تفاعلا مع الاستحقاق الانتخابي: التزكية قبل التزكية

عز العرب لحكيم بناني
لماذا؟ لأن الأحزاب زكت المرشحين قبل تزكية صناديق الاقتراع. فقد أجمعت الأحزاب على ضمان حقها في وصول الكفاءات التي تحتاج إليها إلى البرلمان وتحتاج كذلك إلى التقنوقراط والفاعلين الاقتصاديين القادرين على المشاركة في تدبير شؤون البلاد. تريد الأحزاب أن تتحكم من خلال تزكية وكلاء اللوائح في عنصر المفاجأة. تتيح التزكية نجاح أغلب المرشحين الذين احتلوا رأس اللائحة، بما أن الانتخاب باللائحة وبالأغلبية النسبية نظام انتخابي تستفيد منها كل الأحزاب، أغلبية وأقلية، وتتيح وصول جميع الناجحين إلى البرلمان، ولو كان منتخبًا واحدًا عن الحزب لا يغني ولا يسمن من جوع.
التزكية قبل التزكية
لا جدال في أنه لا توجد أحزاب كبيرة ولا صغيرة دون تصويت الناخبين. ولا يوجد أشخاص مهمون في السياسة قبل التصويت عليهم. هذا كلام مجرد ونظري. أما الواقع الفعلي فهو مغاير لذلك.
تضع الأحزاب المرشحين المهمين على رأس اللائحة، ونجاح الحزب في الانتخابات يمرُّ وجوبًا عبر نجاح مرشحي الصف الأول في كل الأحزاب، إذا ما حصلت على نسبة الأصوات التي يضبطها القاسم الانتخابي، بالنظر إلى مجموع المسجلين في اللوائح الانتخابية. ويزكي الناخبون من حظي مسبقًا بالتزكية. يوجد أشخاص مرشحون يعتقدون أن وجودهم هو الذي يدفع المواطنين للتصويت عليهم؛ بينما تعتبر الديمقراطيات في العالم أن المرشحين لا يحظون بأهمية إلا لأن الناخبين يصوتون عليهم. وهذا نتاج الفكر الحديث. كان الفكر القديم يدعي القول: أنا أحب شخصا لأنه جميل؛ أي أن جماله الموضوعي هو الذي يحملني على إبداء مشاعر الحب. لكن الفكر الحديث يقول عكس ذلك: الشخص جميل لأنني أحبه؛ فالمشاعر هي التي تخلق موضوع الحب؛ كما أن التصويت هو الذي يخلق النخبة السياسية وليس العكس.
يبدو أن الأمر ليس كذلك في الفكر السياسي المغربي:
ولذلك توجد إذن تزكية قبل التزكية.
هذا ما انعكس بطريقة بذيئة أحيانا في ملصقات بعض المرشحين، كما يلي:
نجد في بعض اللوائح تقديم وكيل اللائحة بصورة كبيرة وبارزة بالمقارنة مع باقي المرشحين الذين قد يظهرون بصورة باهتة تخفي ملامحهم. من الزاوية الحقوقية، من الصعب على المواطنة والمواطن أن يتقبل التمييز على هذا النحو بين المرشحين من زاوية الصورة البصرية. فقد يسأل المواطن البسيط على أي أساس يوجد التمييز البصري بين صور المرشحين. هذه عيوب التزكية قبل التزكية مثل عيوب الاجتماع قبل الاجتماع: حتى نتفادى مفاجآت الاجتماعات الرسمية، يعقد اجتماع تحضيري ويصبح الاجتماع قبل الاجتماع قد ضمن نتائج أي اجتماع.
إذا ما نظرنا إلى الانتخابات على نحو مماثل، قد يكون الاكتفاء بتزكية المواطنين دون تزكية قبل التزكية طيشا وسلوكًا غير محمود العواقب، ما دام أن عددا كبيرا من المرشحين من الرحل وقد لا تجمعهم صلة إيديولوجية بالحزب ولا هم من الكفاءات التي تعول الأحزاب عليها. ولذلك كانت فترة منح التزكية من أصعب الفترات، وكان من الصعب عليها تدبيرها بصورة جيدة، لاختلاط المال بالسياسة وقوة اللوبيات المتحكمة فيها.
توجد عوامل حملت الأحزاب على الإجماع على التزكية قبل التزكية، لكنّ هذا الحلَّ مجرد حلًٍّ من بين الحلول وقد يصبح من واجبها أن تتقبل النقد خلال الحملة الانتخابية، وأن تصبح الحملة مناسبة للحوار والاستماع إلى الرأي وعدم تقزيمه في الصوت.
يجب على الأحزاب أن تشرح للمواطنين كيف أن التزكية قبل التزكية لم تكن تطاولا على حق المواطن في اختيار المرشح المناسب والحزب المناسب. قد تكون الحملة الانتخابية فرصة بناءة لتصحيح المسار بفضل جهود الصحافة المستقلة. وأتحدث بوجه عام عن الصحافة المستقلة، حتى ولو كانت صحافة حزبية، بما أن الصحفي في ذهني يحترم الخط السياسي للحزب الذي ينتمي إليه؛ لكن الصحفي مثل الأستاذ والعالم يحتكم إلى الوقائع المادية وإلى ضميره، وليس بوقا لزعيم الحزب.
أجمعت الأحزاب على التزكية قبل التزكية لأسباب سياسية، ويصبح من واجبها أن تشرح للمواطنين أهمية الاختيار في ضوء برامجها الانتخابية؛ ويصبح من واجب الصحافة أن تستثمر ضميرها المهني من أجل تغليب مصالح المواطنين على مصالح الأحزاب وأن تؤكد أن صلاحية قيمة الصوت تنتهي عشية يوم الاقتراع بينما تستمر صلاحية الرأي إلى الأبد. قد تكون الحملة فرصة إحداث توازن بين الصوت والرأي وبين الوعود والواقع وبين التضامن الحزبي وحرية الضمير والتعبير في الصحافة.
عزالعرب لحكيم بناني




التعليقات