الى روح فاطمة المرنيسي

26 فبراير 2026

بوشعيب شكير ـ مهتم بالفكر المغربي المعاصر
إلى روحكِ التي ما تزال تُحرّك الأسئلة في فضائنا العمومي، أكتب إليكِ لا من موقع الأستاذ، بل من موقع المهتم بالفكر المغربي المعاصر، المتابع لنقاشاته، القلق من تحوّلاته، والباحث عن خيط ناظم بين جرأة النقد وحكمة التدرّج. قرأتكِ كما يُقرأ مشروعٌ لا يطلب التصفيق، بل يطلب المواجهة. لم تكوني تُجاملين البنية، بل تدخلين إليها من أعمق مفاصلها: السلطة الرمزية، الجسد، التأويل، والذاكرة.

كنتِ واضحة: لا ديمقراطية بلا مساءلة ثقافية، ولا مساواة بلا إعادة توزيع للسلطة داخل المخيال نفسه. لم تقبلي أن تبقى المرأة موضوع خطاب، بل جعلتِها فاعلة في إنتاج المعنى. وقلتِ، ضمناً، إن المعركة ليست فقط قانونية أو مؤسساتية، بل معركة على تفسير النص وعلى من يملك حقّ قراءته.

أفهم هذا الرهان. وأقدّر شجاعتك في اقتحام المسكوت عنه من داخل الثقافة، لا من خارجها. لكنني أعيش لحظة أرى فيها أن الصراع التأويلي وحده لا يكفي. لأن المجتمع لا يتحرك بالفكرة فقط، بل بالخوف أيضاً؛ لا يتغير بالحجة وحدها، بل بإيقاع التحول الاجتماعي وتوازناته. هنا تبدأ مسافة التأمل بيننا.

في المغرب اليوم، لم يعد السؤال: هل يمكن قراءة التراث قراءة تحررية؟ بل: كيف نمنع هذا السؤال من أن يتحول إلى استقطاب يستنزف المجال العمومي؟ كيف نحمي مطلب المساواة من أن يُختزل في معركة رمزية، بينما تتعقّد تحديات الاقتصاد والتعليم والعدالة الاجتماعية؟

وأنا أقرأك، أجدني أستحضر عباقرة الفكر المغربي الذين شكّلوا أفقنا النقدي بطرق مختلفة:

محمد لحبابي الذي سعى إلى تأسيس شخصانية منفتحة على الإنسان في كليته،

عبد الله العروي الذي صاغ سؤال الحداثة بصرامة تاريخية لا تُجامل،

محمد عابد الجابري الذي فكك بنية العقل العربي بحثاً عن أفق عقلاني جديد،

طه عبد الرحمن الذي أعاد الاعتبار للأخلاق بوصفها جوهر الفعل الحضاري،

المهدي المنجرة الذي حذّر مبكراً من اختلالات العولمة وضياع المعنى في زمن السرعة،

وعبد الكبير الخطيبي صاحب “النقد المزدوج”، الذي علّمنا أن مساءلة الذات لا تنفصل عن مساءلة الآخر، وأن التحرر يقتضي تفكيك بنيتين في آنٍ واحد: بنية التبعية وبنية الانغلاق.

لكل واحدٍ منهم مدخله المختلف إلى سؤال النهضة. وأنتِ كنتِ تضيفين زاوية أساسية: أن لا نهضة تُبنى فوق نصف مجتمع مهمَّش رمزياً. كنتِ تقولين إن التحديث لا ينجح إذا ظلّ الوعي أسير تراتبية غير مُساءَلة.

وأنا، كفاعل نقابي، تعلّمت منكم جميعاً أن النقد ليس ترفاً فكرياً، بل أداة تغيير. لذلك أحاول، في مجالي، أن أنتقد بنية السلطة الإدارية، أن أفكك منطقها المغلق، وأن أفتح فيها ثغرات للحوار والشفافية.

أسعى إلى التحول لا إلى الصدام، وإلى الإصلاح لا إلى الهدم. غير أنني أُدرك يومياً أن العقلية لا تتغير بالقرارات وحدها؛ فهناك ذهنيات متحجرة، تخاف المشاركة لأنها اعتادت الاحتكار، وتخاف النقد لأنها تعودت الطاعة. هنا أستحضر درسكِ: لا إصلاح بلا مساءلة البنية الرمزية التي تُنتج الطاعة قبل أن تُنتج القرار.

ومع ذلك، أرى أن التحدي ليس فقط في التفكيك، بل في إعادة البناء. النقد ضرورة، لكن البناء مسؤولية. والتحول يحتاج إلى نفسٍ طويل، لا إلى اندفاع رمزي.

لا أكتب إليكِ لأختلف معكِ، ولا لأتبنّاكِ بالكامل. أكتب لأن حضوركِ يظل ضرورياً في لحظة تتداخل فيها الأسئلة الثقافية بالرهانات الاجتماعية والسياسية. روحكِ لا تزال تذكّرنا بأن المجتمع الذي لا يراجع مسلّماته، يتكلّس.

بين جرأتكِ في اقتحام المسكوت عنه، وقلقي من تعقيد اللحظة الراهنة، أتحرك في مسافة البحث لا الاصطفاف. أحاول أن أكون وفياً لروحكِ بمواصلة السؤال، لا بتكرار الجواب.

روحكِ لم تغادر النقاش. هي فقط انتقلت من الجسد إلى الأثر، لتظل مرجعاً أخلاقياً وفكرياً لكل من يسعى لأن يكون النقد بوابة للتحول، والجرأة جسراً بين الواقع والمثال.

مع الاحترام والتقدير
ــــــــــــــــــ
فاطمة المرنيسي عالمة اجتماع مغربية.
• مجالات الاشتغال: قضايا المرأة، السلطة الرمزية، قراءة التراث، العلاقة بين الإسلام والحداثة.
• من أبرز مؤلفاتها: الحريم السياسي، هل أنتم محصنون ضد الحريم؟، سلطانات منسيات.
• تميّز مشروعها الفكري بربط البحث الأكاديمي بالفعل المجتمعي، وبالدفاع عن قراءة نقدية منفتحة للتراث في أفق المساواة والديمقراطية، مع مساءلة البنيات الثقافية المنتجة للهيمنة داخل المجتمع.

التعليقات
لا يوجد تعليقات بعد.

ملف “إبستين” يعيد طرح أسئلة أطفال “تندوف”

عمر العمري يفرض علينا تداخل ملفات الاستغلال الجنسي العابر للحدود مع فضاءات النزاع المغلقة طرح أسئلة ثقيلة لا يجوز تجاوزها، خاصة حين يتعلق الأمر بأطفال يعيشون خارج أي منظومة حماية فعالة.. إن العالم الذي صدم بحجم الشبكات التي كشفتها قضية “جيفري إبستين” مطالب اليوم بتوسيع زاوية النظر، وعدم الاكتفاء بتتبع الأسماء المتداولة، مع الانتباه إلى […]

استطلاع رأي

هل أعجبك التصميم الجديد للموقع ؟

عرض النتائج

جاري التحميل ... جاري التحميل ...