تمهيد أحدث إصدارات الأنثروبولوجي محمد الناجي حول الدراسات القرآنية

1 أبريل 2026

تنشر منصة “دين بريس” النص الكامل لتمهيد أحدث إصدارات المفكر المغربي، الأنثروبولوجي محمد الناجي، والحديث عن كتاب يفتح أبواب النقاش والحوار حول القراءات القرآنية.

**************************

محمد الناجي

تمهيد

يتقصى هذا البحث ويتتبع مسار تطوّر النصّ القرآني منذ لحظة تشكّله في سياق الوحي، إلى أن استوى مصحفا رسميا معتمدا، وحاز، في الوجدان الإسلامي بهيئته هاته، سلطة المرجعية والاحتجاج. ولم يقتصر هذا المسار على تتبّع تحوّلات النص في ذاته، بل تجاوزه إلى البحث فيما نشأ من علاقات مركّبة بين السلطة المركزية من جهة، وأهل العقد والحل في حقل المقدّس من جهة أخرى، أولئك الذين عُرفوا في التراث باسم القُرّاء، حَمَلة الذكر والقومة على أدائه. ومن ثمّ، فإنّ هذا الفحص يفتح أفقًا رحبًا من التساؤلات الدقيقة، التي لا ينبغي الذهول عنها لمن أراد الإحاطة بتاريخ نصّ المصحف ووجوه تشكّله.

فهل كان القرآن واحدًا منذ البدء أم تعدّدت نصوصه؟ إنّ الواقع المعاصر يقرّ بوجود مصحف واحد، هو القرآن الكريم، أي الكتاب المقدّس الذي تلقّاه المسلمون بوصفه وحيًا إلهيًا منزّلًا. غير أنّ السؤال التاريخي يظلّ قائمًا: كيف كانت حال النصّ القرآني في زمن النبيّ محمد، عند انبثاق الوحي ذاته؟ وهل كان هناك نصّ واحد، أم أنّ الأمر انطوي على تعدّد في الصيغ والأداءات؟ وإذا ثبت هذا التعدّد، فبأيّ منطق كان يُفسَّر، وبأيّ سند كان يُبرَّر، وهو ما يبدو اليوم خارج أفق التصوّر السائد؟

وهل تفاوتت هذه المصاحف في بنيتها ومضامينها؟ وإذا صح هذا الأمر، فما هي العوامل التي كانت وراء ذلك، مع أنّ المفترض في أصل الكلام الإلهي الوحدة وعدم التغاير؟ وهل كانت هذه التفاوتات راجعة إلى طبيعة التلقّي الشفوي للوحي، أم إلى ظروف مخصوصة أحاطت بالنبيّ، أم إلى سياقات اجتماعية وثقافية أملتها بيئة التنزيل؟ وكيف سوّغ القرآن، ومعه السنّة، هذا التفاوت بين النصوص، أو لنقل بين المصاحف؟ إنّ العناية هنا لا تنصرف إلى الفروق الشكلية وحدها، كعدد السور مثلا، بل إلى بنية الاختلاف في جوهره أي منطقه الداخلي وأسبابه، ومسار تطوّره عبر الزمن.

وإذا ما انتقلنا إلى الوضع الذي آل إليه النصّ لاحقًا، برزت أسئلة أخرى لا تقلّ إلحاحًا من قبيل: متى تمّ اعتماد مصحف واحد بصورة نهائية؟ وهل كان هذا التوحيد ضرورة تاريخية أم خيارًا سياسيا-دينيا فرضته شروط المرحلة؟ وكيف جرى ذلك عمليًا؟ إنّ الحديث عن “جمع” القرآن يفترض، في ظاهره،أنّ النصّ كان موجودًا زمن النبيّ في صورة مكتملة، وإن كانت متفرّقة في صحف وأجزاء، فاقتصر الأمر على ضمّها في مصنّف واحد. غير أنّ فرضية تعدّد النسخ في ذلك الزمن تُعيد طرح المسألة من جديد: كيف تمّ التوفيق بين هذه النسخ؟ أكان ذلك في أجواء توافقية أم في سياق صراع؟ وما هي هذه النسخ، وما طبيعة العلاقات التي كانت قائمة بينها؟ ثمّ، هل أُخذت بعين الاعتبار عند صياغة النصّ النهائي، أم أُقصيت وأُهملت لصالح صيغة بعينها؟

وإذا نظرنا إلى المصحف الذي تم الإجماع عليه، فهل يطابق تمامًا ما سبقه من نصوص، أم أنّه تضمّن تحويرات وتعديلات؟ وما طبيعة هذه التغييرات إن وجدت؟ أهي حذفٌ لبعض المواد، أم إعادة صياغة لغوية ونحوية، أم أنّ لها أبعادًا أعمق تتصل بالانتماءات الإثنية أو الاعتبارات السياسية؟ وعلى أيّ أسس تمّ اعتماد هذه التعديلات، وبأيّ مبرّرات أُضفيت عليها المشروعية؟

ولما استقر المصحف على ما هو عليه، تحوّل الخطاب من الحديث عن “نصوص” متعدّدة إلى الحديث عن “قراءات”. فما الفارق المفهومي بين المصحف بوصفه نصًا، والقراءة بوصفها أداءً؟ ثمّ إنّ التراث يميّز بين قراءات موصوفة بالأصالة، وفي مقدّمتها القراءات السبع المشهورة، وأخرى وُصفت بالشذوذ والانحراف. فما المعايير التي على أساسها تُعتمد قراءة وتُرفض أخرى؟ وكم عدد القراءات المقبولة؟ وما الحجج التي يستند إليها هذا التصنيف؟

لا يمكن فصل هذه الإشكاليات عن الإطار السياسي الذي احتضنها. فقد كان القُرّاء كُثرًا، وكلّ منهم يدّعي حمل النصّ على وجهه الصحيح. فكيف تعاملت سلطة الخلافة مع هذا التعدّد؟ وما طبيعة العلاقة بين المجال السياسي ومجال المقدّس؟ أكانت علاقة انسجام أم توتّر؟ إنّ تناول هذه المسألة بموضوعية يقتضي تجاوز القراءة اللاهوتية الصرفة، والنظر إليها ضمن سياقها الاجتماعي والاقتصادي والسياسي. فالمجتمع الذي نشأ فيه الإسلام، وإن كان في أصله مجتمعًا قبليًا، إلا أنّه سرعان ما عرف تحوّلات عميقة، وأخذ خرق التفاوت الاجتماعي يتسع، وبرزت صراعات طبقية كامنة، كانت القبائل واجهاتها الظاهرة. وكان النبيّ وقتها محاطاً بصحابة متفاوتي المكانة والثراء، وما لبثت هذه الفوارق أن تعمّقت مع صعود كبرى بيوتات قريش إلى سدّة الحكم، فمثلت هذه العناصر مجتمعة مفاتيح لا غنى عنها لفهم ما دار حول النصّ القرآني والسنّة من تجاذبات. ثمّ إنّ القرآن، في صورته المعاصرة، يُتلى تلاوةً تتّسم بنَفَس لحنيّ يكاد يلامس حدود الإنشاد، وإن كان الاصطلاح يتحفّظ عن تسميته غناءً. فما طبيعة العلاقة التي ربطت النصّ القرآني بالشعر والإنشاد في بداياته؟ وهل كان لهذا البعد الجمالي أثر في تشكيل طرائق أدائه وتلقّيه؟

تلك جملة من الأسئلة التي يتصدّى لها هذا البحث، مستندًا في معالجته إلى المصادر الإسلامية الأولى، وهي مصادر لم تتنكّر لهذه الإشكاليات، بل واجهتها بجرأة، وخلّفت لنا مادّة ثرية تستحقّ أن تُقرأ قراءةً نقديةً واعية.

التعليقات
لا يوجد تعليقات بعد.

لم يعد للأقصى رب يحميه..

أثار منع شرطة الاحتلال الإسرائيلي، الأحد الماضي، بطريرك الكنيسة اللاتينية في القدس من دخول كنيسة القيامة في البلدة القديمة لترؤس قداس أحد الشعانين، موجة واسعة من الغضب في الأوساط السياسية والدينية، وفتح الباب أمام تفاعل كبير على منصات التواصل الاجتماعي. ولم تلبث الواقعة أن خرجت من نطاقها الميداني الضيق لتتحول إلى قضية ذات بعد دبلوماسي، […]

استطلاع رأي

هل أعجبك التصميم الجديد للموقع ؟

عرض النتائج

جاري التحميل ... جاري التحميل ...