“اليد الواحدة” تعيد رسم توازنات الشرق الأوسط من الرياض

4 فبراير 2026

علي البلوي. كاتب أردني 

في عالم السياسة، ليست كل اللحظات تُكتب في محاضر الاجتماعات، فبعضها يُصاغ بلقطة عابرة تختزل ما تعجز عنه الصفحات الرسمية، وهذا ما تجسد بوضوح في ختام المباحثات السعودية التركية في الرياض، حين جاءت لحظة إمساك الرئيس التركي رجب طيب أردوغان بيد ولي العهد الأمير محمد بن سلمان كإشارة مكثفة الدلالة تتجاوز البروتوكول وتفتح باب القراءة السياسية العميقة.

هذه اللقطة لم تكن مجرد مجاملة دبلوماسية، بل تعبير عن إدراك متبادل بأن المنطقة تمر بمرحلة إعادة تموضع كبرى، حيث انتقل اللاعبون الكبار من ردود الفعل إلى منطق المبادرة وصناعة التوازن، فالتقت براغماتية “أسد الجزيرة” الذي أعاد تعريف دور السعودية دولياً مع خبرة “ذئب الأناضول” في دهاليز الصراع، لا بوصفهما خصمين سابقين، بل كشريكين في إدارة التعقيد الإقليمي عبر ما يسميه خبراء السياسة بالواقعية السياسية الناضجة.

من منظور سيميولوجيا الجسد وعلم دلالات الإشارة، يرى الخبراء أن هذا التلامس الجسدي المتعمد يكسر البروتوكول الجاف لينتقل بالعلاقة إلى فضاء الدبلوماسية الشخصية القائمة على بناء الألفة، وهو ما يفسره علم النفس السياسي بمصطلح الارتباط الحسي الذي يهدف لإرسال رسائل طمأنة مفادها أن الكيمياء الشخصية بين القادة قد نضجت لتجاوز جراح الماضي.

ويؤكد علماء السلوك السياسي أن هذه الحركة ترفع من مستويات هرمونات الثقة وتخفض مسببات التوتر الجسدي، مما يخلق حالة من الأمان السياسي تنتقل عدواها إلى الأسواق والمستثمرين، كما تعكس حالة المحاكاة الجسدية والتناغم في المشية والابتسامة وجود توافق ذهني واتساق في الرؤى يوحي بأن التفاهمات في الغرف المغلقة كانت متطابقة وليست مجرد تسويات اضطرارية فرضتها الظروف.

إن الأهمية الاستراتيجية لهذه اللقطة تكمن في كونها وُلدت في الرياض، مما يعزز سردية الاستقلال الاستراتيجي ويوجه رسالة واضحة للقوى الدولية بأن الشرق الأوسط بات ينتج تفاهماته وأدواته الخاصة دون وصاية خارجية أو إدارة عن بُعد، وهي تهدف بالأساس إلى إعادة بناء الخيال الجمعي لدى الشعوب لتحويل صورة العلاقة من “القطيعة” إلى “الشراكة النفعية”.

وفي المحصلة، قد تُنسى تفاصيل البيانات وتُراجع المحاضر، لكن ستبقى صورة إمساك اليد عنواناً لمرحلة تُدار فيها الخلافات بالعقل لا بالتصعيد، وبالحوار لا بالوكالة، مؤكدة أن السياسة الذكية هي فن الإمساك باليد لبناء المستقبل لا كسرها لاستعادة الماضي، محققة بذلك توازناً دقيقاً بين الثقل الجيوسياسي والنفوذ الإقليمي للقوتين المركزيتين في المنطقة.

التعليقات
لا يوجد تعليقات بعد.

ملف “إبستين” يعيد طرح أسئلة أطفال “تندوف”

عمر العمري يفرض علينا تداخل ملفات الاستغلال الجنسي العابر للحدود مع فضاءات النزاع المغلقة طرح أسئلة ثقيلة لا يجوز تجاوزها، خاصة حين يتعلق الأمر بأطفال يعيشون خارج أي منظومة حماية فعالة.. إن العالم الذي صدم بحجم الشبكات التي كشفتها قضية “جيفري إبستين” مطالب اليوم بتوسيع زاوية النظر، وعدم الاكتفاء بتتبع الأسماء المتداولة، مع الانتباه إلى […]

استطلاع رأي

هل أعجبك التصميم الجديد للموقع ؟

عرض النتائج

جاري التحميل ... جاري التحميل ...