تونس أمام أزمة القدرة على الحكم

28 يوليو 2026

سعيد الزياني ـ دين بريس
لا تبدو الاحتجاجات الأخيرة في تونس مجرد تحرك جديد للمعارضة ضد الرئيس قيس سعيد، فالغضب لم يعد مرتبطا فقط بالخلاف حول الدستور والسلطة، وإنما أصبح مرتبطا بحياة الناس اليومية، بسبب انقطاع الكهرباء والماء وتراجع الخدمات وارتفاع الأسعار، وهذا ما يجعل الوضع أكثر حساسية، لأن السلطة قد تنجح في إضعاف الأحزاب وملاحقة قادتها، لكنها تجد صعوبة أكبر عندما يشعر المواطن العادي بأن الدولة لم تعد قادرة على توفير أبسط احتياجاته.

وصل قيس سعيد إلى هذه المرحلة بعدما أقنع جزء من التونسيين بأن الأحزاب والبرلمان كانا يعطلان الدولة ويحميان الفساد، وقدم جمع السلطات في يده على أنه الحل لإعادة النظام وتحقيق العدالة، لكن خمس سنوات مرت منذ إجراءات 25 يوليوز 2021، ولم يعد من السهل تحميل المسؤولية للمنظومة السابقة، فالرئيس الذي أصبح يملك معظم القرار صار مسؤولا عن النتائج، وقد ظهر النظام قويا في مواجهة خصومه، وضعيفا أمام مشكلات الكهرباء والماء والبطالة والاستثمار.

لا يعني هذا أن تونس تتجه نحو انهيار اقتصادي سريع، فالدولة ما تزال قادرة على أداء وظائفها الأساسية والحصول على بعض التمويل، لكن الاقتصاد لا ينمو بالقدر الذي يوفر فرص العمل ويحسن حياة المواطنين، زائد أن ارتفاع الدين والعجز يحد من قدرة الحكومة على الإنفاق، ويؤدي اعتمادها المتزايد على التمويل الداخلي إلى تقليص الأموال المتاحة للمقاولات والاستثمار، وتواجه البلاد أيضا آثار الجفاف ونقص المياه، إلى جانب حاجتها إلى الجزائر في مجال الطاقة والدعم، وإلى الاتحاد الأوروبي في التمويل والتعاون المتعلق بالهجرة.

يبقى استمرار قيس سعيد في الحكم هو الاحتمال الأقرب خلال المرحلة المقبلة، لأن المعارضة ما تزال منقسمة، ولأن مؤسسات الدولة والأجهزة الأمنية لم تظهر انقساما واضحا، كما أن الجزائر تواصل مساندته، في حين تحتاج إليه الدول الأوروبية للحد من الهجرة عبر البحر المتوسط.

وقد يحاول الرئيس تهدئة الغضب بتغيير بعض المسؤولين واتخاذ إجراءات اجتماعية عاجلة، وربما بمزيد من التضييق على خصومه، إلا أن استمرار انقطاع الخدمات وارتفاع الأسعار قد يدفع الاحتجاجات إلى مدن وقطاعات جديدة، وسيكون موقف الاتحاد العام التونسي للشغل حاسما إذا اتسعت الأزمة.

لا تعيش تونس اليوم ثورة جديدة مكتملة، كما أنها لا تعرف استقرارا حقيقيا، والأقرب أنها دخلت مرحلة تراجع بطيء تتقدم فيها المشكلات الاجتماعية على الخلافات السياسية، وقد يستطيع النظام الاستمرار بفضل تفرق معارضيه والدعم الخارجي، لكن الاستمرار في الحكم لا يعني النجاح فيه، فالسؤال المطروح هل تستطيع الدولة توفير الكهرباء والماء والعمل والخدمات واستعادة ثقة المواطنين، وعندما تعجز السلطة عن إدارة الحياة اليومية، يصبح غضب الناس بسبب الخدمات أخطر عليها من احتجاج الأحزاب..

التعليقات
لا يوجد تعليقات بعد.

عيد العرش.. منجزات ورهانات

يخلد الشعب المغربي، يوم 30 يوليوز، الذكرى السابعة والعشرين لتربع صاحب الجلالة الملك محمد السادس على عرش أسلافه الميامين، وهي مناسبة وطنية تتجدد فيها روابط البيعة المتجذرة في تاريخ المملكة، ويستحضر فيها المغاربة مسارا طويلا من العمل والإصلاح والتحولات التي عرفها المغرب منذ اعتلاء جلالته العرش سنة 1999. إن عيد العرش هو مناسبة لقراءة ما […]

استطلاع رأي

هل أعجبك التصميم الجديد للموقع ؟

عرض النتائج

جاري التحميل ... جاري التحميل ...