توقيف “دين ودنيا”.. حدود الحياد في الخطاب الديني والانتخابي

سعيد الزياني ـ دين بريس
أعاد قرار المجلس الأعلى للاتصال السمعي البصري توقيف برنامج “دين ودنيا” الذي تبثه إذاعة “شذى إف إم” لمدة شهر، ابتداء من 19 شتنبر 2026، النقاش حول العلاقة بين الخطاب الديني والعمل السياسي، وحول الحدود التي ينبغي أن تفصل بين توعية الناخبين وبين التأثير في اختياراتهم خلال فترة الانتخابات.
جاء القرار بعد حلقة بثت يوم 18 شتنبر، تحدث خلالها الشيخ عبد الرحمان السكاش عن مسؤولية المواطن أمام الله عن صوته الانتخابي، ودعا إلى اختيار الشخص الصادق الذي يخاف الله ويخدم الوطن والمواطن ويحترم الدين، وحذر من التصويت لمن ارتبط اسمه بالفساد والنهب والسرقة والاحتيال واستغلال النفوذ والطعن في الدين، معتبرا أن الناخب يتحمل جانبا من المسؤولية عن الشخص الذي يختاره.
تستند الهيئة في قرارها إلى مقتضيات القانون رقم 77.03 المتعلق بالاتصال السمعي البصري، خاصة المواد المرتبطة بنزاهة الأخبار والبرامج والموضوعية وتعدد الآراء، كما تستحضر احترام الثوابت الدستورية ومقتضيات دفتر تحملات الإذاعة، وتعتبر أن البرامج الدينية مطالبة بالتقيد بالقواعد نفسها التي تؤطر باقي البرامج خلال الفترات الانتخابية.
من هذه الزاوية، يملك القرار أساسا قانونيا يرتبط بمسؤولية الهيئة عن حماية نزاهة المنافسة الانتخابية، فالإذاعة وسيلة ذات تأثير واسع، والخطاب الذي يصدر عن شخص يقدم بصفته شيخا وداعية قد يحمل أثرا أقوى لدى فئات من المستمعين، خاصة عندما يستعمل لغة دينية تربط الاختيار الانتخابي بالثواب والعقاب والمسؤولية أمام الله، وقد ترى الهيئة أن مثل هذا الخطاب يمكن أن يتحول إلى ضغط معنوي على الناخبين.
لكن قراءة التصريح المتداول تظهر أنه لم يتضمن دعوة إلى التصويت على حزب محدد أو اسم معين، كما لم يتضمن توجيها صريحا لفائدة مرشح أو لائحة، فقد ركز على صفات عامة مثل الصدق والأمانة وخدمة المواطنين ومحاربة الفساد، وهي مبادئ يمكن أن تحضر في الخطاب الديني كما تحضر في التربية المدنية والنقاش السياسي العام.
وتكمن الصعوبة في التمييز بين التوعية والتوجيه، فالدعوة إلى اختيار المرشح النزيه يمكن أن تقدم باعتبارها توعية بحقوق المواطن ومسؤوليته، وقد تتحول في سياق آخر إلى رسالة مضمرة تخدم جهة سياسية معينة، خصوصا إذا استعملت أوصاف الفساد والخيانة والطعن في الدين لوصف خصوم معروفين لدى الجمهور، ولهذا يحتاج تقييم كل حالة إلى النظر في السياق الكامل للحلقة، وطبيعة الضيف، والعبارات المستعملة، والجهة التي يمكن أن تستفيد من الخطاب.
تحتاج الديمقراطية إلى حياد المؤسسات الإعلامية، لكنها تحتاج أيضا إلى منظومة قيم تحميها من شراء الأصوات واستغلال الفقر وتقديم الوعود الكاذبة، وينظم القانون العملية الانتخابية ويحدد المخالفات، بينما تساعد التربية الأخلاقية على بناء مواطن يميز بين المرشح الذي يبحث عن خدمة الناس والمرشح الذي يبحث عن موقع أو امتياز، ومن الصعب تصور حياة سياسية سليمة مع إبعاد الحديث عن الأمانة والعدل والمسؤولية من المجال العام.
ولا ينبغي للدين أن يتحول إلى وسيلة لفرض الوصاية على الناخبين أو منح القداسة لحزب أو مرشح، كما لا يصح استعمال المنبر الديني لتصفية الحسابات السياسية أو تشويه المنافسين، وعلى عكس من ذلك، فإن منع الدعاة والوعاظ من الحديث عن الفساد والنزاهة والمسؤولية قد يحرم المجتمع من دور تربوي يحتاج إليه خلال الانتخابات، خاصة في البيئات التي يظل فيها الخطاب الديني مؤثرا في تشكيل الوعي العام.
وكان يمكن للهيئة أن تعتمد تدرجا في التعامل مع الحالة، من خلال تنبيه الإذاعة أو مطالبتها بتقديم توضيح أو ضمان حضور آراء متعددة داخل البرنامج، قبل الوصول إلى توقيفه لمدة شهر، خاصة أن المعطيات المتداولة لا تشير إلى ذكر حزب أو مرشح بعينه، ولا تثبت وجود حملة منظمة للتأثير في الناخبين لصالح جهة محددة.
ويمكن اعتبار قرار توقيف “دين ودنيا” قرارا قابلا للنقاش من زاويتين متداخلتين، زاوية تحمي الحياد الانتخابي وتخشى توظيف الخطاب الديني في المنافسة السياسية، وزاوية ترى أن تخليق الحياة العامة يحتاج إلى خطاب ديني وأخلاقي يذكر الناخب بمسؤوليته ويحذره من المال الانتخابي والفساد والوعود الكاذبة.
وبين الزاويتين، تبرز الحاجة إلى قواعد دقيقة تفرق بين الوعظ العام والدعاية السياسية، وتحمي في الوقت نفسه حرية التعبير ودور القيم في بناء وعي انتخابي مسؤول..




التعليقات