزب اعتبر وقتها “حركة مقاومة” ضد الاحتلال فتم استثناؤه، وأيضا القرار الذي صدر من مجلس الأمن رقم 1559 لسنة 2004 والذي دعا أيضا إلى حل جميع الميليشيات والمنظمات ونزع سلاحها سواء كانت لبنانية أو غير لبنانية لكنه لم ينص صراحة على الحزب لكنه فهم ضمنيا، وثمة قرار آخر من مجلس الأمن صادر عام 2006 برقم 1701 الذي يهدف أيضا إلى نزع سلاح الحزب وجعل الجنوب اللبناني خاليا من أي مسلحين سوى الجيش اللبناني ويدعو إلى حصر السلاح بيد الدولة، وآخرها في أغسطس من العام المنصرم عقب تشكيل حكومة جديدة كان على رأس أولوياتها تفكيك البنية التحتية للحزب.
استدعت تلك التحركات من طهران الاستنفار لحماية ذراعها فصرح وزير خارجيتها عباس عراقجي في أغسطس الماضي قائلا بأن “خطة نزع سلاح حزب الله التي أقرتها الحكومة اللبنانية ستفشل، وأن التصعيد الذي يمارسه الحزب في الداخل اللبناني هو تنفيذ لأوامر إيرانية” وهو ما عد وقتها تدخلا سافرا في شأن داخلي من شؤون الدولة، وفي السياق ذاته هدد الأمين العام للحزب نعيم قاسم بنشوب حرب أهلية وحمل الدولة المسؤولية عن حدوث أي انفجار داخلي إذا أقدمت الدولة على نزع سلاح الحزب.
وفي تحد سافر لقرارات الدولة اللبنانية بأنها لن تخوض حربا بالوكالة ولن تسمح بأن تكون ساحة لتصفية الحسابات، إلا أن الحزب لم يقم لهذا الكلام وزنا ومضى ليخوض حرب إسناد لإيران معرضا الدولة لاجتياحات ومواجهات هي في غنى عنها.
يعد الحزب الذراع العسكري لإيران وهو جزء من مشروع “الجمهورية الإسلامية الكبرى” الذي يسعى الإسلام السياسي بنسخته الشيعية لفرضه بالقوة، ويرى في الدولة الوطنية حجر عثرة في طريق تنفيذ مشروعه السياسي، وتجعل مصلحته فوق مصلحة الدولة، ويسعى لتقوية ذاته بإضعاف الدولة، ولطالما كانت صراعات الحزب وحروبه العديدة تتجاوز في قراراتها الدولة اللبنانية وهو ما يزج بها في أتون صراعات لا شأن لها بها.
التعليقات