المشترك المقاصدي بين الأديان السماوية وأثره في منظومة القيم الإنسانية
د. حمزة مولخنيف
ليست الأديان السماوية مجرد منظومات عقدية تُعرِّف الإنسان بخالقه، ولا هي طقوس شعائرية تُمارَس في حدود الزمان والمكان، بل هي – في عمقها البعيد – مشاريع أخلاقية كبرى تشكّلت في صميم التجربة الإنسانية منذ فجر التاريخ. فمنذ أن رفع الإنسان رأسه نحو السماء باحثاً عن المعنى، كانت الرسالات الإلهية تستجيب لهذا القلق الوجودي العميق، لا لتُسكِت أسئلته فحسب، بل لتؤسس له نظاماً قيمياً يرشده في فهم ذاته والعالم والآخرين. وهكذا نشأ الدين في جوهره باعتباره خطاباً موجهاً إلى الضمير الإنساني قبل أن يكون خطاباً موجهاً إلى العقل النظري، لأنه يخاطب في الإنسان تلك الحاجة العميقة إلى العدل والرحمة والمعنى.
إنّ التأمل في تاريخ الأديان يكشف أنّ الرسالات السماوية، على اختلاف سياقاتها التاريخية والثقافية، لم تكن متباعدة في مقاصدها الكبرى بقدر ما كانت متقاربة في غاياتها الأخلاقية. فالاختلاف الذي يظهر في تفاصيل التشريع أو في صيغ التعبير اللاهوتي لا يحجب تلك الوحدة العميقة التي تتجلى في القيم التي جاءت بها هذه الرسالات؛ قيمٌ تتمحور حول صيانة الإنسان وإقامة العدل وبناء مجتمع تسوده الرحمة والتكافل. إنّ الدين في أبعاده المقاصدية يبدو أشبه بجسر روحي وأخلاقي يربط بين التجارب الدينية المختلفة، لأن غايته النهائية لا تنفصل عن بناء الإنسان أخلاقياً وتحريره من نوازع الظلم والعنف والأنانية.
لقد أدرك كثير من المفكرين والفلاسفة أن فهم الدين لا يكتمل بالوقوف عند ظاهر النصوص أو حدود الأحكام، بل يقتضي النفاذ إلى روحها المقصدية التي تمنحها معناها العميق. فالنص الديني في جوهره ليس مجرد خطاب تشريعي، بل هو خطاب حكمة يرمي إلى توجيه الإنسان نحو الخير العام. ولذلك قال الفقيه الأندلسي أبو إسحاق الشاطبي إنّ الشريعة “إنما وُضعت لمصالح العباد في العاجل والآجل”، وهي عبارة تختزل فلسفة كاملة ترى في الدين مشروعاً لبناء الإنسان لا مجرد منظومة من الأوامر والنواهي.
وعلى هذا الأساس يغدو البحث في المشترك المقاصدي بين الأديان السماوية بحثاً في البنية الأخلاقية العميقة للوعي الديني الإنساني. إنه بحث في تلك الأرضية القيمية التي تجعل من الأديان – رغم اختلافها – روافد متعددة لنهر أخلاقي واحد. فحين تتلاقى الرسالات في الدعوة إلى العدل والرحمة والصدق وصيانة الكرامة الإنسانية، فإنها لا تؤسس فقط لشرائع دينية متمايزة، بل تسهم أيضاً في صياغة الضمير الأخلاقي للبشرية.
ومن هنا تكتسب دراسة المشترك المقاصدي أهمية خاصة في عالمنا المعاصر الذي يعيش أزمات أخلاقية حادة، حيث تتعرض القيم الإنسانية لضغوط شديدة بفعل التحولات السياسية والاقتصادية والتكنولوجية المتسارعة. ففي خضم هذا الاضطراب تبدو العودة إلى المقاصد الكبرى للأديان محاولة لاستعادة البعد الإنساني العميق للدين، وإعادة اكتشاف طاقته الأخلاقية القادرة على بناء جسور التفاهم بين الشعوب والثقافات.
إنّ المقاصد في معناها الفلسفي الواسع ليست مجرد غايات تشريعية، بل هي رؤية كونية للإنسان والعالم. فهي تعبير عن حكمة التشريع وعن إرادة الخير التي تشكل جوهر الرسالات السماوية. ولذلك فإنّ استكشاف المشترك المقاصدي بين هذه الرسالات يتيح لنا أن نرى الدين من زاوية أوسع، حيث لا يعود مجرد هوية دينية مغلقة، بل يصبح أفقاً أخلاقياً مشتركاً يمكن أن يلتقي فيه البشر على اختلاف معتقداتهم.
إنّ البحث في أثر هذا المشترك المقاصدي في منظومة القيم الإنسانية ليس مجرد تمرين فكري في المقارنة بين الأديان، بل هو محاولة للكشف عن تلك الجذور الروحية والأخلاقية التي غذّت الضمير الإنساني عبر القرون، وأسهمت في صياغة القيم التي ما تزال تشكل أساس الحياة المشتركة بين البشر. ففي عمق التجربة الدينية هناك دائماً دعوة متجددة إلى أن يكون الإنسان أكثر عدلاً ورحمةً ووعياً بمسؤوليته في هذا العالم، وهي الدعوة التي تجعل من المقاصد الدينية جسراً دائماً بين السماء والإنسانية.
وليس من المبالغة القول إنّ تاريخ الإنسان الديني هو في جوهره تاريخ البحث عن المعنى، ومحاولة تشييد نظام قيمي قادر على تنظيم علاقة الإنسان بربه وبالعالم وبغيره من البشر. فالأديان السماوية الكبرى – اليهودية والمسيحية والإسلام – لم تكن مجرد منظومات عقدية أو طقوسية، بل كانت قبل ذلك وبعده مشاريع أخلاقية كبرى تهدف إلى بناء إنسان صالح ومجتمع متوازن. ومن هنا كان من الطبيعي أن تتقاطع هذه الأديان في جملة من المقاصد الكبرى التي تشكل ما يمكن تسميته بـ”المشترك المقاصدي”، وهو ذلك الحقل الواسع من الغايات الأخلاقية والإنسانية التي تتفق عليها الرسالات السماوية وإن اختلفت في تفاصيل التشريع ومسالك التعبير.
إنّ فكرة المقاصد في ذاتها ليست مفهوماً فقهياً ضيقاً، بل هي تصور فلسفي عميق يربط التشريع بالحكمة، ويصل النص بالمصلحة، ويجعل من الدين مشروعاً لبناء الإنسان لا مجرد منظومة أوامر ونواهٍ. وقد عبّر عن هذا المعنى غير واحد من الفقهاء حين أكدوا أنّ الشريعة إنما وضعت لمصالح العباد. حيث يقول أبو إسحاق الشاطبي في كتابه الموافقات: “إنّ الشريعة إنما وُضعت لمصالح العباد في العاجل والآجل”، وهي عبارة أصبحت فيما بعد إحدى الركائز الكبرى للفكر المقاصدي. ويقول كذلك: “التكاليف كلها راجعة إلى حفظ مقاصدها في الخلق”، وهو تصريح واضح بأن الغاية من الدين ليست التضييق على الإنسان، بل حفظ إنسانيته وصيانة وجوده الأخلاقي.
غير أنّ هذه الفكرة لا تنتمي إلى الفكر الإسلامي وحده، بل يمكن العثور على نظائرها في الفكر الديني لدى الأديان السماوية الأخرى. فالفلسفة الدينية في اليهودية والمسيحية قامت بدورها على البحث في “روح الشريعة” أو “قصد الوصايا”. ويكفي أن نستحضر ما كتبه الفيلسوف اليهودي موسى بن ميمون في كتابه دلالة الحائرين حين تحدث عن الحكمة من الشرائع، مؤكداً أن مقصودها الأسمى هو “إصلاح النفس وإقامة العدل بين الناس”. ويكاد هذا التعبير أن يكون مطابقاً لما سيقوله بعد قرون الفقهاء في المقاصد .
إنّ هذا التقاطع في النظر إلى غايات التشريع يفتح الباب أمام فهم أعمق لطبيعة الأديان السماوية بوصفها تجارب روحية وأخلاقية تسعى إلى تأسيس إنسان مسؤول أخلاقياً. ولذلك فإن البحث في المشترك المقاصدي بين هذه الأديان لا ينبغي أن يُفهم بوصفه محاولة لتذويب الفوارق العقدية، بل باعتباره سعياً إلى الكشف عن تلك الأرضية الأخلاقية المشتركة التي تجعل من الدين قوةً حضارية في بناء القيم الإنسانية.
وقد أدرك كثير من المفكرين المعاصرين أهمية هذا البعد المقاصدي في فهم الأديان. يقول المفكر المغربي محمد عابد الجابري إنّ “الرسالات السماوية في جوهرها مشروع أخلاقي يهدف إلى تحرير الإنسان من العنف والظلم”، وهو تصور ينسجم مع ما ذهب إليه الفيلسوف الفرنسي بول ريكور حين اعتبر أنّ النصوص الدينية الكبرى تشكل “خزّاناً رمزياً للأخلاق الإنسانية”.
إنّ المشترك المقاصدي ليس مجرد فكرة نظرية، بل هو بنية عميقة في الوعي الديني الإنساني. فحين نتأمل النصوص التأسيسية في الأديان السماوية نجد أنّها تشترك في التأكيد على جملة من القيم الكبرى: العدل والرحمة وصيانة الحياة واحترام الكرامة الإنسانية وحفظ الأسرة وإقامة التضامن الاجتماعي. وهذه القيم ليست عناوين أخلاقية عامة فحسب، بل هي مقاصد تشريعية حقيقية تؤطر منظومات الأحكام في هذه الأديان.
إنّ مفهوم العدل مثلاً يحتل مكانة مركزية في الخطاب الديني عبر التاريخ. فالعدل في الفكر الديني ليس مجرد فضيلة أخلاقية، بل هو مبدأ كوني يقوم عليه نظام العالم. ففي التراث الإسلامي نجد قول ابن تيمية الشهير: “إنّ الله يقيم الدولة العادلة وإن كانت كافرة، ولا يقيم الدولة الظالمة وإن كانت مسلمة”. وهي عبارة تكشف عن أن قيمة العدل تتجاوز الحدود العقدية لتصبح معياراً إنسانياً عاماً.
ويكاد هذا المعنى نفسه يتكرر في التراث اليهودي حين يؤكد سفر التثنية: “العدل، العدل تتبع”، وهي صيغة تكرارية تعكس مركزية هذه القيمة في الوعي الديني. كما أن الفكر المسيحي بدوره جعل من العدالة أحد أعمدة الأخلاق الدينية، حيث اعتبر اللاهوتي الكبير توما الأكويني أنّ العدالة هي “الفضيلة التي تحفظ النظام بين الناس وتحقق الخير العام”.
إنّ هذا الاتفاق العميق حول مركزية العدل يكشف أن المقصد الأخلاقي في الأديان السماوية يتجه أساساً إلى بناء مجتمع إنساني متوازن. ولذلك لم يكن غريباً أن يربط الفقهاء بين التشريع والعدل باعتباره الغاية الكبرى للأحكام. يقول ابن القيم الجوزية في عبارته الشهيرة: “إنّ الشريعة مبناها وأساسها على الحكم ومصالح العباد في المعاش والمعاد، وهي عدل كلها ورحمة كلها ومصالح كلها”.
وإذا كان العدل يمثل البعد المؤسسي للقيم، فإن الرحمة تمثل بعدها الإنساني العميق. فالرحمة في الخطاب الديني ليست مجرد شعور عاطفي، بل هي مبدأ تشريعي يؤطر العلاقة بين الإنسان والإنسان. ولذلك نجد النصوص الدينية في مختلف الأديان السماوية تحث على الرفق بالضعفاء ورعاية الفقراء وإغاثة الملهوف.
وقد لاحظ المؤرخ البريطاني أرنولد توينبي أنّ الأديان الكبرى في التاريخ كانت دائماً مصدراً لتوسيع دائرة التعاطف الإنساني، إذ نقلت الإنسان من الولاء القبلي الضيق إلى الشعور بالمسؤولية تجاه الإنسانية جمعاء. وهذا التحول الأخلاقي هو في جوهره تعبير عن المقصد الرحمي في الأديان.
وفي الفكر الإسلامي ارتبطت الرحمة بمفهوم الاستخلاف، إذ اعتبر الإنسان مسؤولاً عن إعمار الأرض على أساس الرحمة والعدل. وقد عبّر عن هذا المعنى الفيلسوف الأندلسي ابن رشد حين أكد أن الشريعة تهدف إلى “تحصيل الفضائل الإنسانية التي بها قوام العمران”.
إنّ مفهوم العمران هنا يحيلنا إلى البعد الحضاري للمقاصد الدينية. فالأديان السماوية لم تكن مشاريع فردية للنجاة الروحية فحسب، بل كانت أيضاً مشاريع حضارية تهدف إلى تنظيم الحياة الإنسانية على أسس أخلاقية. وقد أدرك عبد الرحمن بن خلدون هذا البعد حين أكد في مقدمته أن الدين كان دائماً عاملاً حاسماً في بناء العمران البشري.
إنّ النظر في التاريخ يؤكد أن المجتمعات التي استلهمت القيم الدينية الكبرى – كالعدل والرحمة والصدق – استطاعت أن تبني نماذج حضارية أكثر توازناً. ولذلك فإن الحديث عن المشترك المقاصدي بين الأديان ليس مجرد بحث لاهوتي، بل هو أيضاً بحث في الأسس الأخلاقية للحضارة الإنسانية.
وقد حاول بعض المفكرين المعاصرين أن يؤسسوا لهذا المشترك على مستوى فلسفي. ومن أبرز هؤلاء المفكر الإيراني عبد الكريم سروش الذي يرى أن جوهر الأديان يكمن في “الأخلاق الروحية التي تتجاوز الحدود الطائفية”. كما ذهب المفكر المصري محمد عمارة إلى أن الرسالات السماوية تشترك في “مقاصد تحرير الإنسان من الظلم والاستعباد”.
إنّ هذه الرؤية المقاصدية تسمح بإعادة قراءة الأديان بوصفها منظومات أخلاقية متكاملة. فحين ننظر إلى الأحكام الدينية في ضوء مقاصدها الكبرى نكتشف أنها تتجه جميعاً نحو حفظ الإنسان في كليته: حفظ حياته وعقله وكرامته وعلاقاته الاجتماعية. وقد صاغ المقاصديون هذه الفكرة في نظرية الكليات الخمس التي تقوم على حفظ الدين والنفس والعقل والنسل والمال.
غير أنّ هذه الكليات نفسها يمكن العثور على نظائر لها في الأديان السماوية الأخرى. فحفظ الحياة مثلاً يمثل قيمة مركزية في التراث اليهودي والمسيحي، حيث يعتبر قتل النفس جريمة كبرى ضد الإرادة الإلهية. كما أن صيانة العقل تظهر في التشديد على الحكمة والمعرفة بوصفهما طريقين إلى إدراك الحقيقة. أما حفظ الأسرة والنسل فهو مقصد مشترك بين جميع الأديان، إذ ينظر إلى الأسرة باعتبارها النواة الأساسية للمجتمع.
إنّ هذا التشابه العميق بين المقاصد الدينية يعكس وحدة المصدر الإلهي للرسالات السماوية. ولذلك أكد كثير من العلماء أن اختلاف الشرائع لا يلغي وحدة الغاية. يقول فخر الدين الرازي إنّ “الشرائع وإن اختلفت في الصور فإنها متفقة في المقاصد”، وهي عبارة تلخص بدقة فكرة المشترك المقاصدي.
ويذهب بعض الباحثين المعاصرين إلى أن هذا المشترك يمكن أن يشكل أساساً لحوار ديني حقيقي بين الأديان. فبدلاً من التركيز على نقاط الاختلاف العقدي، يمكن الانطلاق من القيم المشتركة لبناء تعاون إنساني في مواجهة التحديات الأخلاقية المعاصرة.
وقد أكد الفيلسوف الألماني يورغن هابرماس أن المجتمعات الحديثة بحاجة إلى ما سماه “الموارد الأخلاقية للدين”، لأن العقل الأداتي وحده لا يكفي لبناء منظومة قيم إنسانية متماسكة. وهذا التصور يعيد الاعتبار للدين بوصفه مصدراً حياً للقيم الإنسانية.
إنّ التأمل في المشترك المقاصدي بين الأديان السماوية يقودنا في النهاية إلى إدراك حقيقة عميقة مفادها أن الإنسان رغم اختلاف ثقافاته وتقاليده، يشترك في تطلع أخلاقي واحد نحو الخير والعدل والرحمة. فالدين في جوهره ليس إلا تعبيراً عن هذا التطلع العميق إلى عالم أكثر إنسانية.
وهذا ما يجعل المقاصد الدينية قادرة على تجاوز الحدود التاريخية والثقافية لتصبح جزءاً من التراث الأخلاقي للإنسانية جمعاء. ولذلك فإن دراسة هذا المشترك المقاصدي ليست مجرد بحث في تاريخ الأديان، بل هي أيضاً محاولة لفهم الأسس الأخلاقية التي يمكن أن تقوم عليها حضارة إنسانية أكثر عدلاً ورحمة.
غير أنّ الحديث عن المشترك المقاصدي بين الأديان السماوية لا يكتمل دون النظر في الطريقة التي تحولت بها هذه المقاصد إلى منظومة قيم إنسانية عامة تتجاوز الإطار الديني الخاص، لتغدو جزءاً من الوعي الأخلاقي الكوني. فالقيم الكبرى التي جاءت بها الرسالات السماوية لم تبقَ حبيسة النصوص المقدسة، بل تحولت عبر التاريخ إلى معايير أخلاقية ومبادئ حضارية تشكل أساس الحياة المشتركة بين البشر. إنّ العلاقة بين المقاصد الدينية والقيم الإنسانية ليست علاقة عرضية أو ثانوية بل هي علاقة تأسيسية عميقة، لأن الأديان – في جوهرها – كانت دائماً أحد أهم مصادر الأخلاق في التاريخ الإنساني.
لقد لاحظ كثير من المؤرخين أنّ القيم التي تُعد اليوم جزءاً من الضمير الأخلاقي العالمي – مثل كرامة الإنسان واحترام الحياة وإغاثة الضعفاء وتحريم الظلم – إنما تشكلت في الأصل داخل الأطر الدينية الكبرى. يقول المؤرخ الأمريكي ويل ديورانت في موسوعته الشهيرة قصة الحضارة: “إنّ الأديان كانت المدرسة الأولى للأخلاق، وفي كنفها تعلّم الإنسان معنى الخير والشر”. وهذه الملاحظة التاريخية تبيّن أن الدين لم يكن مجرد ظاهرة روحية، بل كان أيضاً مؤسسة تربوية وأخلاقية أسهمت في صياغة الضمير الإنساني.
إنّ المقاصد الكبرى للأديان السماوية قد تحولت عبر الزمن إلى ما يشبه القواعد الأخلاقية المشتركة بين الثقافات. فحين نتأمل مثلاً مبدأ كرامة الإنسان نجد أنه يشكل حجر الزاوية في الأخلاق الدينية. وقد عبّر القرآن عن هذه الفكرة في صيغة شاملة حين أكد تكريم الإنسان بوصفه إنساناً، وهو تصور يتقاطع مع ما نجده في الفكر الديني اليهودي والمسيحي من التأكيد على أن الإنسان مخلوق على صورة الله.
وقد ذهب الفيلسوف الألماني إيمانويل كانط إلى اعتبار كرامة الإنسان أساس الأخلاق كلها، إذ يرى أن الإنسان يجب أن يُعامل دائماً بوصفه غاية لا وسيلة. ورغم أن هذا المبدأ صيغ داخل إطار فلسفي عقلاني، فإن جذوره العميقة تمتد إلى التراث الديني الذي جعل من الإنسان كائناً مكرماً ومسؤولاً أخلاقياً.
إنّ هذا التحول من المقصد الديني إلى القيمة الإنسانية يبرز بوضوح في مسألة صيانة الحياة. فحفظ النفس يمثل في الفكر المقاصدي أحد أهم الكليات التي يقوم عليها التشريع. وقد أكد علماء الإسلام هذه الفكرة بعبارات واضحة، حتى قال العز بن عبد السلام إنّ “المصالح كلها ترجع إلى جلب المنافع ودفع المضار عن العباد”، وهو تعريف يكاد يختزل فلسفة المقاصد في حماية الحياة الإنسانية.
ويكاد هذا المعنى يتكرر في النصوص الدينية الأخرى، حيث يُنظر إلى الحياة باعتبارها عطية إلهية ينبغي صيانتها. ولذلك كانت جريمة القتل من أعظم الجرائم في الشرائع السماوية جميعاً، لأنها تمثل اعتداءً على النظام الأخلاقي الذي أراده الله للعالم. وقد لاحظ هنري برغسون أن الأديان الكبرى ساهمت في ترسيخ احترام الحياة الإنسانية عبر توسيع دائرة التعاطف الأخلاقي لتشمل جميع البشر.
إنّ هذه الفكرة تقودنا إلى مقصد آخر من المقاصد المشتركة بين الأديان وهو مقصد التضامن الإنساني. فالأديان السماوية لم تكتفِ بوضع قواعد أخلاقية فردية، بل سعت إلى بناء مجتمع يقوم على التكافل والتعاون. ولذلك نجد أن النصوص الدينية في مختلف التقاليد تحث على مساعدة الفقراء وإغاثة المظلومين ورعاية المحتاجين.
وقد أشار عالم الاجتماع الفرنسي إميل دوركايم إلى أن الدين يؤدي وظيفة اجتماعية أساسية تتمثل في تعزيز التضامن بين أفراد المجتمع. فالقيم الدينية لا تعمل فقط على توجيه السلوك الفردي، بل تسهم أيضاً في بناء الروابط الاجتماعية التي تحفظ تماسك المجتمع.
وفي الفكر الإسلامي ارتبط هذا التضامن بمفهوم الأمة، حيث يُنظر إلى المجتمع باعتباره كياناً أخلاقياً يقوم على التعاون والتكافل. وقد عبّر الماوردي عن هذا المعنى حين اعتبر أن مقصود الشريعة في تنظيم المجتمع هو تحقيق المصلحة العامة وصيانة النظام الاجتماعي.
غير أنّ المقاصد الدينية لا تتوقف عند حدود العلاقات الاجتماعية، بل تمتد أيضاً إلى مجال المعرفة والعقل. فحفظ العقل يعد من المقاصد الأساسية التي أكد عليها علماء المقاصد، لأن العقل هو الأداة التي يدرك بها الإنسان الحقيقة ويهتدي بها إلى الخير. ولذلك كان تحريم كل ما يفسد العقل أو يعطل قدرته على التفكير جزءاً من فلسفة التشريع.
وقد ذهب أبو حامد الغزالي إلى أن العقل هو أساس التكليف، وأن الشريعة جاءت لتكميل هدايته لا لإلغائه. فيما معناه أن “العقل أصل النقل، فبه يُعرف صدق الرسول”، وهو معنى يعكس توازناً عميقاً بين العقل والوحي في الفكر الإسلامي.
وهذا التوازن نفسه يمكن العثور عليه في التراث المسيحي، حيث أكد اللاهوتي توما الأكويني أن العقل والوحي لا يتعارضان، لأن كليهما صادر عن الحقيقة الإلهية. وقد كان لهذا التصور أثر عميق في تطور الفكر الفلسفي في أوروبا الوسيطة.
إنّ هذا التلاقي بين العقل والدين يكشف أن المقاصد الدينية لا تهدف إلى تعطيل الفكر، بل إلى توجيهه نحو الخير. إنّ المقصد المعرفي للأديان يتمثل في تحرير الإنسان من الجهل والضلال، وتمكينه من إدراك الحقيقة الأخلاقية للعالم.
ومن المقاصد الكبرى التي تشترك فيها الأديان السماوية أيضاً مقصد العدل الاجتماعي. فالعدالة في الفكر الديني ليست مجرد تنظيم قانوني للعلاقات، بل هي تعبير عن الإرادة الإلهية في إقامة التوازن بين البشر. وقد أكد كثير من الفقهاء أن الظلم هو أخطر ما يهدد استقرار المجتمعات.
يشير ابن خلدون إلى أنّ “الظلم مؤذن بخراب العمران”، وهي عبارة تختصر فلسفة عميقة في فهم العلاقة بين الأخلاق والسياسة. فالمجتمعات التي تقوم على الظلم سرعان ما تفقد تماسكها الداخلي، لأن الظلم يقوض الثقة بين الناس ويؤدي إلى انهيار النظام الاجتماعي.
ومن هنا كان العدل أحد أهم المقاصد التي تسعى الأديان إلى تحقيقها في الحياة الإنسانية. فالعدل ليس مجرد فضيلة فردية، بل هو شرط أساسي لقيام الحضارة. وقد لاحظ المؤرخ البريطاني أرنولد توينبي أن الحضارات التي فقدت روحها الأخلاقية كانت دائماً عرضة للانهيار.
إنّ هذا الترابط بين المقاصد الدينية وبقاء الحضارات يكشف أن الدين لعب دوراً أساسياً في تشكيل الضمير الأخلاقي للبشرية. ولذلك فإنّ القيم التي تنادي بها الأديان – كالعدل والرحمة والصدق – ليست مجرد تعاليم روحية، بل هي أيضاً شروط ضرورية لاستمرار الحياة الإنسانية في صورتها الحضارية.
غير أنّ أهمية المشترك المقاصدي تبرز بصورة خاصة في العالم المعاصر، حيث تواجه الإنسانية تحديات أخلاقية غير مسبوقة. فالتطور التكنولوجي الهائل والتحولات الاقتصادية العميقة والصراعات السياسية المتعددة، كلها تطرح أسئلة جديدة حول مستقبل القيم الإنسانية.
وفي هذا السياق يرى الفيلسوف الألماني يورغن هابرماس أن المجتمعات الحديثة بحاجة إلى حوار عميق بين العقلانية الحديثة والتراث الديني، لأن القيم التي يحملها الدين يمكن أن تسهم في إثراء الأخلاق العامة. وهو ما سماه بـ”الترجمة المتبادلة” بين اللغة الدينية واللغة الفلسفية.
إنّ هذا التصور يفتح آفاقاً جديدة لفهم دور الأديان في العالم المعاصر. فبدلاً من النظر إليها باعتبارها مصدراً للصراع، يمكن فهمها بوصفها خزّاناً للقيم الأخلاقية التي يحتاج إليها الإنسان في مواجهة الأزمات الحديثة.
وقد ذهب المفكر المغربي طه عبد الرحمن إلى أن الأزمة الأخلاقية في العالم المعاصر تعود أساساً إلى انفصال الحداثة عن جذورها الروحية. ولذلك دعا إلى إعادة الاعتبار للأخلاق الدينية بوصفها أساساً لبناء إنسانية جديدة تقوم على المسؤولية والرحمة.
إنّ فكرة المسؤولية هنا تمثل أحد أهم الأبعاد المقاصدية في الأديان السماوية. فالإنسان في التصور الديني ليس كائناً حراً بلا قيود، بل هو كائن مسؤول عن أفعاله أمام الله وأمام المجتمع. وهذه المسؤولية هي التي تمنح الحرية معناها الأخلاقي.
وقد أكد الفيلسوف اليهودي إيمانويل ليفيناس أن الأخلاق تبدأ من الشعور بالمسؤولية تجاه الآخر، وهو تصور يتقاطع بوضوح مع القيم الدينية التي تجعل من رعاية الآخر واجباً أخلاقياً.
إنّ هذه الرؤية الأخلاقية المشتركة بين الأديان السماوية تشكل في النهاية أساس ما يمكن تسميته بالأخلاق الإنسانية الكونية. فحين تتلاقى المقاصد الدينية حول حماية الإنسان وصيانة كرامته، فإنها تسهم في بناء منظومة قيم قادرة على تجاوز الحدود الثقافية والدينية.
وهكذا يظهر أن المشترك المقاصدي بين الأديان السماوية ليس مجرد فكرة نظرية في علم الأديان، بل هو أساس حقيقي لإقامة حوار حضاري بين الشعوب والثقافات. فالقيم التي تجمع البشر – كالعدل والرحمة والصدق – أقوى بكثير من الاختلافات التي تفرقهم.
وإذا كان التاريخ قد شهد صراعات كثيرة باسم الدين، فإنّ ذلك لا يلغي الحقيقة العميقة التي تؤكدها دراسة المقاصد، وهي أن الرسالات السماوية جاءت في أصلها لبناء الإنسان وإقامة العدل ونشر الرحمة في العالم.
إنّ مستقبل الإنسانية قد يكون أكثر أمناً وعدلاً إذا استطاعت الشعوب أن تستعيد هذا المشترك المقاصدي الذي يجمع بين الأديان، وأن تحوله إلى مشروع أخلاقي عالمي يضع الإنسان في مركز الاهتمام.
فالأديان رغم اختلاف لغاتها اللاهوتية، تتفق في النهاية على فكرة بسيطة وعميقة في آن واحد: أن الإنسان كائن مكرم وأن الحياة الإنسانية يجب أن تقوم على العدل والرحمة والتعاون. وهذه الفكرة في جوهرها هي ما يمنح القيم الإنسانية معناها العميق، ويجعل من الدين أحد أهم مصادر الإلهام الأخلاقي في تاريخ البشرية.
التعليقات