تكتيك الإبطاء في الحروب المعاصرة: إطالة الصراع في أفق التدمير الحضاري الشامل

10 أبريل 2026

محمد خياري

في الحروب الحديثة، لم يعد الحسم السريع هو الخيار المفضّل، بل غدا الإبطاء تكتيكًا قائمًا بذاته، يُدار بعناية لتحقيق أهداف استراتيجية من دون الانزلاق إلى مواجهة سريعة شاملة غير محسوبة. ويظهر هذا المنطق بوضوح في الصراع الدائر في الشرق الأوسط حاليا، حيث تحوّل الزمن من إطار محايد إلى أداة فاعلة في إدارة الصراع.

يتجلى تكتيك الإبطاء لدى أطراف مثل إيران وحماس وحزب الله في الإبقاء على المعركة مفتوحة، ليس اختيارًا حرًا بالضرورة، بل نتيجة عدم القدرة على الحسم السريع. والغاية من ذلك إنهاك الخصم، واستنزاف موارده، وإبقاؤه في حالة استنفار دائم.

يقوم هذا الأسلوب على ضربات متقطعة، وهجمات مفاجئة، وحروب استنزاف طويلة الأمد. غير أن كلفته البشرية والاقتصادية والسياسية باهظة؛ إذ تتحمّل المجتمعات المحلية ضغطًا هائلًا وخسائر جسيمة، فيما تتآكل صورة هذه القوى في المجال الدولي وتتراجع قدرتها على حشد التعاطف والشرعية.

في المقابل، توظّف إسرائيل والولايات المتحدة عامل الزمن لصالحهما كذلك. فخلال فترات الإبطاء، تُطوَّر المنظومات الدفاعية، وتُوسَّع مظلة الشرعية الدولية، وتُبنى تحالفات جديدة تحت شعار مواجهة “الخطر الإيراني” والجماعات المرتبطة به. كما تُفرض وقائع ميدانية وسياسية لم يكن تحقيقها ممكنًا في ظروف الحسم السريع، ما يمنحهما أفضلية تراكمية مع مرور الوقت.

في هذا السياق، تُعامَل الهدنات والاتفاقيات بوصفها أدوات مرحلية لا عهودًا نهائية. فالانسحاب من اتفاق دولي أو إعادة صياغته لم يعد حدثًا استثنائيًا، بل أصبح جزءًا من سياسة ترى أن الالتزام يفقد قيمته متى تعارض مع ميزان القوة. ومن هنا، لا يعود السؤال الجوهري: لماذا ينسحبون؟ بل متى ينسحبون، وكيف، وبأي أثمان.

وفق هذا المنظور، تُدار الحروب على مراحل محسوبة، لا دفعة واحدة. كل مرحلة تختبر الخصم، وتقيس ردود فعله، وتعيد ترتيب الأوراق. فالهدنة القصيرة بين الولايات المتحدة وإيران، مثلًا، ليست سوى اختبار للامتثال، وأداة لإدارة رأي عام متحفظ على الحرب، ومحاولة لتحييد أطراف وسيطة تسعى إلى كبح التصعيد. وهي، في الوقت نفسه، فرصة لإعادة توزيع الأولويات، وربما للاستفراد بساحة بعينها – كما في لبنان – تمهيدًا لتسريع مخطط أوسع. هذه المرحلية لا تضمن النجاح النهائي، لكنها تكشف عن عقلية ترى في الإبطاء وسيلة لتقليل الكلفة وتوسيع هامش الخيارات.

يبقى القرار الأمريكي مقيدًا بجملة عوامل لا يمكن تجاوزها. أولها المزاج الشعبي الغربي الذي ضاق بالحروب المفتوحة من دون غطاء أممي واضح، إذ لم تُغلق بعد فصول العراق وأفغانستان في الوعي العام. ثانيها تململ الحلفاء من مغامرات عسكرية غير مؤطرة دوليًا، فحلف شمال الأطلسي ليس كتلة صماء، وتباينات المصالح تتسع كلما طال أمد الصراع وارتفعت كلفته. وثالثها العامل الجغرافي، فإيران ليست ساحة بعيدة، بل تجاور قواعد أمريكية حساسة في الخليج، ما يرفع مستوى المخاطر ويقلص هامش الخطأ. هذه القيود لا تمنع الحرب، لكنها تفرض عقلنتها وتجزئتها، وتفضيل الأدوات غير المباشرة حين يكون الثمن المباشر فادحًا.

في المقابل، تُقدَّم إيران في خطابها وأنصارها بوصفها صاحبة صناعة حربية وقدرات بشرية وعسكرية تضمن صمودًا طويل الأمد. غير أن الإشكال لا يكمن في وجود هذه القدرات بحد ذاتها، بل في تحويلها إلى ضمانة مطلقة. فالتاريخ الحديث يحذّر من هذا التبسيط؛ إذ امتلكت أنظمة عديدة جيوشًا وأجهزة ردع صمدت سنوات، ثم انهارت فجأة عند تحقق اختراق مركّب سياسي واقتصادي وعسكري. يقدم النموذجان العراقي والسوري وغيرهما درسًا قاسيًا: الصمود الزمني لا يساوي نصرًا استراتيجيًا، وقد يتحول إلى استنزاف يراكم شروط السقوط بدل أن يمنعه. الفارق بين البقاء وتحقيق الأهداف هو ما يغيب عن خطاب عاطفي يكتفي بشعارات السيادة والكرامة من دون إخضاعها لمعايير قابلة للقياس.

وهنا لا يمكن فهم القرار العسكري بمعزل عن اقتصاداته. فالمجمع الصناعي–العسكري الأمريكي ليس مجرد مُنتج للسلاح، بل منظومة مصالح مالية وتقنية وسياسية. الحروب هنا ليست انفجارات عشوائية، بل دورات اقتصادية تتكرر: إنتاج، تراكم مخزون، استهلاك موجَّه، ثم تحصيل أثمان سياسية ومالية، يعقبه إعادة إنتاج بتقنيات أحدث. ويظهر هذا المنطق في سجلات الإنفاق العسكري، وتحديث الترسانات، وتسويق “الجيل التالي” من الأسلحة بعد كل اختبار ميداني. الاقتصاد، في هذا السياق، ليس السبب الوحيد للحرب، لكنه شرط ميسّر لها ومتداخل مع اعتبارات السياسة والتحالفات والردع وتغير موازين القوى العالمية.

يبقى الملف النووي الإيراني جوهر الصراع المؤجّل. فخيار “السحق الكامل” بالغ الكلفة، على ما يبدو لحد الساعة، ويتطلب تفوقًا استخباراتيًا شاملًا، وسيطرة جوية ممتدة، واستعدادًا لتحمل تداعيات إقليمية خطيرة. أما البديل الذي راكمته واشنطن لعقود فهو الإبطاء: التقييد، ورفع كلفة التقدم، وإبقاء الباب مواربًا لتفاهمات جزئية. هذا الخيار لا يُرضي الصقور ولا يطمئن الحمائم، يظهر ذلك بشكل جلي في التصريحات عقب كل هدنة يتم توقيعها، لكنه يعكس واقعية تُدرك أن ردعًا ناقصًا قد يكون أقل كلفة من حسم كامل. الإبطاء هنا ليس ضعفًا، بل تكتيك يوازن بين الكلفة والجدوى، ويفتح المجال لإدارة الصراع على مراحل، واختبار الخصوم، وتحييد الوسطاء، وإدارة الرأي العام داخليًا وخارجيًا.

يتقاطع هذا المنطق مع ما يمكن تسميته “التدمير الشامل البطيء”. فالتجزئة الزمنية للحرب لا تُلغي هدفها النهائي، بل قد تتحول إلى وسيلة لتفكيك البنية الاجتماعية والاقتصادية تدريجيًا. في لبنان وغزة، لا يقتصر الاستهداف على البنية العسكرية، بل يمتد إلى البنية التحتية والاقتصاد والأنسجة الاجتماعية، بما يجعل المجتمع عاجزًا عن إعادة إنتاج شروط الحياة الطبيعية. هنا يصبح الزمن أداة استنزاف حضاري، حيث تُستثمر كل هدنة لإعادة التموضع، وتُراكم كل ضربة أثرًا طويل المدى.

وتُقدَّم إيران بدورها كحالة اختبار لهذا النهج، إذ لا تُختزل المواجهة معها في بعدها العسكري، بل تُدار بوصفها عملية تعطيل مستدام لمشروعها النووي والاقتصادي، عبر العقوبات والتهديدات ورفع كلفة التقدم. هذا شكل آخر من التدمير البطيء: ليس بالقصف وحده، بل بإبقاء المجتمع في حالة انتظار دائم، محاصرًا بين إمكانات معطلة وضغوط مستمرة، في مقابل ثروات هائلة يتم جنيها، في الضفة الأخرى مقابل كل معركة.

في المحصلة، ليست المعركة الجارية “حربًا مؤجّلة” فحسب، بل إدارة للصراع عبر الزمن كسلاح. الإبطاء يساوي استنزافًا، والمرحلية تعني تفكيكًا تدريجيًا لقدرة الخصم على الصمود الحضاري. وفي هذا المسار، تبقى المواجهة معلّقة بلا حسم لصالح إيران أو حلفائها، فيما تحقق أمريكا وحفاؤها مكاسب استراتيجية تراكمية لم تكن متاحة في السابق، ما يجعل هذا التكتيك سلاحًا ذا حدين، غالبًا ما ينقلب على من يعتمد عليه إذا أساء استعماله.

التعليقات
لا يوجد تعليقات بعد.

هل انتصرت إيران؟

عمر العمري لا جدوى من الإغراق في الجدل حول من انتصر في الحرب التي دارت بين إيران وخصومها، لأن العبرة الحقيقية بعد انقضاء الحروب لا تكون بكثرة الادعاءات، وإنما بمن يخرج منها حاصدا للمكاسب والمغانم.. الأكيد أن إيران خرجت من هذه الهدنة (لاتزال هشة)، في محصلتها النهائية، متقدمة في الميزان الاستراتيجي، لأن خصومها لم ينجحوا […]

استطلاع رأي

هل أعجبك التصميم الجديد للموقع ؟

عرض النتائج

جاري التحميل ... جاري التحميل ...