“جيل زد” … أي معضلة يمثلها للجماعات السياسية الإسلامية؟

12 مارس 2026

عمار. علي حسن

وضعت ثورة الاتصالات أفكار الجماعات السياسية الإسلامية وأساليب عملها في مساءلة، تدنو في بعض جوانبها من أن تكون تحديات غاية في التعقيد والتأثير، سواء أدرك قادة هذه الجماعات ومنتجو خطابها الأيديولوجي هذا أم لم يدركوا، اعترفوا بهذا أم أنكروا، عملوا على تغييره أو ضربوا عنه صفحا من الغلفة والنسيان.

نعم سارعت هذه الجماعات على اختلاف تنظيماتها وتنوعها إلى ملء حيز لا يُستهان به من الشبكة العنكبوتية بأفكارها وتصوراتها، وأتاحت أدبيات قادتها، وترجمت بعض موادها إلى اللغات الأجنبية الأوسع انتشارًا، ووظفت مواقع التواصل الاجتماعي في الاتصال بين أعضائها، وجذب آخرين إليها، لتجنيدهم إلى مختلف دوائرها، أو إيقاعهم في فلكها، ونظمت حملات قوية للدفاع عن نفسها، والرد على خصومها، وخصصت أعضاء ناشطين منها ضمن ما يُطلق عليه “الذباب الإلكتروني”، لكنها لم تعتن بما فيه الكفاية، حتى الآن، بطبيعة التفكير الشبكي، الذي أوجده الإنترنت، خلافًا للتفكير الخطي الذي تتبعه هذه الجماعات، أو التفكير الدائري الذي يحل برأسها أحيانًا شأنها في هذا شأن الكثير من التنظيمات والجماعات والتجمعات والهيئات الأخرى التي تقع في هذا الفخ، الذي معه لا يتم التقدم بالتفكير على الأمام، ونحو الهدف، إنما الجريان في المكان، والعودة، بعد جهد ووقت، إلى نقاط البداية.

مثل هذا الوضع خلق مشكلة عميقة لهذه الجماعات مع “جيل z “أو ما يسمون “الزوومرز” الرقمي الأصلي Digital Native، وهو الجيل الذي ولد أفراده في السنوات المتراوحة بين 1997 و2012، أي مع انتشار الإنترنت، وتراجع تأثير أجهزة الإعلام وأدواته التقليدية من الإذاعة والتلفزيون والصحف والكاسيت، فامتلك هذا الجيل مهارات فائقة في التعامل مع ثورة الاتصالات، فصارت له الرافد الأساسي للمعرفة والتعلم، وأثرت طريقة عملها المعقدة في طريقة تفكيره، ونظرته إلى حياته وقضاياه، وإطلاعه على ما يدور في العالم أجمع بيسر وسهولة.

وتنتظم التحديات التي تواجه الجماعات السياسية الإسلامية حيال التعامل مع “جيل زد” في ثلاثة أمور محددة، الأول يتصل بالفضاء العام المتعلق بنظرة هذا الجيل إلى الدين، ومنتجي خطابه من وعاظ ومصدري فتاوى، ودرجة اهتمامه بهذا ضمن سلم أولويات قضاياه. والثاني يرتبط بآلية عمل الإنترنت نفسه فيما يمتلكه من بنك معلومات هائل، وما يفرضه من طريقة في البحث والتعلم. أما الثالث فيرتبط بالسمات الذهنية والنفسية والشكل التنظيمي لهذا الجيل، وفي كل هذا يبدو مختلفًا عما سبقه من أجيال، سواء هذه التي غادرت الحياة قبل الإنترنت، أو أبناء “جيل إكس” و”جيل واي” الذين عاشوا سنوات طويلة قبله ثم لحقوا به، دون أن تنقطع صلتهم بالأدوات التقليدية لتحصيل المعرفة، وما تخلقه من طرق تفكير وتدبير، أو يمتلكوا مهارات جيل ولد مع الإنترنت، وشبوا عن الطوق وهو في محو تام للأمية الإلكترونية، إذ أنه جيل لم يعرف عالمًا بلا شاشات الحواسيب والهواتف الذكية.

 

علاقة “جيل زد” بالمسألة الدينية

قبل تناول موقف “جيل زد” في العالم العربي من الدين وشؤونه، يبدو من الضروري النظر، وفي إطار مقارن، لموقف هؤلاء في الدولة الأكثر تقدمًا في مجال الإنترنت، والتي أطلقت منها مواقع التواصل الاجتماعي الأكثر انتشارًا في العالم بأسره، وهي الولايات المتحدة، لاسيما في ظل دراسات عدة انتهت إلى أن المجتمع الأمريكي يميل إلى التدين أكثر من الشعب الفرنسي مثلًا، ولا يعرف أغلبه العلمانية المفرطة أو الشاملة أو اللائكية.

وقد أظهرت دراسة أجرتها “مؤسسة بيو” أن “جيل زد” في الولايات المتحدة أقل تدينًا من الأجيال التي سبقته، حيث أفاد ثلث عينة موسعة أنهم لا يعتنقون أي دين، فيما عرف نحو 21% البعض أنفسهم بأنهم لاأدريون أو ملحدون، وأفادت الأغلبية بأنها غير معنية بدور الكنيسة.

وانتهى بحث آخر أجرته “مجموعة بارنا”، وهي شركة تقوم باستطلاعات لحساب المنظمات المسيحية، إلى النتائج نفسها تقريبًا، وبينت أن بعض الشباب يتفاعلون مع المسيحية واليهودية في المجتمع الأمريكي كثقافة عامة، في المعرفة والقيم والطقوس، لكنهم غير حريصين على ممارسة الشعائر الدينية بانتظام، ويبحثون عن ملاذ روحي في فلسفات ومذاهب مختلفة، مثل اليوجا، أو عوالم الملائكة، أو صائدات الأحلام لدى السكان الأصليين لأمريكا، أو حتى الاتجاهات الغرائبية التي تمنحها الثقافة العلمانية.

في المقابل لدينا دراسة أجرتها عبير محمد عباس، ونشرتها المجلة العلمية لكلية الآداب جامعة أسيوط، في يناير 2024، هدفت إلى التعرف على تأثير الخطاب الديني الشبكي على شباب جيل Z، ومدى ثقته في مثل هذا الخطاب، والقيم التي يرسخها في المجال العام الافتراضي. وقد أظهرت الدراسة ثقة أغلب العينة في الخطاب الديني الشبكي وبصفة خاصة خطاب رجال الدين بالمؤسسات الدينية، لكنها لم تعط الأهمية الغالبة للمسائل العقدية والروحية، إنما الدور الأخلاقي للدين، مثل بر الوالدين، والثبات على المبادئ، وصلة الرحم ونبذ العنف.

ويتماشي هذا أو ينسجم، إلى حد كبير، مع طبيعة القضايا التى تشغل “جيل زد”، وتتمثل في الميل إلى قضايا العدالة، مثل المساواة بين الجنسين وببن المنتمين لمختلف الأعراق، والحساسية المفرطة حيال مسألة التوزيع غير الكافي واللامتكافيء للموارد، والتفاوت الاجتماعي والاقتصادي العميق، والتعاطف الشديد مع التجمعات المهمشة، والوعي بقضايا البيئة، والتحديات العالمية الكبرى، التي تقود إلى الصراعات والحروب والنزاعات بين الدول.

وبالنسبة للقضايا الشخصية يهتم أبناء هذا الجيل بما يتعلق بتحصيل جودة الحياة، حيث فرص العمل، والحق في السكن، ونفقات التعليم، ومستوى الأسعار، والرعاية الصحية. ويخلق هذا انتظام مطلبية تضغط على السلطات السياسية، وتسائل الأجيال السابقة، إثر اتهامها باحتكار الثروة والاستئثار بالفرص، ويصير هذا الاهتمام قوة دفع، نابعة من قلق اجتماعي عميق ومتصاعد، لا يمكن إهمالها أو تلاشيها في ظل ارتفاع نسبة تمثيل هذا الجيل في القوة الديمجرافية العامة للدول العربية، حيث يشكل الشباب الذين تتراوح أعمارهم بين 15 و35 عامًا نسبة 34% من السكان، وهو المعدل الأعلى عالميًا، وكذلك في ظل تقارب الخبرة الحياتية لدى هذا الجيل، والتي يستقيها من الإعلام الرقمي والمدرسة ثم الجامعة والأسرة وأماكن العمل والمؤسسة العسكرية بالنسبة لمن يتم تجنيدهم.

ورغم أن أي جيل لا يمكن النظر إلى أبنائه ككتلة اجتماعية متجانسة، وفق ما تطرحه بعض السرديات الرائجة، إلا أنه لا يمكن إنكار وجود قدر من الوعي المتماسك لدى أي جيل، تسهم في صناعته لدى “جيل زد” غزارة التعرض لخبرات الآخرين داخل الدولة الواحدة، أو في العالم أجمع، وهو ما أتاحته ثورة الاتصالات. فهذه التباينات الداخلية، في الواقع، لا تنفي براعة “جيل زد” في استخدام وسائل التواصل الاجتماعي كأداة للتنظيم والتعبئة والتنسيق، في معارفه ومطالبه المتعددة.

هذا معناه أن “السرديات الكبرى” التي تتبناها الجماعات السياسية الإسلامية، وعلى رأسها إقامة الدولة الإسلامية، أو الخلافة، وتديين المجتمع، والنزوع إلى الجماعية أو الجمعنة، والمناداة بتطبيق صارم للشريعة، لا تبدو جاذبة بالقدر الكافي لـ”جيل زد”، حيث لا تتوافق ميوله النفسية مع هذه النماذج التقليدية، ويسعى لممارسة السياسة من زاوية انعكاسها على حياته المادية، أكثر من غيرها، ووفق ما يمكن تعريقه بـ “السياسة الشبابية” أو “النشاط الشبابي” التي تنتج أفكارًا عملية أقرب إلى الإجراءات منها إلى المقولات والصياغات الأيديولوجية التي تأهذ شكل الشعارات العامة، والفيوضات العاطفية.

وفي رحاب هذه النظرة إلى السياسة وفوائدها وعوائدها، وضع “جيل زد” وعود الجماعات السياسية الإسلامية محل مناقشة ومساءلة، ورآها تتحطم أمامه بعد صعود هذه الجماعات إلى ذروة السياسة عقب انطلاق انتفاضات وثورات في بلدان عربية عدة، ورآى، في الوقت نفسه، أعضاء قدامى داخل هذه الجماعات ينشقون عليها، ويكشفون أسرارها، ويقدحون فيها، ويحملونها مسؤولية إخفاق حركة الجماهير التي سعت طويلًا إلى الحرية والعدل والكفاية.

فأبناء هذا الجيل، فضلًا عن تفتح إداركهم على قيام الجماعات السياسية الإسلامية بتوظيف الثورات في خدمة مشروعها، ظنًا منها أن لحظة التمكين قد حانت، ما جعل هذه الثورات تنحرف عن مسارها المدني الذي مثلته طليعتها، فإنهم لم يكونوا في حاجة إلى تجريب هذه الجماعات من خلال الانضمام إليها أو التعرض لخطابها سنوات طويلة، مثل الأجيال التي سبقتهم، فكل شيء جاءهم وهم في بيوتهم، يجيلون أبصارهم في شاشات الحواسيب والهواتف الذكية، ويتابعون النزال والسجال على مواقع التواصل الاجتماعي حيث تعرض خطاب الإسلاميين لنقد واسع، لأول مرة في تاريخهم، ومن عموم الناس، وليست النخبة الفكرية والسياسية المضادة لهم مثلما كان قائما من قبل.

إن الجماعات السياسية الإسلامية قد اعتمدت ردحًا من الزمن على الطرق التقليدية في بناء تنظيماتها، أو مجتمعها الخاص، واستعملت في هذا ما تملكه من مصادر معرفية قائمة على الوعظ المباشر لخطبائها، وتوزيع كتب يؤلفها قادتها، وبعضها يحوي نصوصها المؤسسة وأدبياتها الأساسية، وهناك بالطبع إحالات إلى كتب ثراثية، حيث الآراء الفقية والتأويلات التي تقتطف منها ما يخدم مسارها السياسي الراهن.

وتصرف قادة التنظيمات ومن يليهم في هيكلها الإداري مع الأتباع أو الأعضاء على أنهم أشبه بمادة استعمالية لتعزيز وجود التنظيمات، ووزنها الاجتماعي، وقدرتها على التأثير السياسي، وطالما حددوا لهم الهدف، فلا بد لهم من أن يعملوا له مخلصين، وطالما اختاروا لهم الأساليب فعليهم الالتزام بها. وجرى هذا على أساس القاعدة الراسخة لديها بأن “القيادة تعرف أكثر”.

وفي ركاب ذلك الهدف، وتلك الأساليب، وهذا المساق التدريسي، الذي هو أقرب إلى التعاليم منه إلى التعليم، صنعت هذه الجماعات نسقًا معرفيًا مغلقًا، وطوقت به عقول أتباعها، فصاروا يرون من خلاله الآخر، سواء كان يعيش معهم في الدولة الواحدة، أو كان يقع خارجها حيث البشر في الغرب والشرق.

واقتصر الأتباع على هذا النسق، بعد أن تم تسويقه إليهم على أن فيه الكفاية والكفاءة والنجاعة، وتم على التوازي تسفيه الأنساق الفكرية المغايرة التي تنتجها النخب العربية، يسارية كانت أو ليبرالية، بل تم التقليل من قيمة النسق الديني المختلف الذي تصنعه تصورات علماء الدين، سواء كانوا ينتمون إلى المؤسسات الرسمية، أو يعظون من خارجها.

وكانت فرص أتباع هذه الجماعات في الإطلاع على ما ينتجه غيرها قليلة، في وقت كانت فيه الكتب والصحف والمجلات والإذاعة والتفلزيون هي المصادر البديلة لديهم للمعرفة، لاسيما أن كل هذه المصادر كان يرميها قادة الجماعات بالانحياز إلى سلطة تناهض “التصور السياسي الإسلامي”، أو يرونها فضاء من التعبير عن آراء مثقفين مخلصين لثقافة وافدة، أو لا يشغلهم العمل من أجل نصرة الإسلام. ولم تسلم من هذا الاتهام الذي يرمونه مناهج التعليم الرسمي المتهمة منهم بالتغريب أو على الأقل عدم الاعتناء برؤية الإسلام، ولا القوانين التي يصفونها بالوضعية أو البشرية.

لهذا كان أتباع الجماعات السياسية الإسلامية، وعلى مدار عقود، يتبارون في دراسة المنهج التعليمي أو التثقيفي الذي حددته القيادة، ويتخذون من النصوص المؤسسة إطارًا مرجعيًا، أو أيديولوجية، كرسائل حسن البنا ومذكراته، وكتب سيد قطب خصوصًا “معالم في الطريق” و”في ظلال القرآن” عند جماعة الإخوان المسلمين، و”الفريضة الغائبة” لمحمد عبد السلام فرج لدى تنظيم الجهاد، و”ميثاق العمل الإسلامي” عند الجماعة الإسلامية.. الخ.

وجاء الإنترنت ليقلب الطاولة على كل هذا، إذ أتاح في يسر مصادر معرفية غزيرة ومتنوعة ومطروحة في كل وقت أمام أتباع هذه الجماعات، وهي في الوقت نفسه أقل خضوعا لرقابة قادتها، وأقوى من قدرتهم على مسايرة ما يعرضه أو دحضده وتبديد أثره تمامًا، لاسيما لدى “جيل زد” الذي شب على الطوق في ركاب هذه الثورة الرقمية الرهيبة.

وأتاحت مواقع التواصل الإلكتروني فرصًا لتوسيع الحيز الاجتماعي لهؤلاء الأتباع، بعد أن كان مقتصرًا على دوائرهم المغلقة، ويتماس خفيفًا مع دوائر خارجها في رحاب المجتمع، حيث الجماعات الرئيسية والثانوية التي يختلطون بها في أماكن العمل والدراسة والسوق.

فالطبيعة الشبكية للاتصال الإلكتروني خلقت دوائر اجتماعية تتناسل بلا هوادة في العالم الافتراضي، ولا فكاك لدى أتباع الجماعات السياسية الإسلامية من متابعتها، أو التعرض غير المتعمد لاقتحاماتها المتوالية، والتي راحت ترسب أفكارًا ومعاني وتصورات مغايرة لتلك التي يعتنقها هؤلاء، سواء اكتفوا بالإطلاع عليها أو تفاعلوا معها بدرجات متفاوتة.

هنا بدأت آلية “االارتشاج” التي تعرفها مساقات التنشئة الاجتماعية والسياسة تواصل عملها بهدوء في أذهان أتباع هذه الجماعات ونفوسهم، مستمدة تأثيرها من أنها طوعية الطابع، وليست مفروضة قسرًا، وبذا أخذ هؤلاء، شيئًا فشيئًا، يعرضون ما كانوا يؤمنون به من أفكار على ما يتلقونه من معارف تتيحها الشبكة العنكبوتية، وهو تحدي كبير لم يكن موجودًا لدي الأتباع القدامي المنتمين إلى أجيال سابقة على زمن الإنترنت.

ومن الطبيعي أن يكون “جيل زد” الأكثر تعرضًا لأفكار مغايرة لتلك التي تتبناها جماعات سياسية إسلامية، ومن هنا يكون أكثر استعصاء على الجذب والتجنيد الذي تمارسه بلا انقطاع، لتجدد وجودها الاجتماعي والسياسي.

وإذا كانت هذه الجماعات تواجه ذلك التحدي بتكثيف نشاطها على مواقع التواصل الاجتماعي، وإطلاق مواقع معبرة عنها على شبكة الإنترنت، ووضع كتبها متاحة بالمجان عليها، والإسراع في الرد على خصومها في السياسة والفكر، فإنها لا تحظى في كل هذا بالقدرة نفسها التي كانت تحوزها أيام الإعلام التقليدي، وفي ظل علاقات الوجه للوجه التي كانت قائمة من قبل.

وإذا كانت هذه الجماعات قد كيفت طرقها الدعوية والإعلامية لاختراق “جيل زد” عبر مواقع “فيسبوك” و”إكس” ومنصات “يوتيوب” و”تيك توك” و”إنستجرام”، عبر خطاب قصير عاطفي، لتعويض ما فقدته من قواعدها التقليدية، فإنها تجد صعوبة في السيطرة على أذهان هذا الجيل، لحريته في البحث والاختيار، وغزارة المواد المضادة التي يطرحها آخرون، سواء من قصدوا مواجهة الخطاب السياسي للجماعات الإسلامية، أو من يطرحون خطابًا مخلتفًا، يساري أو ليبرالي النزعة.

فقدرة منصات مثل “إخوان أونلاين” و”إخوان يوتيوب” وكذلك المدونون وصناع المحتوى الفرادي ممن يعتنقون فكر هذه الجماعات، وكذلك قدرة ما أطلقته المواقع السلفية والتابعة لمختلف الجماعات السياسية الإسلامية، على الاستئثار بالحيز الإلكتروني واسع الأرجاء، تبدو محدودة، ولا تحقق الأهداف نفسها التي كانت تبلغها من قبل في ظل الإعلام التقليدي، ومع العلاقات الإنسانية المباشرة.

ومهما بذلت هذه الجماعات من جهد في عرض أفكارها الرئيسة من خلال وسائل جاذبة ومحفزة، أو مجاراة “جيل زد” عبر تبني قضاياه، فليس بوسعها أن تنافس ما هو معروض من الآخرين، سواء أنتجه الجمهور العام النشط على مواقع التواصل الاجتماعي، أو صنعته السلطات السياسية المواجهة أو المتصارعة مع الجماعات السياسة الإسلامية، أو أنتجه المفكرون اليساريون والليبراليون، أو حتى الإسلاميين غير العاملين لحساب هذه الجماعات، أو منتمين إليها.

فجهات كثيرة باتت منتبهة إلى المحتوى السياسي الإسلامي على الإنترنت، وتعمل على مواجهته أولًا بأول، سواء من خلال الطرق الناعمة المتمثلة في إنتاج مواد مضادة، أو الطرق الخشنة التقليدية التي تتبعها السلطات السياسية في بلدان عديدة للتضيق على هذا المحتوى وحصاره. فكلا الأسلوبين يقودان في النهاية إلى التقليل من تأثير الاستمالة الهادئة التي تقوم بها جماعات الإسلام السياسي للشباب واليافعين.

وإذا كانت هذه الجماعات قد ابعتدت عن الجغرافيا التي تسيطر عليها أنظمة حكم تناصبها العداء، محاولة استقطاب شباب مسلم يقيم خارج العالم العربي، خصوصًا في أوروبا والولايات المتحدة، فإن سلطات هذه الدول لم تترك لها الفرصة، فوجدنا السلطات الأمنية الفرنسية تحذر من تعزز نفوذ الإخوان على شبكة الإنترنت مستهدفة الشباب الفرنسي، وهناك أكثر من أربعمائة تحقيق قضائي في قضايا تتعلق بالإرهاب في فرنسا، ووجدنا السلطات الألمانية تحظر في نوفمبر 2025 منظمة “مسلم إنتراكتيف”، وتصادر أموالها، وتغلق حساباتها على بعض منصات التواصل الاجتماعي، ثم تداهم مقار منظمتي “جينيريشن إسلام” و”رياليتي إسلام”، المتهمتين بالإرتباط بـ “حزب التحرير الإسلامي”، وسجلت السلطات في كل من بلجيكا والنمسا وسويسرا نشاطًا لجماعات متطرفة عبر منصة “تيك توك” منذ أكتوبر 2023، لاستهداف شباب منتمين إلى “جيل زد”، من بينها تنظيم “داعش”، وعملت على تعقبه وإيقافه.

وإذا كانت شبكة الإنترنت قد أتاحت للجماعات السياسية الإسلامية الدخول إلى “جيل زد” من النوافذ التي يقف خلفها، ويجيد النظر منها، فإنها في الوقت نفسه سهلت على السلطات التي تخاصم هذه الجماعات أو تتعقبها، لأسباب عديدة، أن تصل في سهولة إلى كل المسارب التي تفتحها أمام هذا الجيل كي يدخل منها، ويينضم إلى صفوف هذه الجماعات,

وقد ساهمت هذه الشبكة في إفقاد هذه الجماعات قدرًا من سريتها في التلقين والتعبئة والتجنيد، فمهما تكتمت وقامت بتعقيد شفراتها فإنها لن تتغلب في هذا على أجهزة أمنية متعاونة عبر الدول، بل إن هناك محترفين مستقلين ضمن “جيل زد” قادرون على فك هذه الشفرات. ومهما غلفت هذه الجماعات خطابها بدعايات تتبنى فيها قضايا هذا الجيل، فإن لدية مكنة تخليص هذا الخطابات من الكثير من ألوان الدعاية التي يستخدمها صانعوها.

فالحقيقة الظاهرة أن “جيل زد” نظر إلى المسائل الإسلامية عمومًا من نوافذ غير تقليدية، وسمع عن الجماعات التي تطرح ما تصفه بـ “المشروع الإسلامي” من خلال خصومها، أكثر مما سمع من دعاتها ووعاظها. وقد جرى كل هذا بينما كانت هذه الجماعات منشغلة بما ترتب على صدامها المستمر مع أنظمة الحكم.

وفي ورقة لمركز حريات للدراسات السياسية والإستراتيجية بعنوان “جيل زد والحركات الإسلامية: بين النفور والانجذاب.. نحو استعادة الجسر المفقود بين التدين والتغيير”، تبين أن “جيل زد” من الصعب امتثاله للأساليب التقليدية التي تنتهجها الجماعات الإسلامية، ولا يمكن إنكار شعوره بخيبة أمل حيال ما انتهت إليه، حين وضع خطابها العاطفي الجذاب أمام اختبار حقيقي في أرض الواقع، وكيف رأى أن هذه الجماعات عالقة في الماضي، بينما عليه هو أن يصنع المستقبل.

ومن يراجع ما رصده علماء الاجتماع والاتصال حول السمات الذهنية والنفسية، والبنى التنظيمية لـ “جيل زد” يدرك، للوهلة الأولى، كيف أنه يمثل معضلة أمام الجماعات السياسية الإسلامية، فطبيعة أفراده تختلف، إلى حد واضح، عن أولئك الذين تقصدهم هذه الجماعات بالتجنيد، كما أن شكل الحركة التي يتخذها هذا الجيل في العالم الافتراضي، ومن ثم تنعكس على تدابيره في الواقع المعيش، تبدو مغايرة لتلك التي صنعتها وتآلفت معها هذه الجماعات، وهي مسألة يمكن طرحها من خلال النقاط التالية:

1 ـ على النقيض من تشكلات الجماعات السياسية الإسلامية تنظيميًا، تبدو مجموعات “جيل زد” على شبكة الإنترنت مجرد هياكل شبكية بلا قيادة، سواء كان مرشدًا أو أميرًا أو قائد جناح أو زعيمًا روحيًا، وفق الصيغة التي يتخذها القائد عند هذه الجماعات. فهياكل هذا الجيل يتم إنشاؤها ذاتيًا، وتسري خارج الهيئات التقليدية سواء كانت جماعات دينية أو أحزاب سياسية أو منظمات مجتمع مدني، وتنفر من آلية التحكم المركزي التي تتسم بها هذه التنظيمات التقليدية.

إن هذا الجيل لا ينتظر تعاليم، إنما يصنع تعاليمه غالبًا، عبر التشارك والتراسل الفورى على مواقع التواصل الاجتماعي، سواء بإنشاء المحتوى أو التعليق عليه. وإذا تم تنظيم أبناء هذا الجيل فإن تحركه يأخذ الشكل الأفقي وليس الرأسي، والمرن وليس الصارم، مثلما هو عند الجماعات السياسية الإسلامية. وإن اختار قيادة فتكون دورية، مسنودة إلى الإجماع وليس الغلبة، وتحددها الظروف التي يمر بها هؤلاء.

وينفر أبناء “جيل زد” من السلطة العمودية، والأوامر التي تهبط من أعلى إلى أسفل، ويسعون، بلا كلل ولا ملل، وراء بيئة اجتماعية، سواء في العمل المهني أو العمل العام قائمة على الحوار والتشارك والتفاهم والثقة والاحترام المتبادل، وتبادل الخبرات، وإعطاء وزن معتبر للتغذية العكسية أو الارتجاعية أثناء النقاش، دون أن يجعلهم كل ذلك يهملون كل ما يعزز قدرتهم إلى إنجاز المهام.

وبينما تنسج الجماعات السياسية الإسلامية لأفرادها شبكة محددة في التعارف والزواج وأحياناً في التشارك في العمل، وتبني كل هذا بالأساس في الواقع المعيش، نجد أن “جيل زد” يتخذ من الإنترنت فضاء كاملًا للتعارف وبناء الصداقات والزواج والعمل وإقامة علاقات التسوق.

وبالطبع فإن غياب التنظيم أو وجود اللاتنظيم عند “جيل زد” لا يروق للجماعات السياسية الإسلامية، التي ترى أن التصرف في إطار نظام متماسك أحد ركائز القوة، ولهم حق في هذا، بغض النظر عن أهداف التنظيم أو ملاءمته للمصلحة العامة. من هنا تنظر هذه الجماعات إلى حالة “جيل زد” غير الهرمية وغير المتماسكة على أنها مكمن ضعفه. فإذا كان حالة اللانظام تقود إلى تعبئة سريعة، فإنها سرعان ما تتلاشى، دون أن تحفر في عميقًا، وفي مراكمة، نحو تغيير جذري، مثلما رأينا في الانتفاضات التي قام بها أبناء الجيل.

2 ـ يتميز “جيل زد” بالاتصال الفائق، بينما هو عند الجماعات السياسية الإسلامية بطيء ومحدد القنوات والمسارات، ولذا ينزع أبناء هذا الجيل إلى تحديث مواقفهم وتصوراتهم دون توقف، ويواكبون الموضات المتسارعة، وهي سمة تغيب عند أعضاء الجماعات الإسلامية. وبينما يميل الشباب الرقميون هؤلاء إلى تفضيل المحتوى العفوي السريع، غير الخاضع للمراجعة والانتقاء، تربي هذه الجماعات أبناءها على تقبل ما يتم اختياره لها.

3 ـ يبدو الوعي لدى الجماعات السياسية الإسلامية تاريخي النزعة، وينصرف أغلبه إلى جغرافية العالم الإسلامي، الممتدة من غانا إلى فرغانة، وإذا نظر إلى العالم أو تاريخ الآخرين، فإن نظرته تكون من نافذة سياسية إسلامية، ترى الصراع أكثر من التوافق، وقد تقسم العالم، إن تطرفت، إلى فسطاطين، حسب وصف أسامة بن لادن، بينما “جيل زد” لا يهمل المشتركات الإنسانية، وينشغل بتحقيق العدل والطمأنينة في أي مكان، ويناصر المغلوبين والمهمشين والمهضومين أيًا كان مكانهم أو اعتقادهم.

4 ـ يتمتع أبناء “جيل زد” بعقل نقدي، يجعلهم يشكون في كثير من المسلمات المعروضة أمامهم، ويطرحون الأسئلة حول مختلف القضايا، وينزعون القداسة عن كثير من الأفكار والزعامات، وينفرون من الركود الاجتماعي والسياسي، ويعملون على تغييره، ولا تنطلي عليهم الكثير من السرديات السياسية والدينية الموجودة. ومثل هذه السمة تمثل مشكلة بالنسبة لجماعات تأخذ أتباعها إلى التسليم بخطابها، والسير الأعمى أحيانًا خلف أهدافها وغاياتها، وتضفي على بعض قادتها التاريخيين قداسة، وتبعد عنها كل ما يجرحها، وتغلق الطريق أمام أي مساءلة لأقوالها وأفعالها.

5 ـ ينتهج أبناء “جيل زد” طريقة فردية في التعامل مع المجال العام، حتى في إطار جماعة متفاعلة على شبكة الإنترنت، وينظرون إلى المهمة والمسؤولية والوعي من منظور شخصي، ويسعون إلى تحقيق نجاح خاص يحسنون به شروط حياتهم، ويبدون شكوكًا، إلى حد كبير، في العمل الجماعي.

وبالطبع فإن مثل هذا التصور يتناقض مع رؤية الجماعات السياسية الإسلامية، التي تدعو الفرد المنتمي إليها إلى العمل من أجل الجماعة، وتقدر النجاح بأنه للمجموع، حتى لو واجه كثير من أفرادها خسائر فادحة، جراء ملاحقة أو مطاردة، أو بسبب كبت القدرات الإبداعية الفردية إن وجدها لا تتماشى مع التصور العام للجماعة.

6 ـ لا يغلق أبناء “جيل زد” عقولهم أمام التكيف مع المستجدات التي تتوالى، والتعلم المستمر مما يتعرضون له من معلومات وخبرات، وهم في مرونتهم هذه، لا يمكن أن يكونوا صيدًا سهلًا لجماعات سياسية إسلامية، سواء كانت معتدلة أو متطرفة. فمثل هذه المرونة هي أحد مهارات هذا الجيل في التصدي للقيود والقمع، وإبقاء فرص الفرد قائمة في الحياة، دون انكسار أمام ظروف قاهرة، أو انسحاب بسبب الإحباط واليأس. وهذه المنعة النفسية والذهنية التي اكتسبها هذا الجيل الرقمي، لا يبدو أن أغلب أبنائه لديهم استعداد للتفريط فيه، أو التضحية بها، من أجل جماعة أو تنظيم، على النقيض مما كان قائمًا من قبل.

7 ـ يميل أبناء جيل زد إلى أن يكونوا قوة اجتماعية ضاغطة على السلطة السياسية في سبيل تحقييق مصالحهم، ويحشدون جهودهم على هذا الأساس، كي يغيروا دفة النقاش، ويفرضوا طرحهم على صانع القرار، وليس لتحقيق انتصار حاسم ضد السلطة في معارك وجودية، أو حتى تعديل القوانين وتغيير السياسات تمامًا، مثلما يحدث لدى أعضاء الجماعات السياسية الإسلامية، التي لا يرضيها غير إزاحة السلطة نفسها، والإحلال مكانها، سواء من خلال حمل السلاح، أو عبر ممارسة آليات التغيير السلمي. وحتى لو احتشدت هذه الجماعات في بعض الظروف لتكون قوة ضاغطة، فإن هذا لا يمثل لديها مسار التأثير الأخير والأساسي كما هو عند أغلب أفراد “جيل زد” إنما هو مجرد تدبير مرحلي ومؤقت، قد لا يكون بوسعها القيام بما هو أقوى منه في مرحلة ضعفها، وتسارع إلى تغييره تمامًا إن شعرت ببلوعها مرحلة التمكين.

8 ـ تعرض “جيل زد” لجرعات مكثفة من الخطاب الديني التجاري، وتعززت لديه مظاهر التدين الشبكي الرقمي، الذي يمكن أن يطلق عليه “دين السوق” حيث يتم إخضاع المحتوى الديني لآليات العرض والطلب كأي سلعة، في ظل استهداف من يقدمونه لجني أرباح من ورائه، وبذا يحرص العارضون على أن يكون خطابهم سريعًا سطحيًا وملائمًا لما يطلبه الجيل الجديد، وخاضعًا، في الغالب الأعم، لشروط البرامج الترفيهية.

بالطبع فإن هذه السمات والقسمات لا يمكن تعميمها على “جيل زد” برمته، فهناك دومًا استثناءات، تصنعها الفوارق الاجتماعية، والتجارب الشخصية، والظروف المحيطة بالفرد، والمناهل الأخرى التي كان يستمد منه جزءًا من معرفته ومنظومة قيمه، لكن يظل التيار الرئيسي داخل هذا الجيل، لديه مع يشكل معضلة أمام الجماعات السياسية الإسلامية، وأي جماعات أخرى، أو حتى أنظمة حكم تنتهج السبل نفسها، وتؤمن بأيديولوجيات صارمة. وبالطبع فإن هذه المعضلة ستتفاقم مع “جيل ألفا” المولود بين بين 2013 و2025.

التعليقات
لا يوجد تعليقات بعد.

حين تتحول الحرب إلى “نبوءة”..

عمر العمري تشير الشكاوى المتداولة من داخل المؤسسة العسكرية الأمريكية، بشأن تبرير الحرب على إيران بخطاب ديني يستحضر النصوص المقدسة، إلى منزلق بالغ الخطورة يتمثل في تحويل الحرب من قرار سياسي خاضع للحساب والمساءلة إلى مهمة مقدسة محصنة ضد النقد. وأوردت إحدى هذه الشكاوى المنشورة أن قائدا عسكريا افتتح إحاطة خاصة بالجاهزية القتالية بحث عناصر […]

استطلاع رأي

هل أعجبك التصميم الجديد للموقع ؟

عرض النتائج

جاري التحميل ... جاري التحميل ...