المغرب بين ضجيج الشعارات وصلابة الدولة: لماذا لا يُخدع الوعي الوطني مرة أخرى؟
الدكتور محمد بشاري
ليست الأزمات الكبرى مجرد صدامات عسكرية، بل هي لحظات اختبارٍ لصفاء البصيرة السياسية، إذ تنكشف فيها الفوارق بين الشعارات والحقائق، وبين اللغة التي تُرفع في المنابر والوقائع التي تُكتب بالنار في الجغرافيا. ومن يتأمل المسار الذي سلكه المشروع الإيراني منذ قيام الجمهورية الإسلامية سنة 1979، يكتشف أن ما سُمِّي يومها “تصدير الثورة” لم يكن شعارًا عابرًا في سياق حماسة ثورية، بل كان مبدأً بنيويًا في تصور الدولة الجديدة لدورها الإقليمي. فقد رأت تلك الثورة نفسها منذ اللحظة الأولى مشروعًا يتجاوز حدود الدولة الوطنية، ويطمح إلى إعادة تشكيل المجال السياسي والثقافي في المنطقة وفق رؤيةٍ مذهبية وسياسية معًا.
في البدايات، استقبل العالم العربي هذه الثورة بقدرٍ كبير من التعاطف، بل إن قطاعات واسعة من النخب الفكرية والدينية والسياسية رأت فيها لحظة كسرٍ لهيمنة الاستكبار الدولي، وتخيّلت أن طهران الجديدة تحمل راية الدفاع عن المستضعفين وتحرير القدس. غير أن الزمن، وهو أكثر صدقًا من الخطابة، كشف أن ما كان يُقدَّم في صورة مشروعٍ تحرري لم يكن في جوهره سوى مشروع نفوذٍ سياسي يتكئ على البعد الطائفي ويستثمر في هشاشة الدول والمجتمعات.
ففي كل منطقةٍ تمدد فيها هذا المشروع، لم يظهر بوصفه دعمًا لدولةٍ أو إسنادًا لمؤسساتها، بل بوصفه شبكةً موازية تقوم على بناء تنظيمات مسلحة أو كيانات عقائدية مرتبطة بمركز القرار في طهران. وهكذا تحولت المنطقة خلال العقود الماضية إلى فضاءٍ تتكاثر فيه الميليشيات والهياكل الموازية للدولة، في العراق وسوريا ولبنان واليمن، حيث لم يعد الصراع مجرد تنافس سياسي، بل أصبح صراعًا على بنية الدولة نفسها: هل تبقى الدولة هي المرجع الأعلى للقرار، أم تصبح مجرد إطارٍ شكلي تتحرك داخله شبكات النفوذ العابر للحدود؟
والأخطر من ذلك أن هذا المشروع لم يكتفِ بالشرق الأوسط، بل سعى إلى توسيع حضوره الثقافي والدعوي في مناطق بعيدة جغرافيًا مثل أفريقيا وجنوب شرق آسيا، حيث استُثمرت المؤسسات التعليمية والدينية والأنشطة الثقافية في بناء حضورٍ عقائدي طويل الأمد. وهذه الاستراتيجية تقوم على قاعدة بسيطة: إذا لم تستطع السيطرة السياسية المباشرة، فابنِ النفوذ الفكري والاجتماعي الذي يفتح الطريق لاحقًا للتأثير السياسي.
غير أن الأحداث التي يشهدها الإقليم اليوم كشفت بوضوح أن جوهر المشروع لم يتغير. فالضربات التي تتعرض لها دول الخليج ليست مجرد فصل عابر في صراع إقليمي، بل هي تعبير عن رؤيةٍ تعتبر أن أمن هذه الدول يمكن أن يتحول إلى ورقة ضغط في لعبة الصراعات الكبرى. إن استهداف المدن والبنى الاقتصادية وممرات الطاقة في الخليج يفضح حقيقة المعادلة التي تحكم هذا السلوك: تحويل المنطقة العربية إلى ساحة رسائل في مواجهة خصوم دوليين.
وهنا ينبغي أن يُطرح السؤال الذي يتجنبه الخطاب الدعائي: لماذا تُستهدف الدول العربية تحديدًا حين يتصاعد الصراع؟ ولماذا تتحول مدن الخليج إلى جبهة نار، بينما تُدار الحسابات مع أطراف أخرى بمنطقٍ مختلف؟
إن الجواب يكمن في طبيعة الحسابات الجيوسياسية التي ترى في الخليج مركز الثقل الاقتصادي العربي، ومن ثم فإن ضربه أو تهديده يخلق أثرًا عالميًا سريعًا في الطاقة والتجارة والأسواق.
بالنسبة للمغرب، لا يمكن النظر إلى هذه الوقائع بمعزل عن تجربته الخاصة مع هذا المشروع. فقد سبق للمملكة أن اتخذت قرارًا سياديًا بقطع العلاقات الدبلوماسية مع إيران بعدما تبين وجود محاولات للتأثير في قضية الصحراء المغربية عبر قنوات غير رسمية مرتبطة بمحور طهران.
وهذا القرار لم يكن خطوة عاطفية أو موقفًا ظرفيًا، بل كان تعبيرًا عن إدراك الدولة المغربية لخطورة أي تدخل يمس وحدتها الترابية أو يحاول توظيف القضايا الإقليمية للضغط عليها.
ومن هنا تبدو المفارقة العجيبة في بعض الخطابات التي تُرفع اليوم في بعض الأوساط الحزبية أو الجمعوية داخل المغرب. فهذه الأصوات تدعو إلى مساندة إيران في صراعها مع دول الخليج، وكأن الذاكرة الوطنية يمكن أن تُمحى ببيانٍ سياسي أو منشورٍ عاطفي.
والحقيقة أن مثل هذه الدعوات لا تمثل فقط قراءةً خاطئة للواقع، بل تمثل أيضًا تجاهلًا لمصالح المغرب الاستراتيجية وعلاقاته التاريخية مع دول الخليج التي كانت دائمًا سندًا سياسيًا واقتصاديًا للمملكة، خاصة في قضاياها الكبرى وعلى رأسها قضية الوحدة الترابية.
إن أخطر ما في هذه الخطابات أنها تصدر غالبًا عن جماعاتٍ ذات امتدادات فكرية وتنظيمية عابرة للحدود، وهي جماعات لا تنظر إلى الدولة الوطنية بوصفها الإطار النهائي للولاء السياسي. بالنسبة لهذه التيارات، تبقى الدولة مجرد مرحلة مؤقتة يمكن تجاوزها لصالح “المشروع الأكبر”، سواء كان هذا المشروع أمميًا أو مذهبيًا أو أيديولوجيًا. ولذلك فإن الصدام بينها وبين الدولة الوطنية ليس حادثًا عرضيًا، بل نتيجة طبيعية لاختلاف جوهري في تصور السلطة والشرعية.
في مقابل ذلك، يقوم النموذج المغربي على فكرة مختلفة تمامًا: فكرة الدولة المتجذرة في تاريخها والمؤسسة على شرعية سياسية ودينية ومؤسساتية متماسكة. وهذه الدولة لم تُبنَ على شعارات عابرة، بل على تراكم طويل من التوازن بين الشرعية التاريخية والاستقرار المؤسسي والانفتاح السياسي.
ولهذا فإن السياسة الخارجية للمغرب ليست مجالًا للمزايدة الأيديولوجية، بل هي جزء من السيادة الوطنية التي تديرها الدولة عبر مؤسساتها الشرعية وفي مقدمتها القيادة الملكية. وفي اللحظات التي تتكاثر فيها العواصف الإقليمية، يصبح الالتفاف حول هذه السياسة ليس مجرد خيار سياسي، بل ضرورة وطنية لحماية البلاد من أن تتحول إلى ساحةٍ لصراعات الآخرين.
إن التجربة التاريخية تعلمنا أن الدول التي سمحت للجماعات العابرة للحدود بأن تحدد اتجاهها الاستراتيجي دفعت ثمنًا باهظًا من استقرارها ووحدتها. ولذلك فإن الدفاع عن الدولة الوطنية ليس مجرد دفاع عن نظام سياسي، بل هو دفاع عن فكرة الاستقرار نفسها.
إن المغرب، بتاريخ دولته وعمق مؤسساته، ليس بلدًا يمكن أن يُستدرج إلى صراعات الآخرين تحت ضغط الشعارات. ومهما ارتفع ضجيج الخطابات العابرة للحدود، فإن الوعي المغربي العام يدرك أن مصلحة البلاد تكمن في حماية وحدتها الترابية، وصون استقرارها الداخلي، وتعزيز علاقاتها مع محيطها العربي.
ولهذا فإن اللحظة الراهنة ليست لحظة تردد، بل لحظة وضوح: وضوح في الانحياز إلى الدولة، ووضوح في الالتفاف حول القيادة، ووضوح في رفض كل خطاب يحاول تحويل المغرب إلى منصةٍ لصراعات لا تخدم مصالحه.
فالمغرب لم يكن يومًا دولةً تُدار بالشعارات، بل دولة تُدار بالبصيرة. وفي زمن العواصف، لا ينجو إلا من يعرف الفرق بين الصوت العالي والقرار الحكيم.
التعليقات