انتصار القيم الرياضية..

دين بريس
ربحت إسبانيا كأس العالم، وربحت معها صورة كرة القدم كما ينبغي أن تكون، لعبة تقوم على المهارة والذكاء والانضباط واحترام المنافس، فقد كان نهائي مونديال 2026 اختبارا حقيقيا لقدرة اللاعبين على حماية روح الرياضة عندما يرتفع الضغط وتصبح الأعصاب جزء من المعركة.
حاول المنتخب الأرجنتيني أن يفرض على المباراة إيقاعا متوترا، كثرت التدخلات والاحتجاجات والاحتكاكات، وظهر منذ الدقائق الأولى أن تعطيل اللعب وإرباك الإسبان جزء من الخطة، وكان المطلوب جر المباراة إلى مساحة تضيق فيها فرص الإبداع وتتقدم فيها القوة البدنية على الكرة، إلا أن إسبانيا لم تدخل هذه المساحة، وظلت تلعب بالطريقة التي تعرفها.
انتصرت إسبانيا لأنها كانت الأكثر تحكما في الكرة وفي أعصابها، وهذا الجمع بين المهارة والسلوك هو الذي أعطى تتويجها قيمة خاصة، فقد استطاعت أن تحافظ على احترامها للمنافس وأن تلعب بهدوء وأن تواجه الاندفاع الأرجنتيني بإصرار أكبر على إبقاء المباراة داخل حدودها الرياضية.
لقد دفعت كرة القدم في السنوات الأخيرة ثمنا باهظا لثقافة النتيجة بأي وسيلة، حتى أصبحت مشاهد الاعتراض والتمثيل وإضاعة الوقت والاحتكاك المتعمد جزء عاديا من مباريات كبرى، وأصبح بعض اللاعبين يقدمون بوصفهم أبطالا لأنهم يجيدون استفزاز المنافس أكثر مما يجيدون اللعب، لذلك جاء فوز إسبانيا ليعيد الاعتبار إلى معنى بدأ يتراجع، وهو أن الرياضة لا تنفصل عن الأخلاق.
تتجاوز الرياضة الملاعب لأنها تؤثر في ملايين الأطفال والشباب الذين ينظرون إلى اللاعبين باعتبارهم نماذج، وكل تدخل متعمد وكل احتجاج خارج عن الحدود يقدم رسالة سلبية، كما أن كل موقف منضبط وكل مصافحة وكل اعتراف بتفوق المنافس يقدم درسا قد يبقى أثره أطول من نتيجة المباراة نفسها.
لقد أضافت إسبانيا النجمة الثانية إلى قميصها بعد أن حافظت طوال المباراة على أسلوبها القائم على الاستحواذ والتمرير والانضباط، ولم تنجر إلى أجواء التوتر والاحتكاكات، وهو ما منح فوزها بعدا رياضيا يتجاوز النتيجة، لارتباطه باحترام المنافس وقواعد اللعب والالتزام بالسلوك الرياضي.
دون أن ننسى أن الفوز الإسباني اكتسب صدى واسعا في العالم العربي والإسلامي، حيث ارتبط لدى جماهير كثيرة بمواقف إسبانية مساندة للحقوق الفلسطينية، لذلك استقبل كثيرون هذا التتويج بفرح تجاوز الاعتبارات الكروية، ورأوا فيه فوزا لمنتخب ارتبط في الوعي الجماهيري باحترام القيم الإنسانية العالمية..



