تصريحات “خاتمي” تكشف صراعا إيرانيا حول شروط إنهاء الحرب

سعيد الزياني ـ دين بريس
توضح تصريحات الرئيس الإيراني الأسبق محمد خاتمي، التي أدلى بها خلال لقائه الأخير مع مستشاريه في طهران، عن تصاعد النقاش داخل إيران بشأن مستقبل الحرب، وحدود الاعتماد على القوة العسكرية، والوقت المناسب للانتقال نحو تسوية سياسية تضمن مصالح الدولة وتخفف الضغوط عن المجتمع.
جاءت دعوة خاتمي إلى تحقيق “سلام مشرف” ودعم فريق التفاوض لتقدم رؤية إصلاحية تعتبر أن إزالة خطر الحرب أصبحت أولوية وطنية، وأن مواصلة التصعيد من دون أفق سياسي قد تستنزف قدرات إيران وتعمق أزماتها الاقتصادية والاجتماعية.
ويحمل تأكيده أن “السلام ليس خيانة” دلالة سياسية مهمة، لأنه يكشف أن دعاة التفاوض يواجهون اتهامات بالتراجع والتفريط، ويضطرون إلى الدفاع عن شرعية التسوية داخل الخطاب الديني والثوري نفسه.
حرص خاتمي على ربط السلام بنهج الإمام “الحسين” يعكس محاولة واضحة لنزع الاحتكار الديني والأخلاقي من الخطاب المتشدد، الذي يقدم الصمود والمواجهة باعتبارهما الخيار الوحيد المنسجم مع مبادئ الثورة.
ويؤكد الرئيس الأسبق، من خلال هذا الربط، أن حماية البلاد وحقن الدماء وتجنب الدمار يمكن أن تكون امتدادا للمصلحة الوطنية والقيم الدينية، وليست تنازلا أمام الخصوم.
وتشير دعوته إلى مساندة الرئيس الإيراني وفريق التفاوض والوفاء بالالتزامات المرتبطة بالاتفاق إلى وجود مخاوف من أن تعمل قوى نافذة داخل الدولة على إضعاف المسار الدبلوماسي أو فرض شروط تعرقل تنفيذه.
إضافة إلى أن طلبه من المثقفين ووسائل الإعلام ومؤسسات المجتمع المدني دعم الاتفاق يبين أن الخلاف تجاوز الغرف المغلقة، وأصبح معركة على الرأي العام وعلى تفسير نتائج الحرب ومفهوم الانتصار.
من جهة اخرى، يعكس الهجوم الذي شنته وكالة “تسنيم” المقربة من الحرس الثوري على نصريحات “خاتمي” وجود اتجاه يرى أن التفاوض في ظل استمرار الضغط الأميركي قد يمنح واشنطن مكاسب لم تحققها عسكريا.
ويخشى هذا التيار أن يؤدي تجاوز خطاب الرد والانتقام إلى إضعاف الردع الإيراني، وإظهار الدولة وكأنها تقبل التسوية تحت النار.
ربما لا يتعلق الخلاف، في جوهره، بالاختيار المباشر بين الحرب والسلام فقط، وإنما يدور حول شروط التسوية وتوقيتها، وحجم الضمانات المطلوبة، وموقع المؤسسة العسكرية في صناعة القرار.
فالإصلاحيون يركزون على وقف الاستنزاف وحماية المجتمع، بينما يعطي المتشددون الأولوية لاستعادة الردع ومنع الخصوم من تفسير التفاوض باعتباره علامة ضعف.
وتكشف هذه المواجهة عن ثلاثة اتجاهات داخل إيران، اتجاه إصلاحي يدفع نحو إنهاء الحرب، واتجاه حكومي يحاول الجمع بين التفاوض والضغط العسكري، واتجاه أمني متشدد يشترط تحقيق مكاسب وضمانات قبل تثبيت أي تسوية.
ولا يعني ذلك أن الدولة الإيرانية دخلت مرحلة انقسام شامل، لكنه يؤكد وجود صراع متزايد حول الجهة التي تحدد شروط إنهاء الحرب، وحول الثمن المقبول لتحقيق السلام.
وقد تتراجع هذه الخلافات إذا أدى الاتفاق إلى وقف الهجمات وتخفيف الضغوط الاقتصادية، فيما ستتصاعد إذا تعثرت المفاوضات أو ظهر أن الطرف الأميركي لا يلتزم بتعهداته، وعندها قد تتحول تصريحات “خاتمي” من موقف إصلاحي إلى عنوان لمواجهة سياسية أوسع داخل النظام الإيراني..




التعليقات