بين العنوان والمضمون… أي مستقبل لمديرية الرأسمال البشري بالمجموعات الصحية الترابية؟

بقلم: بوشعيب شكير ـ فاعل نقابي
يشكل اعتماد تسمية “مديرية الرأسمال البشري” ضمن الهيكل التنظيمي للمجموعات الصحية الترابية تحولًا نوعيًا في فلسفة تدبير العنصر البشري، يتجاوز مجرد تغيير في المصطلحات إلى تبني رؤية تعتبر الإنسان أهم رأسمال استراتيجي للمؤسسة الصحية. غير أن قيمة هذا الاختيار لن تُقاس بجمالية التسمية، وإنما بمدى انعكاسها على الاختصاصات والمهام الموكولة لهذه المديرية.
لقد ارتبط مفهوم الموارد البشرية لعقود بوظائف إدارية تقليدية، كالتوظيف، وتدبير الوضعيات الإدارية، والأجور، والمسارات المهنية، والشؤون القانونية والاجتماعية.
أما مفهوم الرأسمال البشري فيقوم على فلسفة مختلفة، تجعل من الكفاءات، والمعرفة، والابتكار، والقيادة، وجودة الحياة في العمل، والاستثمار في الإنسان، أساسًا لنجاح المؤسسة وتحقيق أدائها.
ويكتسي هذا التحول أهمية خاصة في ظل ورش إصلاح المنظومة الصحية، وإحداث المجموعات الصحية الترابية، وتعميم التأمين الإجباري عن المرض، إذ لم يعد نجاح الإصلاح رهينًا بإعادة تنظيم المؤسسات فقط، بل بقدرتها على استقطاب الكفاءات، والمحافظة عليها، وتطويرها، وتحفيزها، وجعلها شريكًا في تحقيق جودة الخدمات الصحية.
وفي هذا السياق، تكتسي التجربة الأولى للمجموعات الصحية الترابية أهمية كبيرة باعتبارها تجربة تأسيسية ينبغي الاستفادة منها. غير أن قراءة الاختصاصات المسندة إلى مديرية الرأسمال البشري فيها تكشف أن معظمها لا يزال ينتمي إلى منطق تدبير الموارد البشرية التقليدي، من خلال التركيز على الجوانب الإدارية والقانونية والاجتماعية، دون أن يترجم، بالقدر الكافي، الفلسفة التي يحملها مفهوم الرأسمال البشري.
ولا ينبغي أن يُفهم هذا التقييم باعتباره انتقادًا للتجربة الأولى، بل دعوة إلى البناء عليها وتطويرها.
فالمجموعة الصحية الترابية لجهة الرباط سلا القنيطرة، وهي في مرحلة التأسيس، تمتلك فرصة حقيقية لتجاوز هذا التناقض المحتمل بين العنوان والمضمون، وذلك عبر توسيع اختصاصات مديرية الرأسمال البشري لتصبح مديرية استراتيجية تقود التحول المؤسساتي، لا مجرد جهاز لتدبير الملفات الإدارية.
إن التجارب الدولية، وخاصة في الأنظمة الصحية المتقدمة، تبين أن مديرية الرأسمال البشري تضطلع بأدوار تتجاوز التدبير الإداري، لتشمل التخطيط الاستراتيجي للوظائف والكفاءات، واستشراف الاحتياجات المستقبلية، واستقطاب الكفاءات والاحتفاظ بها، والحد من هجرة الأطر الصحية، وإدارة المعرفة، وإعداد القيادات، وتطوير التكوين المستمر، وتحسين جودة الحياة في العمل، والوقاية من الاحتراق المهني، واعتماد منظومات حديثة لتقييم الأداء والتحفيز، إضافة إلى رقمنة تدبير الرأسمال البشري وتوفير مؤشرات دقيقة تساعد على اتخاذ القرار.
إن هذه الاختصاصات لم تعد ترفًا تنظيميًا، بل أصبحت شرطًا لنجاح أي إصلاح صحي. فالمؤسسة التي لا تستثمر في رأسمالها البشري لن تستطيع المحافظة على كفاءاتها، ولن تحقق الجودة المنشودة مهما بلغت إمكانياتها المادية.
ومن موقعي كفاعل نقابي بالمجموعة الصحية الترابية لجهة الرباط سلا القنيطرة، فإن هذه القراءة لا تنطلق من منطق الاعتراض، وإنما من منطق المساهمة في تجويد هذا الورش الوطني.
فالحركة النقابية مطالبة اليوم، إلى جانب دفاعها عن الحقوق والمكتسبات، بأن تكون قوة اقتراحية تساهم في بناء نموذج جديد للحكامة الصحية، يقوم على تثمين الإنسان باعتباره الثروة الحقيقية للمؤسسة.
لذلك، فإنني أتطلع إلى أن تستثمر الإدارة العامة للمجموعة الصحية الترابية لجهة الرباط سلا القنيطرة مرحلة التأسيس لمراجعة وتوسيع اختصاصات مديرية الرأسمال البشري، حتى تنسجم مع التسمية التي اختارتها، ومع روح الإصلاح الذي يقوده المغرب.
فالمطلوب ليس تغيير اللافتة، بل تغيير الفلسفة؛ وليس إحداث مديرية جديدة بالاسم، بل بناء قيادة استراتيجية للرأسمال البشري تجعل من الكفاءة، والابتكار، والتحفيز، والحوار الاجتماعي، وجودة الحياة في العمل، ركائز للحكامة.
إن نجاح المجموعات الصحية الترابية لن يقاس بعدد المديريات التي أُحدثت، وإنما بقدرتها على إحداث تحول حقيقي في طريقة تدبير الإنسان.
وعندما ينسجم العنوان مع المضمون، وتتحول مديرية الرأسمال البشري إلى رافعة لتطوير الكفاءات واستثمارها، سيكون المغرب قد خطا خطوة حقيقية نحو بناء منظومة صحية حديثة، يكون الإنسان فيها ليس مجرد مورد يُدبَّر، بل رأسمالًا يُستثمر فيه، لأنه الثروة الأولى، والضامن الحقيقي لنجاح الإصلاح.




التعليقات