تحالف اليسار… أليس العدل والأمانة والكرامة واحترام الاختلاف والعمل الصالح من صميم الدين؟

13 سبتمبر 2026

كريمة العزيز

قبل عشرة أيام من موعد الاقتراع، ونحن أمام لحظة انتخابية جديدة، أعتقد أن علينا أن نتوقف قليلاً عن صخب الحملات الانتخابية، وعن كثرة الشعارات وصور المرشحين والوعود، وأن نطرح على أنفسنا سؤالاً أكثر عمقاً: بأي معيار نختار من سيمثلنا؟ وبأي ميزان نحكم على مشروع سياسي؟ كتبت قبل الانتخابات عن معنى الحزب، وعن قناعتي بأن إصلاح السياسة لا يبدأ من البرلمان وحده، وإنما يبدأ من المدرسة، لأن المدرسة هي التي تصنع المواطن الذي يفكر ويناقش ويختلف ويختار ويحاسب.
واليوم، وأنا أقترب من لحظة الاختيار، أجد أن السياسة في جوهرها تعود بنا إلى قيم إنسانية وأخلاقية كبرى: الأمانة والعدل والكرامة واحترام الاختلاف والعمل الصالح. يقول الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَىٰ أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾. الأمانة ثم المسؤولية ثم العدل؛ وكأن الآية تضع أمامنا ميزاناً واضحاً لكل من يطلب ثقة الناس. فالمنصب ليس امتيازاً، والمقعد البرلماني ليس غنيمة، وصوت المواطن ليس سلعة، ومن يطلب تمثيل الناس إنما يطلب أن يحمل أمانة أصواتهم ومصالحهم وحقوقهم ومستقبلهم. والأمانة لا تعني فقط الحفاظ على المال، بل تعني الصدق مع المواطنين، وعدم تضليلهم، وعدم شراء أصواتهم، وعدم استغلال حاجتهم، وعدم تقديم المصلحة الشخصية أو الحزبية على المصلحة العامة. يقول تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾. ومن هنا، فإن محاربة الفساد والريع، وحماية المال العام، وربط المسؤولية بالمحاسبة، وتحقيق العدالة والمساواة، والدفاع عن كرامة الإنسان، ليست مجرد عبارات سياسية؛ إنها قيم أخلاقية نجد لها أصلاً واضحاً في القرآن: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ﴾، و﴿وَلَا تَبْغُوا الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ﴾، و﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾.
وهنا أريد أن أتوقف عند مسألة أراها مهمة، خصوصاً عندما نتحدث عن تحالف اليسار. هناك من لا يزال ينظر إلى اليسار من خلال صورة نمطية قديمة، مرتبطة بالشيوعية والماركسية، وهناك من يعتقد، بمجرد سماع كلمة «يسار»، أن كل من ينتمي إليه بعيد عن الدين أو لا يؤمن بالله. لكن هل من العدل أن نحكم على الناس والتيارات من خلال صورة جاهزة، دون أن نقرأ أفكارهم ومواقفهم وممارساتهم؟ أنا أعرف أشخاصاً داخل هذا التيار يؤمنون بالله وبرسله، ويحترمون الدين، ويؤمنون بأن الإيمان لا يكون بالإكراه، انطلاقاً من قوله تعالى: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾، ويؤمنون بحق الإنسان في حرية المعتقد وبضرورة قبول الاختلاف والتعددية، لأن الاختلاف بين البشر حقيقة من حقائق الحياة، يقول تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾.
احترام الاختلاف لا يعني رفض الدين، كما أن حرية المعتقد لا تعني محاربة الإيمان؛ بل إن الإيمان الحقيقي لا يحتاج إلى الإكراه حتى يكون إيماناً. ثم إن الدين ليس بروباغندا انتخابية، ولا يحتاج إلى أن يتحول إلى شعار يُرفع لاستمالة الناخبين؛ الدين أخلاق وسلوك وأمانة وعدل ورحمة وعمل صالح. فالقرآن لا يقيس الناس بكثرة ما يقولون، وإنما بما يفعلون، ويقول سبحانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ﴾. وحين أنظر إلى المبادئ التي يطرحها تحالف اليسار من عدالة اجتماعية، ومحاربة الفساد والريع، وحماية المال العام، وربط المسؤولية بالمحاسبة، والدفاع عن المساواة والكرامة، وتحسين مستوى عيش المواطنين، وتوفير فرص الشغل للشباب، وحماية النساء والدفاع عن المطالب العادلة، فإنني أرى أن من حق المواطن أن يتوقف عند هذه المبادئ وأن يسأل نفسه: هل نقيس السياسة بمن يرفع شعار الدين أكثر، أم بمن يجعل العدل والأمانة وخدمة الإنسان جزءاً من ممارسته السياسية؟ فالله تعالى يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ﴾، ويقول سبحانه: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾. وإذا كان الله قد كرّم الإنسان، فكيف لا تكون كرامة الإنسان في صلب أي مشروع يريد إصلاح المجتمع؟ الكرامة ليست ترفاً سياسياً، بل أن يعيش الإنسان محترماً، وأن يحصل على تعليم جيد، وصحة تحفظ كرامته، وشغل كريم، وسكن لائق، وحماية اجتماعية، وأن يشعر بأن صوته له قيمة، وأن حقوقه لا تضيع بسبب فقره أو مكان ولادته أو وضعه الاجتماعي.
العدل لا ينبغي أن يكون حكراً على مدينة دون أخرى، ولا على الغني دون الفقير؛ فالعدل أن يشعر المواطن في المدينة والبادية معاً بأن له مكاناً في وطنه، وأن التنمية والفرص والخدمات حق مشترك وليست امتيازاً لفئة دون أخرى. والشباب الذين يفكرون في الهجرة لا يحتاجون فقط إلى أن نقول لهم «ابقوا في وطنكم»، بل يحتاجون إلى وطن يمنحهم أسباب البقاء والأمل والعمل والكرامة. والمرأة لا تحتاج إلى خطابات موسمية، بل إلى حماية حقوقها وكرامتها وإتاحة الفرص أمامها. والمواطن لا يحتاج إلى من يتذكره كل خمس سنوات، بل إلى من يعتبر صوته أمانة ومسؤوليته تجاهه مستمرة بعد الانتخابات كما كانت قبلها.
لذلك لا أرى أن الدين يحتاج إلى أن يتحول إلى أداة للدعاية السياسية؛ فمن يطلب ثقة الناس باسم الدين مطالب بأن يترجم قيم الدين إلى عدل وأمانة وصدق ورحمة، ومن لا يرفع الشعارات الدينية لا يعني بالضرورة أنه ضد الدين أو بعيد عن قيمه. فالقيم تُقاس بالممارسة، لا بكثرة الشعارات. وهذا لا يعني أن أي حزب أو تحالف معصوم من الخطأ، ولا أن مجرد رفع مبادئ جميلة يكفي للحكم على أصحابه؛ فالامتحان الحقيقي دائماً هو القدرة على تحويل المبادئ إلى ممارسة، والوعود إلى سياسات، والشعارات إلى نتائج. لكن ما أرفضه هو أن نحاكم الأحزاب والتيارات من خلال صور نمطية جاهزة، وأن نربط كلمة «اليسار» تلقائياً بالكفر أو الإلحاد أو رفض الدين. علينا أن نقرأ الواقع المغربي كما هو، وأن نحاكم كل مشروع بما يقدمه للمواطن وبما يدافع عنه وبما يستطيع أن يحققه. وهنا تعود بنا المسألة إلى المدرسة التي تحدثت عنها في مقالي السابق؛ فالسياسة التي نريدها غداً تبدأ من الإنسان الذي نربيه اليوم. نريد مدرسة تعلم الطفل أن يسأل ويناقش ويفكر، لا أن يحفظ فقط؛ أن يحترم الاختلاف، لا أن يخاف منه؛ أن يعرف حقوقه وواجباته؛ وأن يفهم أن الوطن ليس ملكاً لحزب أو لشخص أو لجماعة، وإنما مسؤولية مشتركة.
ولذلك، عندما يصل المواطن إلى صندوق الاقتراع، يجب ألا يسأل فقط: من أحب؟ ومن أعرف؟ ومن يشبهني؟ بل عليه أن يسأل: من أراه أكثر كفاءة وأمانة؟ من يستطيع أن يحمل صوتي؟ من يدافع عن المصلحة العامة؟ من يقبل بالمحاسبة؟ من يحترم المال العام؟ ومن يجعل كرامة المواطن فوق مصلحة الحزب؟ يقول الله تعالى: ﴿إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ﴾؛ قوة في الكفاءة والقدرة على تحمل المسؤولية، وأمانة في الضمير والسلوك. وفي النهاية، الانتخابات ليست مجرد منافسة على المقاعد، وإنما امتحان لوعي المواطن أيضاً. فمن حق كل واحد منا أن يختار، لكن من واجبه أن يعرف لماذا اختار، وأن يميز بين الشعارات والمواقف، وبين الصورة النمطية والحقيقة، وبين من يستعمل الدين للوصول إلى السياسة ومن يجعل القيم التي يؤمن بها حاضرة في سلوكه السياسي. فليكن ميزاننا العدل لا الظلم، والأمانة لا الخيانة، والعمل لا الشعارات، والكفاءة لا الولاءات، والكرامة لا الإقصاء، واحترام الاختلاف لا التخوين، والمصلحة العامة لا الريع والمصلحة الشخصية. وإذا كنا نؤمن بأن الطريق المستقيم هو طريق الحق والعدل والعمل الصالح، فعلينا أن نبحث عن هذه القيم حيث نجدها، لا أن نحصرها في لون سياسي أو شعار ديني. فالمغرب أكبر من كل الأحزاب، والدين أكبر من أن يتحول إلى شعار انتخابي، والمواطن أكبر من أن يكون مجرد رقم في صندوق الاقتراع. الوطن أمانة، وصوت المواطن أمانة، والمسؤولية أمانة، وكرامة الإنسان حق، والعدل طريق، والعمل الصالح مسؤولية.

التعليقات
لا يوجد تعليقات بعد.

تحديات الحكومة المقبلة..

تتقدم مطالب المغاربة إلى الحكومة المقبلة واضحة ومباشرة، فرص عمل تحفظ كرامة الشباب، وأسعار لا تلتهم أجور الأسر، ومدرسة تؤدي دورها، ومستشفى يجد فيه المواطن العلاج حين يحتاج إليه. هذه ليست عناوين في برنامج انتخابي، إنها تفاصيل الحياة التي سيقيس الناس بها أداء الحكومة منذ أيامها الأولى. ويأتي غلاء المعيشة في مقدمة ما ينتظره الناس […]

استطلاع رأي

هل أعجبك التصميم الجديد للموقع ؟

عرض النتائج

Loading ...