تعقيدات تفاعل الخوارزميات مع اهتمامات الإنسان المعاصر

سعيد حاجي
كتبت على صفحتها: ” لقد استيقظت من النوم”، وأرفقتها بصورة ما تزال فيها ببيجامة نومها. حصل منشورها على خمسة آلاف “جيم” وستمائة تعليق، وربما مئات الرسائل التي لم تظهر للعلن ..
وتحت هذا المنشور مباشرة ألقت خوارزميات فيسبوك منشورا آخر علميا، قصيرا، لكنه يتحدث عن مدمرات العقل البشري في العصر الحديث. بالكاد حصل المنشور على مائة تفاعل. أخمن أن صاحبه لم يكتب تلك العصارة إلا بعد جهد جهيد، وربما بعد قراءة كتب كثيرة وتجارب شخصية طويلة، ثم جلس يفكر في ما يمكن أن يقدمه للناس من شيء نافع، فاختصر ما قرأه وما عاشه وما فهمه في بضعة أسطر. مر الناس على المنشور بسرعة، دون أن يلتفت إليه أحد، في الوقت الذي كان فيه شيء يمكن أن يضيف إلى عقولهم وحياتهم ومستقبلهم. أما منشور الفتاة، بألوان البيجامة الزاهية، فكانت تكفيه عبارة صغيرة: “استيقظت من النوم»، لكي يستدعي آلاف الأشخاص.
المسألة هنا تستحق التوقف عندها طويلا، لأن الأمر لا يتعلق بفتاة نشرت صورة، ولا بكاتب لم يحالفه الحظ في الوصول إلى الجمهور. هناك سؤال أعمق يختبئ خلف ذلك العدد الهائل من التفاعلات: ماذا يحدث داخل الإنسان في اللحظة التي تقع فيها عيناه على المنشور؟ لماذا يتوقف هنا ويمر من هناك؟ لماذا يشعر أن صورة لا تحمل فكرة تستحق ثانية إضافية من النظر، بينما يمر على نص قد يحمل فكرة قادرة على تغيير شيء في حياته دون أن يمنحه فرصة حتى لقراءة السطر الثاني؟
الأغرب أن الإنسان يعرف الفرق. لو وضعت المنشورين أمام الشخص نفسه وسألته أيهما أكثر فائدة، فلن يحتاج إلى كثير من التفكير. سيعرف أن قراءة نص عن مدمرات العقل أهم من معرفة أن فتاة استيقظت من نومها. سيعرف أن الأول يمكن أن يضيف شيئا إلى فهمه، وربما يجعله ينتبه إلى عادة تضر به، بينما الثاني لا يخبره بشيء يحتاج إلى معرفته. ومع ذلك، حين يصبح الأمر متعلقا بالانتباه، تتغير القاعدة. المعرفة تقول شيئا، والرغبة اللحظية في التصفح تقول شيئا آخر.
ربما تكمن الحكاية كلها في هذه المسافة الصغيرة بين المعرفة والسلوك. الإنسان لا يفعل دائما ما يعرف أنه جيد له. يعرف أن الرياضة نافعة ثم يفضل الجلوس. يعرف أن الكتاب يوسع عقله ثم يمضي ساعات أمام الهاتف. يعرف أن بعض الأحاديث لا تضيف إلى حياته شيئا ثم يعود إليها كل يوم. يعرف أن وقته ثمين، ومع ذلك ينفقه في أشياء لو سئل عنها بعد ساعة فلن يتذكر معظمها. كأن العقل يعرف الطريق، لكن العادة تمسك بيده وتسير به في الاتجاه الآخر.
وهناك شيء في الصورة يجعل الأمر أسهل بكثير. الصورة لا تطلب من العقل أن يعمل. تدخل العين دفعة واحدة، وتترك انطباعا فوريا، ويمكن المرور بعدها إلى شيء آخر. أما النص فيحتاج إلى إقامة قصيرة داخل العقل. يحتاج إلى انتباه، والانتباه يحتاج إلى جهد، والجهد صار في هذا العصر شيئا يحاول الإنسان تجنبه كلما استطاع. لهذا قد تكون جملة تافهة أكثر قابلية للانتشار من فكرة عميقة، لأن الأولى لا تطلب شيئا من القارئ.
ثم يأتي الجسد ليزيد المسألة وضوحا. هناك أشخاص يتوقفون أمام المرأة أكثر مما يتوقفون أمام الفكرة، وأمام الصورة أكثر مما يتوقفون أمام المعنى. لا يحتاج الأمر إلى اتهام الجميع بالكبت، ولا إلى تفسير كل تفاعل بالرغبة. الإنسان بطبيعته يميل إلى الأشياء الحسية، والعين تلتقط الجسد قبل أن تلتقط الفكرة، والمشهد أسرع من الكلام. وفي عالم أصبحت فيه الشاشة هي الواجهة الأساسية للحياة، صار ما يلفت العين يملك فرصة أكبر في احتلال الانتباه.
لكن السؤال الذي يهمني أكثر هو: لماذا يحدث ذلك حتى عند شخص يعرف أن ما أمامه تافه؟
هنا ربما يدخل الملل والفراغ. الإنسان الذي يفتح فيسبوك لا يكون دائما باحثا عن المعرفة. قد يكون هاربا من لحظة صمت، من ضيق، من وحدة، من عمل مؤجل، من فكرة لا يريد مواجهتها. الهاتف في هذه الحالة لا يقدم له شيئا محددا، وإنما يملأ الفراغ. ولهذا تصبح حياة الآخرين مادة مناسبة جدا لهذا الهروب. شخص استيقظ من النوم، شخص ذهب إلى المقهى، شخص صور فطوره، شخص اشترى قميصا، شخص نشر صورة من السيارة. تفاصيل صغيرة جدا، لكنها تمنح العقل شيئا ينظر إليه، وتحميه مؤقتا من مواجهة الفراغ الذي جاء الهاتف أصلا لإخفائه.
وربما لهذا تبدو بعض منشورات الناس شديدة التفاهة ومع ذلك شديدة الجاذبية. الإنسان لا يبحث فيها عن معلومة، وإنما عن حركة. يريد أن يحدث شيء أمامه. يريد أن يرى وجها جديدا، أو صورة جديدة، أو حياة شخص آخر، أو تفصيلا صغيرا من يوم لا علاقة له به. التصفح نفسه يصبح غاية، وليس وسيلة. وعندما يصبح التصفح غاية، تصبح قيمة المنشور مسألة ثانوية.
وهنا تدخل الخوارزمية لتفهم الإنسان أكثر مما يفهم نفسه أحيانا. تلاحظ أن صورة معينة جعلت المستخدم يتوقف، فتقدم له صورا مشابهة. تلاحظ أن منشورا أثار فضوله، فتزيد من هذا النوع. تلاحظ أين يطيل النظر وأين يمر بسرعة. وبمرور الوقت تتشكل أمامه صفحة لا تعكس ما هو مهم في حياته، وإنما ما ثبت أن انتباهه يستجيب له.
وهذه نقطة مخيفة جدا، لأن الخوارزمية لا تقول للإنسان: هذا مفيد لك. ولا تقول: هذا سيجعلك أكثر علما أو أكثر وعيا. هي تسأل سؤالا أبسط بكثير: هل ستتوقف عنده؟
إذا كانت الإجابة نعم، فقد فاز المنشور.
ولهذا قد ينجح محتوى فارغ في الوصول إلى ملايين الناس، بينما يبقى محتوى ثمين في زاوية صغيرة من الصفحة. صاحب النص القيم يحاول أن يقنع العقل، أما صاحب المحتوى السهل فقد يكفيه أن يستولي على العين للحظة. والعين أسرع كثيرا من العقل.
هناك أيضا جانب نفسي أكثر عمقا. النصوص الجيدة قد تجعل الإنسان يرى نفسه. قد تقول له إن تركيزه يتدهور، وإن هاتفه يسرق وقته، وإن عاداته اليومية تضعف ذاكرته، وإن حياته أصبحت مجموعة من المشتتات. هذا النوع من المعرفة لا يكون مريحا دائما. بعض الأفكار النافعة تحمل معها مسؤولية. إذا اقتنع الإنسان بها، صار مطالبا بأن يفعل شيئا. أما صورة عابرة فلا تطلب منه شيئا. يمكن الإعجاب بها ثم الرحيل. يمكن التعليق عليها ثم العودة إلى التصفح. لا توجد مسؤولية وراءها.
وهذا ربما يفسر لماذا قد يهرب الإنسان من بعض الأشياء لأنه يعرف أنها مفيدة له. المعرفة أحيانا ثقيلة. حين يعرف الإنسان أن شيئا ما سيغير سلوكه، يصبح أكثر ترددا في الاقتراب منه. أما الشيء الذي لن يغير فيه شيئا فيمكن استهلاكه براحة كاملة.
ثمة مفارقة أخرى تستحق التأمل: الإنسان المعاصر يقول كثيرا إنه يبحث عن المحتوى المفيد، ثم تكشف له عاداته اليومية شيئا آخر. قد يحفظ عشرات الصفحات المفيدة، ويتابع حسابات تعليمية، ويتحدث عن أهمية القراءة والثقافة، ثم يقضي وقتا أطول بكثير في متابعة أشياء لا يتذكرها في نهاية اليوم. الصورة هنا ليست عن شخص منافق بالضرورة، وإنما عن إنسان يعيش صراعا بين ما يريده لعقله وما تريده منه عاداته.
ولذلك لا أظن أن الحل يكمن في السخرية من الفتاة التي نشرت صورتها، ولا في شتم الذين تفاعلوا معها. القضية الحقيقية تقع في مكان آخر: في قيمة الانتباه نفسه، وفي الطريقة التي صار بها الانتباه منفصلا عن القيمة.
قد يكون المنشور الذي حصل على خمسة آلاف “جيم” قد اختفى من الذاكرة بعد يوم واحد، بينما يظل المنشور الذي حصل على مائة تفاعل في ذهن شخص واحد سنوات طويلة. قد يقرأ شخص فقرة من ذلك النص العلمي اليوم، ثم ينتبه بعد شهر إلى عادة في حياته، فيغيرها، ثم تتغير بسببها أشياء أخرى. ذلك الأثر لن يظهر في عداد التفاعلات، ولن تعرف الخوارزمية أنه حدث.
هناك أشياء كثيرة في الحياة لا تملك أرقاما. الصديق الذي أنقذ شخصا من اليأس لا يملك عداد إعجاب، والكتاب الذي غير مصير قارئه لا يظهر في قائمة الأكثر تفاعلا، والجملة التي جعلت إنسانا يعيد التفكير في حياته قد تمر أمام آلاف العيون دون تعليق واحد. لذلك قد تكون أكثر الأشياء أهمية هي الأقل ظهورا في شاشة الأرقام.
المشكلة أن الإنسان بدأ تدريجيا يخلط بين الشيء الذي يستحق الانتباه والشيء الذي يستطيع استدعاء الانتباه. وهما شيئان مختلفان تماما. الأول يحتاج إلى قيمة، والثاني قد يحتاج إلى صورة أو غرابة أو إثارة أو مجرد توقيت مناسب. وحين تختلط القاعدتان، يصبح عدد المتفاعلين مقياسا وهميا للأهمية.
وربما لهذا تستحق تلك اللحظة الصغيرة كل هذا التأمل: لحظة يمر فيها الإصبع فوق نص يحمل تجربة ومعرفة وفكرة، ثم يتوقف عند صورة لا تخبر عن شيء مهم. في تلك الحركة القصيرة لا يظهر مستوى ذكاء الإنسان، وإنما تظهر عاداته، وفراغه، وطريقة بحثه عن المتعة، وقدرته على مقاومة ما هو سهل، وقدرته على منح عقله شيئا يحتاج إلى الصبر.
المخيف في الأمر أن الإنسان قد يفقد بالتدريج القدرة على التمييز بين ما يستحق أن يراه وما يريد فقط أن يراه. وعندما تصل الحياة إلى هذه المرحلة، لا تعود المشكلة في كثرة المحتوى التافه وحدها، فقد كان التافه موجودا دائما. المشكلة أن العين تصبح معتادة عليه، وأن العقل يبدأ في طلبه، وأن الأشياء التي تحتاج إلى تأمل تبدو ثقيلة، وأن الصمت يصبح مملا، وأن الكتاب يصبح بطيئا، وأن الفكرة تصبح أقل قدرة على منافسة صورة عابرة.
عندها لا يكون السؤال: لماذا حصلت تلك الفتاة على آلاف التفاعلات؟
السؤال الأكثر إزعاجا هو: ماذا حدث للإنسان حتى صار يعرف قيمة الشيء، ثم يختار في اللحظة نفسها ما هو أقل قيمة؟
المصدر: صفحة الكاتب على فيسبوك




التعليقات