المركزية الجيوسياسية والواقعية الرشيدة: إدارة المصالح في عالم القوة

21 أبريل 2026

علي البلوي

تقتضي الضرورة الاستراتيجية القصوى عند التعامل مع القوى الإقليمية المتداخلة، وتحديداً تجاه إيران وتركيا، الانعتاق التام والناجز من أسر الانفعالات العاطفية والتفسيرات المذهبية أو الأيديولوجية الضيقة التي لا تُسمن ولا تُغني من جوع في صراع الإرادات.

إن التحول نحو “رشد سياسي” حقيقي يرتكز في جوهره على قراءة باردة ودقيقة لموازين القوى، وهي القراءة التي أسس لها كبار منظري المدرسة الواقعية (Realism) أمثال هانس مورجنثاو وجون ميرشايمر هؤلاء العلماء يؤكدون بما لا يدع مجالاً للشك أن الدولة في ماهيتها الوجودية هي كائن يبحث عن تعظيم مصالحه الوطنية والقومية أولاً وأخيراً.

وهي حقيقة موضوعية تفرض على صانع القرار إدراك أن العلاقات الدولية ليست مبرات خيرية ولا مؤسسات ضمان اجتماعي تُعنى بالحقوق الأخلاقية، بل هي ساحة صراع محتدم ومنافسة شرسة على الموارد والنفوذ وبناء المجالات الحيوية كما وصفها كارل هاوسهوفر في نظريته حول “المجال الحيوي”.

من هذا المنطلق، يصبح الشكل أو الزي الثقافي والخطاب الديني الذي يتبناه قادة هذه الدول مجرد قشور خارجية وأدوات تعبئة جماهيرية؛ فسواء تحدثت تلك القوى عن التضامن الإسلامي أو الروابط التاريخية، فهي في المحصلة النهائية تتحرك تأميناً لمصالحها القومية الخاصة، وتسعى لتعزيز مكانتها الجيوسياسية حتى لو جاء ذلك على حساب مصالحنا المباشرة.

وما تلك الشعارات إلا “تغليف استراتيجي” وأدوات تسويقية ذكية تهدف لتمرير الأجندات الصلبة وتقليل تكلفة التمدد عبر اختراق العواطف قبل الجغرافيا، وهو ما يسميه علماء السياسة بـ البراغماتية الجيوسياسية حيث تُستخدم الأيديولوجيا كأداة براغماتية لا كغاية أخلاقية.

إن هذه الواقعية السياسية تنطلق من وعي عميق بأن العربي يمتلك تجربة تاريخية ضاربة وممتدة في جذور الحكم والسيادة، ولديه من المرتكزات الجيوسياسية والمقومات المادية ما يجعله قادراً على فرض شروطه وإعادة صياغة قواعد اللعبة في المنطقة.

إن امتلاك الأدوات المادية والجغرافية الهائلة، من ممرات مائية وثروات طبيعية وموقع يمثل “قلب العالم” النابض، يمنح العقل العربي القدرة على الصمود الفاعل وعدم الاستكانة للضغوط الدولية أو الإقليمية، ويؤهله ليكون رقماً صعباً في المعادلة الدولية يمتلك فائضاً من القوة يجعل حضوره وتأثيره ضرورة استراتيجية عالمية لا يمكن تجاوزها أو القفز عليها.

ويرى خبراء الجيوسياسية المعاصرون أن “العقلانية” في التحليل تفرض تفكيك الخطاب الدعائي للقوى الإقليمية وإعادته إلى مربعه النفعي الأول، مع ضرورة تحصين العقل الجمعي العربي من تأثير الفئات “المستلبة” والمغرر بها محلياً، أولئك الذين اختطفت عقولهم الشعارات البراقة وخضعوا لتأثير قوى محلية تمارس “التخادم الدولي” الواضح على حساب أوطانها ومستقبل شعوبها.

إن تحصين المجتمع يبدأ بإرساء عقيدة وطنية راسخة قوامها “المصلحة الوطنية أولاً”، وتعرية الأقنعة الأيديولوجية التي تُستخدم كحصان طروادة للاختراق الجيوسياسي وتفتيت الجبهات الداخلية، فالعالم المعاصر هو “غابة جيوسياسية” لا تحترم إلا القوي والرشيد الذي يحسن استخدام أدواته.

إن بناء علاقة مستقرة ومنتجة مع الجوار لا يتأتى عبر الاستجداء القانوني أو التعويل على مفاهيم “حسن الجوار” بصورتها المثالية التقليدية، بل عبر خلق توازن الردع” (Balance of Power) وهي القاعدة الذهبية التي نادى بها هنري كيسنجر وعلماء الجيوبولتكس لضمان الاستقرار الإقليمي.

إن خلق شبكة مصالح متبادلة تجعل من تكلفة الصدام مع المصالح العربية باهظة ومؤلمة هو السبيل الوحيد لفرض الاحترام المتبادل. إن الدولة العربية الرشيدة هي التي تدرك يقيناً أن العلاقات الدولية هي “فن إدارة الضرورات والممكنات”، حيث يتم التعامل مع كافة اللاعبين كأطراف في رقعة شطرنج جيوسياسية معقدة، العبرة فيها دائمًا لمن يملك الأدوات الأقوى، والنفس الأطول، والقدرة على المناورة الاستراتيجية بوعي وفهم لسنن القوة المادية على الأرض.

التعليقات
لا يوجد تعليقات بعد.

أي مغرب نحتاج بعد الحرب؟

عمر العمري تفرض الحرب المدمرة التي دارت خلال الأسابيع الماضية بين الولايات المتحدة و”إسرائيل” من جهة، وإيران و”حزب الله” من جهة أخرى، على المغرب، وهو يراقب من أقصى الغرب العربي هذا التحول العنيف في موازين الصراع، وقفة تأمل عميقة لاستخلاص العبر، ومراجعة الواقع الوطني، وتشخيص مجالات النقص والضعف، وصياغة عناصر القوة التي ينبغي بناؤها في […]

استطلاع رأي

هل أعجبك التصميم الجديد للموقع ؟

عرض النتائج

جاري التحميل ... جاري التحميل ...