الهدي القرآني في المعرفة؛ من أين ننظر؟

سلسلة القرآن والبحث والباحث والمبحوث: في اختلالات بنية التلقي وآفاق الاستئناف. المقالة الحادية عشرة
الهدي القرآني في المعرفة؛ من أين ننظر؟
د. رفيق الناوي. باحث في علم الاجتماع
مدخل: في الشروع في البناء
وصلت السلسلة إلى مفصل حاسم؛ لقد أنجزت المقالات العشر السابقة مهمة التشخيص والتفكيك:
• شخّصت الأزمة في طبقاتها من الفصل إلى الإذابة إلى التبخير إلى المسخ،
• ورسمت ملامح المثقف الباحث المسلم في فصامه الداخلي،
• وتأمّلت في الأفق القرآني الذي يُؤسّس للقراءة ومنطقها الوجودي،
• وحدّدت مجال الاشتغال في العلوم الإنسانية،
• كما نقدت مشاريع الأسلمة بما يكفي للتمييز والتموضع.
الآن ينبغي أن نجيب عن الأسئلة التي طُرحت ولم تنل حظها من الاشتغال، أو أننا قد أُجبنا عنها إجابات مجملة مع أنها تطلب التفصيل، منها:
• ما الذي يعنيه الهدي القرآني في المعرفة إيجاباً؟
• ومن أين ننظر؟
• وما الذي يتغير فعلاً حين يكون القرآن أفقاً مؤسِّساً لا شاهداً لاحقاً؟
• وكيف يشتغل هذا في الممارسة البحثية الفعلية لا في مستوى الإعلان والشعار؟
لا ندعي أن هذه الأسئلة تُجيب عنها جملة واحدة ولا مقالة واحدة؛ لكن هذه المقالة تُقدّم ما يمكن تسميته الخريطة الابستيمولوجية للمشروع، ومنها المبادئ التأسيسية التي تُشكّل منطلقه، والمستويات التي يشتغل فيها، والسمات التي تُميّز الباحث المنطلق من هذا الأفق.
أولاً: السؤال الذي يسبق كل سؤال؛ من أين ننظر؟
من أين ننظر؟ هذا السؤال يبدو بسيطاً لكنه يحمل عمقاً ابستيمولوجياً نادراً ما يُطرح في مناهج البحث وأدلّته.
المناهج الأكاديمية الحديثة تُعلّم كيف ننظر: أي الأدوات نستخدم، وأي الإجراءات نتبع، وكيف نُوثّق ونُحلّل ونستنتج. لكنها لا تُعلّم -أو تُعلّم بصورة خاطئة؛ من أين ننظر: من أي موضع أنطولوجي نقف، وبأي تصوّر للإنسان نبدأ، وبأي معنى للغاية نسير. وهذا السؤال الغائب هو أهمها جميعاً لأن من يحدد الموقع يحدد ما يُمكن رؤيته وما يظل خارج حقل الرؤية.
وحين نقول إن الهدي القرآني في المعرفة يُجيب عن سؤال “من أين ننظر؟” فنحن نقول شيئاً محدداً وبعيداً عن التجريد:
ننظر من موضع الإنسان المؤتمن/ المستخلَف، لا من موضع الإنسان السيد المالك كما في الإنسانوية الحداثية، ولا من موضع الإنسان النص الخطابي كما فيما بعد الحداثة. الإنسان المستخلَف كائن يحمل أمانة وجودية تسبق كل اشتغال وتُوجّه كل سؤال.
ننظر من موضع المعرفة الأمانة، لا من موضع المعرفة السلطة كما صاغها فوكو، ولا من موضع المعرفة السلعة كما تُنتجها الأكاديميا الحديثة. المعرفة الأمانة هي تلك التي يُحاسَب صاحبها على ما يصنع بها وما تُفضي إليه.
ننظر من موضع السؤال الموصول بالغاية، لا من موضع السؤال المعلّق في فضاء الفضول المحايد. السؤال الموصول بالغاية يعرف لماذا يُطرح ويعرف لمن يُجاب وإلى أين ينتهي.
ثانياً: الهدي القرآني في المعرفة؛
الهدي القرآني في المعرفة -وهو العنوان الذي اقترحته هذه السلسلة بديلاً عن أسلمة المعرفة- وهو منهج يقوم على خمسة مبادئ تأسيسية تُشكّل في مجموعها منطقه الداخلي:
المبدأ الأول: القرآن يُولّد السؤال
الهدي القرآني في المعرفة لا يعني البحث في القرآن عن إجابات لكل سؤال علمي وفلسفي – وهذا ما نقدته المقالة الثامنة في الحديث عن “القرآن موسوعة تفاصيل”. يعني بالأحرى أن القرآن يُولّد الأسئلة الصحيحة ويمنع الأسئلة المشوّهة من الولادة.
وثمة فرق جوهري بين الأمرين: السؤال الصحيح هو الذي يُؤطّر موضوعه بصورة لا تُشوّهه، ولا يحمل في صياغته افتراضات تحجب جوانب جوهرية من الواقع الذي يُريد فهمه. أما السؤال المشوّه فهو الذي تُحكمه افتراضات مضمرة تُحدّد سلفاً ما يمكن رؤيته وما يظل خارج حقل الرؤية.
وقد أشار إلى هذا المعنى ابن خلدون بصورة مضمرة حين بنى علم العمران البشري على مفهوم السنن -قوانين إلهية تشتغل في حركة الاجتماع- بدلاً من الصدفة أو الإرادة الفردية. هذا المفهوم لا يُجيب على كل سؤال في علم الاجتماع لكنه يُؤسّس منطقاً للسؤال يختلف جوهرياً عن منطق من يُؤسّس على الصراع الطبقي أو على العقد الاجتماعي أو على التطور الدارويني (ابن خلدون، المقدمة، 1/61).
المبدأ الثاني: التصور يسبق المنهج والمنهج يخدم الموضوع.
في المنظومة الأكاديمية الحديثة يُعامَل المنهج بوصفه أداةً محايدة: “اختر موضوعك ثم اختر المنهج الملائم”. وهذا يُؤسّس لوهم أن المنهج مستقل عن التصوّر وقابل للتطبيق في أي سياق.
الهدي القرآني في المعرفة يُقدّم ترتيباً مختلفاً: التصور يسبق المنهج؛ أي أن الرؤية للإنسان والموضوع والغاية تحدد مدى ملائمة الأدوات المنهجية وما حدود كل منها. وهذا لا يعني رفض المناهج الحديثة بل يعني إعادة تعريف موضعها: من أصول تُتبع إلى أدوات تُوظَّف في خدمة تصوّر أسبق.
ومن الناحية الفلسفية فإن هذا الموقف يتسق مع ما كشفه توماس كون في بنية الثورات العلمية: المنهج لا يشتغل في فراغ بل داخل نموذج (paradigm) يحمل افتراضات يقبلها المجتمع العلمي دون مساءلة (Kuhn, 1962). والهدي القرآني في المعرفة يُعلن عن نموذجه ولا يُخفيه، وبذلك يكون أكثر أمانة ابستيمولوجية مما تدّعيه المناهج التي تتوارى وراء مسمّى الحياد.
المبدأ الثالث: الفهم البشري للقرآن قابل للمراجعة والوحي معصوم.
هذا المبدأ من أكثر ما يُميّز هذا المشروع عن توجهات الأسلمة التقليدية، وهو مبدأ يحمي المشروع من آفتين متقابلتين:
الآفة الأولى: التقديس المضاعَف
حين يُعامَل الفهم البشري للقرآن بقداسة الوحي ذاتها، فيُصبح النقد تجاسراً على المقدّس لا مراجعةً للفهم البشري القابل للخطأ.
الآفة الثانية: النسبية المطلقة
حين تُعامَل كل قراءة للقرآن بوصفها صحيحة بالقدر ذاته، فيُفضي “تعدد الأفهام” إلى فوضى المعنى التي تجعل القرآن مرآةً تعكس ما يُريد القارئ رؤيته.
والمبدأ الفاصل بين الآفتين هو: الوحي معصوم والفهم اجتهاد
القرآن نفسه حاكم لا محكوم، ومرجع لا يُساءَل ولا يُختبر. الذي يُساءَل ويُختبر هو فهمنا للقرآن –هو استخلاصاتنا وتأويلاتنا وتطبيقاتنا. وهذا يعني أن المشروع يُقدّم فهماً اجتهادياً يدعو إلى المساءلة لا ادعاءً نهائياً يطلب التسليم.
وقد صاغ الشاطبي هذا المبدأ في المسألة التاسعة من مقدمة الموافقات حين تحدث عن ضرورة اختبار الفهم البشري بالمحكمات القرآنية وعدم قلب الأولوية بين النص والفهم (الشاطبي، الموافقات، 1/35-38)
المبدأ الرابع: المعرفة الأمانة؛ المسؤولية الثلاثية.
في الأفق القرآني المعرفة ليست حقاً يُمارَس بل أمانة تُؤدَّى؛ وهذا التمييز -الذي وظّفه طه عبد الرحمن في مفهوم الائتمانية- يُنتج ما يمكن تسميته المسؤولية الثلاثية للباحث:
المسؤولية أمام الحقيقة: أن يُشهد بما تُفضي إليه المعرفة بصدق ودقة دون تحريف لخدمة موقف مسبق.
المسؤولية أمام الإنسان: أن يسأل دائماً عن أثر ما يُنتجه في صورة الإنسان وكرامته وغايته -لا بمعنى تحويل البحث إلى وعظ بل بمعنى الإبقاء على الوعي بالمآل.
المسؤولية أمام الله: أن يعي أنه مستأمَن على ما أُعطيه من فهم وعلم، وأن هذا الاستئمان يُلزمه بما يتجاوز اشتراطات الحقل الأكاديمي وحدها (طه عبد الرحمن، روح الدين، 2012، ص.147).
وهذه المسؤولية الثلاثية ليست عبئاً يُثقل البحث بل هي ما يمنحه معنىً لا يستطيع الاشتغال الأكاديمي المنفصل عن الغاية منحه.
المبدأ الخامس: الوعي بالموقع؛ الباحث الشاهد لا التابع.
الهدي القرآني في المعرفة يستلزم ما يمكن تسميته الوعي بالموقع: أن يعرف الباحث من أين ينظر وأن يُعلن عن ذلك لا أن يُخفيه وراء شعار الموضوعية الزائفة.
وهذا لا يعني التخلي عن الصرامة المنهجية أو قبول كل ما تُمليه المرجعية الخاصة دون فحص، بل يعني -بلغة بورديو في تحليله للانعكاسية الابستيمولوجية- أن الباحث قادر على الانعكاس على نفسه: على مساءلة شروط إنتاج معرفته وموقعه الاجتماعي والثقافي والوجودي في علاقة بما يُنتج (Bourdieu & Wacquant, 1992).
والفارق بين الانعكاسية القرآنية وانعكاسية بوردييو أن الأولى لا تكتفي بالكشف عن الموقع بل تُعطيه محتوىً: الموقع ليس مجرد ظرف تاريخي واجتماعي كما عند بورديو، بل هو في الأفق القرآني موضع استخلافي أنطولوجي ذو وزن أكبر من مجرد الظرف.
ثالثاً: ما الذي يتغير فعلاً؛ الاشتغال في أربع لحظات
لتجاوز مستوى التأسيس النظري نحو الوضوح التشغيلي لا بد من الإجابة عن السؤال الأكثر إلحاحاً: ما الذي يتغير فعلاً في الممارسة البحثية اليومية حين يكون القرآن أفقاً مؤسِّساً لا شاهداً لاحقاً؟
يمكن رسم التغيير في أربع لحظات تُشكّل معاً دورة البحث:
اللحظة الأولى: لحظة صياغة الإشكالية
في النموذج الأكاديمي المعتاد، يصوغ الباحث إشكاليته انطلاقاً من الأدبيات المتراكمة في حقله: ما الذي قاله الآخرون؟ وأين الثغرة؟ وما الذي يمكن إضافته؟ وهذا منطق إنتاج المعرفة بوصفها تراكماً في سياق محدد.
الباحث المنطلق من أفقه القرآني يُضيف إلى هذه اللحظة سؤالاً آخر، أسبق وأعمق: ما الذي يُتيحه أفقي الخاص من أسئلة لا تُتيحها الأدبيات المتراكمة؟ وما الذي يغيب عن هذه الأدبيات لأن أفقها لا يُتيح رؤيته؟
فحين يشتغل باحث على العلاقات الاجتماعية في المجتمع الرقمي – مثلاً – يُتيح له الأفق القرآني سؤالاً لا تُولّده نماذج هابرماس عن التواصل ولا نماذج باومان عن السيولة: سؤال ما الذي يُفعله التواصل الرقمي بمفهوم الأمانة في العلاقة الإنسانية؟ والأمانة هنا ليست مفهوماً أخلاقياً مُضافاً بل مفهوم بنيوي يصف طبيعة العلاقة الإنسانية في الأفق القرآني: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَىٰ أَهْلِهَا﴾ (النساء: 58). والسؤال الذي يُولّده هذا المفهوم مختلف جوهرياً عن سؤال الكفاءة التواصلية أو سؤال تآكل الهوية.
اللحظة الثانية: لحظة فحص المفاهيم الأساسية
كل بحث في العلوم الإنسانية يشتغل بمفاهيم أساسية -الفرد، السلطة، الهوية، التقدم، الحرية، العدالة، المجتمع، والباحث المعتاد يستخدم هذه المفاهيم بوصفها أدوات معطاة لا تحتاج إلى مساءلة.
الباحث المنطلق من الأفق القرآني يُضيف إلى اشتغاله لحظة الفحص المفهومي: ما الذي يفترضه هذا المفهوم عن الإنسان؟ وهل هذا الافتراض قابل للمساءلة من أفق القرآن؟ وما الذي يُضيفه الأفق القرآني أو يُعدّله أو يُكمله؟
خذ مثالاً محدداً: مفهوم الفردانية (individualism) في علم الاجتماع. هذا المفهوم يحمل في بنيته الغربية الحديثة افتراضاً بأن الفرد هو الوحدة الأساسية للوجود الاجتماعي، وأن المجتمع هو الفرد مضروباً في العدد. الأفق القرآني يُقدّم تصوراً مختلفاً: الإنسان كائن علائقي بطبعه الأصيل، وجوده ذو معنى في شبكة علاقات تسبق اختياراته -مع الله ومع الخلق. هذا لا يعني رفض مفهوم الفردانية جملةً بل يعني إعادة تعريف حدوده وطرح سؤال ما الذي يُغفله حين يُؤخذ مطلقاً. وهذا الفحص لا يُبطل البحث بل يجعله أكثر اتساعاً في رؤية موضوعه.
اللحظة الثالثة: لحظة تفسير النتائج وتقييم المآل
حين ينتهي البحث إلى نتائجه يواجه الباحث عادةً سؤالاً واحداً: هل النتائج صحيحة منهجياً؟ أي هل الاستدلال سليم وهل البيانات تُسنده وهل التوثيق دقيق؟
الباحث المنطلق من الأفق القرآني يُضيف سؤالاً آخر لا يكاد يُطرح في الأوساط الأكاديمية المعاصرة: ماذا تقول هذه النتائج عن الإنسان؟ وهل ما تقوله يصون كرامته أم يُهدرها؟ وما مآل هذه المعرفة حين تُوظَّف في السياسات والمناهج والمؤسسات؟
وهذا لا يعني تحوير النتائج لتُوافق المُراد بل يعني استكمال دورة المعرفة: المعرفة الناقصة هي التي تصف دون أن تُقوّم، وتحلل دون أن تسأل إلى أين. والهدي القرآني في المعرفة يستكمل هذه الدورة بسؤال المآل الذي هو في جوهره سؤال الغاية.
اللحظة الرابعة: لحظة تشكّل الباحث في علاقته بما يُنتج
وهذه اللحظة ربما الأعمق وإن كانت الأقل ظهوراً: الباحث نفسه يتشكّل بما يبحث فيه وكيف يبحث فيه. البحث ليس نشاطاً منفصلاً عن الذات يمارسه الباحث ثم يتركه جانباً، البحث يُشكّل الباحث وينعكس على رؤيته لنفسه وللعالم وللإنسان.
وحين يُؤسِّس الباحث اشتغاله من الأفق القرآني فإن هذا يعني أن كل بحث يشتغل فيه هو في آنٍ معاً عمل معرفي وتجربة وجودية: يكتشف في الموضوع الذي يدرسه إشاراتٍ تُعيد ربطه بأصل إنسانيته وبمعنى استخلافه. وهذا هو ما ميّز ابن خلدون عن معاصريه: لم يكتفِ بإنتاج علم العمران بل تشكّل هو بهذا العلم -استوعب من خلاله معنى الصعود والانهيار الحضاري بصورة جعلت كتابته أعمق بكثير مما تُنتجه الحياد الاصطناعي (ابن خلدون، المقدمة، 1/7).
رابعاً: صورة الباحث المنطلق من الأفق القرآني؛
لتجسيد ما سبق في صورة بشرية ملموسة لا في مبادئ مجردة يمكن رسم ملامح الباحث المنطلق من هذا الأفق بوصفه شخصاً يشتغل في واقع أكاديمي صعب وتحت ضغوط حقيقية:
أولاً: يعرف أين يقف
هذا الباحث لا يتظاهر بأنه لا ينظر من موقع -كل باحث ينظر من موقع – لكنه يعرف موقعه ولا يُخفيه. موقعه هو الأفق القرآني الذي يُحدد تصوّره للإنسان وغاية معرفته ومعيار تقييم نتائجه. وهذا المعرفة بالموقع تحرّره من وهم الحياد الزائف وتجعله أكثر صدقاً مع نفسه ومع قرّائه.
ثانياً: يفحص ما يستخدم
حين يستخدم مفهوماً أو يُوظّف منهجاً يسأل: ماذا يحمل هذا المفهوم من افتراضات؟ وهل هذه الافتراضات قابلة للمساءلة من أفقي الخاص؟ وما الذي يُضيفه أفقي أو يُعدّله؟ هذا الفحص لا يمنعه من الاستخدام بل يجعل استخدامه واعياً لا أعمى.
ثالثاً: يُسهم لا يُدافع
هذا الباحث لا يُنتج معرفة بنيّة الدفاع عن الإسلام أو إثبات تفوق الحضارة الإسلامية. يُنتج معرفةً يُسهم بها في الحوار الإنساني الكبير من موقعه الخاص –رؤيةً للإنسان وتصوّراً للعدالة وفهماً للاجتماع يختلف عمّا يُقدّمه الحقل المستورد وحده. والاختلاف هنا إثراء لا مواجهة.
رابعاً: يعرف حدود ما يعلم
هذا الباحث يُميّز بين ما يعلمه يقيناً وما يظنّه اجتهاداً وما يجهله اعترافاً. ولا يدّعي أن أفقه القرآني يمنحه إجابات على كل سؤال بل يمنحه أسئلة أصح وموقفاً أمانياً من المعرفة. وقد صاغ هذا الموقف ابن حزم –وإن في سياق مختلف- حين قال إن من أعظم آفات العلماء ادعاء اليقين فيما هو ظن، والظن فيما هو يقين (ابن حزم، الأخلاق والسير، ص.42).
خامساً: يحتمل التوتر
هذا الباحث يعيش توتراً حقيقياً -بين اشتراطات الحقل الأكاديمي وأفقه الخاص- ولا يحلّه بالتخلي عن أحد الطرفين. يحتمل هذا التوتر بوصفه ثمن الصدق: صدق الاشتغال الأكاديمي الصارم وصدق الانتماء الوجودي الأصيل. والتوتر المُحتمَل بوعي أنتج على مرّ التاريخ معرفةً أعمق من الانسجام الزائف.
خامساً: الهدي القرآني والتنوع المعرفي الإنساني
سؤال أخير لا بد من معالجته: هل الهدي القرآني في المعرفة يدّعي أنه الطريق الوحيد الصحيح للمعرفة الإنسانية؟
الجواب القاطع: لا.
المشروع لا يدّعي احتكار الحقيقة المعرفية ولا يُقدّم نفسه بديلاً نهائياً لكل ما أنتجته الإنسانية من معرفة. ما يدّعيه هو شيء مختلف: أنه منظور مخصوص يُنتج أسئلة وأُطراً وتصورات لا يُنتجها كثير من المناظير الأخرى، وأن هذه الأسئلة والأُطر والتصورات تُغني الحوار الإنساني الكبير حول من هو الإنسان وكيف تُصان كرامته وكيف تتحقق غايته.
وهذا يعني أن الهدي القرآني في المعرفة ليس خصماً للمنظومات الفلسفية الأخرى بل شريكاً في الحوار -شريكاً له موقعه الخاص وصوته المميّز، لكنه يُدرك أن الإنسانية في تنوعها المعرفي أغنى مما تستوعبه رؤية واحدة مهما أحكمت بناءها.
وقد أشار إلى ما يُشبه هذا الموقف طه عبد الرحمن حين تحدث عن الائتمانية بوصفها أفقاً مُعروضاً على الإنسانية جمعاء لا حكراً على المسلمين: دعوة إلى تجاوز منطق الهيمنة -سواء أكانت هيمنة غربية أم إسلامية- نحو منطق الشهادة المسؤولة التي تُقدّم ما عندها وتسمع ما عند الآخر (طه عبد الرحمن، روح الدين، 2012، ص.152).
خاتمة: من أين ننظر يُحدد ما نرى
﴿قُلْ هَٰذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَىٰ بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾ (يوسف: 108).
على بصيرة – هذان الحرفان يُلخّصان ما تسعى إليه هذه السلسلة: معرفة مُبصِرة تعرف من أين تنظر وإلى أين تتجه ولمن تشهد. لا معرفة عمياء تتراكم دون وجهة، ولا معرفة مُدّعاة تتظاهر بالبصر وهي لا ترى.
والبصيرة في سياق المعرفة ليست الحدس الروحي وحده -وإن كان ذلك جزءاً منها. هي الوضوح الابستيمولوجي الذي يعرف الباحث بموجبه من أين ينظر، وما الذي يُمكّنه من الرؤية الحقيقية، وما حدود ما يرى، وبأي مسؤولية يُشهد بما رأى.
وهذا هو ما يعنيه الهدي القرآني في المعرفة في نهاية المطاف: ليس أسلمةً للمعرفة ولا استبدالاً لها ولا تحصيناً دفاعياً عنها. بل هو دعوة إلى البصيرة -أن يعرف الباحث المسلم من أين ينظر، وأن يُعلن ذلك بدلاً من إخفائه، وأن يجعل من هذا الوضوح نقطة قوة لا مصدر حرج.
تنتقل المقالة الثانية عشرة إلى مسألة عملية دقيقة: كيف يشتغل الباحث مع القرآن دون أن يُوظّفه توظيفاً انتقائياً أو يُحوّله إلى سلاح في الجدل؟ أي: ما الفرق بين استحضار القرآن بوصفه شاهداً وبين اختبار أفهامنا به؟
المراجع:
• ابن خلدون، عبد الرحمن. (ت 808هـ/1967). المقدمة. تحقيق: علي عبد الواحد وافي. دار نهضة مصر. (1/7؛ 1/61).
• ابن حزم، علي بن أحمد. (ت 456هـ/1981). الأخلاق والسير في مداواة النفوس. تحقيق: إحسان عباس. دار الآفاق الجديدة، بيروت. (ص42).
• الشاطبي، إبراهيم بن موسى. (ت 790هـ/2003). الموافقات في أصول الشريعة. تحقيق: مشهور حسن آل سلمان. دار ابن عفان، الخبر. (1/35-38).
• طه عبد الرحمن. (2000). العمل الديني وتجديد العقل. المركز الثقافي العربي.
• طه عبد الرحمن. (2012). روح الدين: من ضيق العلمانية إلى سعة الائتمانية. المركز الثقافي العربي. (ص147-152).
• Bourdieu, P., & Wacquant, L. J. D. (1992). An Invitation to Reflexive Sociology. University of Chicago Press.
• Gadamer, H.-G. (1960/2004). Truth and Method. Trans. J. Weinsheimer & D. G. Marshall. Continuum.
• Habermas, J. (1971). Knowledge and Human Interests. Trans. J. J. Shapiro. Beacon Press.
• Kuhn, T. S. (1962). The Structure of Scientific Revolutions. University of Chicago Press.
• Mignolo, W. D. (2000). Local Histories/Global Designs. Princeton University Press.
• Rahman, F. (1982). Islam and Modernity: Transformation of an Intellectual Tradition. University of Chicago Press.
• Taylor, C. (1985). Philosophy and the Human Sciences: Philosophical Papers 2. Cambridge University Press.




التعليقات