القرآن والبحث والباحث والمبحوث في الفضاء الأكاديمي والثقافي العربي المسلم (2/3)

القرآن والبحث والباحث والمبحوث في الفضاء الأكاديمي والثقافي العربي-المسلم؛
اختلالات بنية التلقي المعرفي وآفاق استئنافها. المقالة السادسة (2/3)
فلسفة القراءة بين الوصل القرآني والانقطاع الحداثي: تذكرات في سورة العلق
الدكتور رفيق الناوي
المحور الثاني: ربوبية الخطاب وإنسانية المخاطَب؛ القراءة بين الخصوصية والكونية
مدخل: حين يُخاطَب واحد ويُقصد الجميع
في البنية القرآنية التي تفتتح بها سورة العلق دقيقة لغوية وبلاغية لا ينبغي إغفالها لمن يُريد فهم فلسفة القراءة القرآنية في عمقها؛ الكاف في “ربك” تشير إلى المخاطَب المعيّن، لكن “الإنسان” في الآية التالية يتجاوز هذا التعيين إلى الكلية.
لم يقل النص: “خَلَقَكَ مِنْ عَلَقٍ”، وإن كان المخاطَب الأول هو النبي الكريم صلى الله عليه وآله؛ بل قال: ﴿خَلَقَ الْإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ﴾. وهذا التحول من الخطاب الخاص إلى الإخبار الكلي ليس تفصيلاً تعبيرياً بل هو حركة أنطولوجية في صميم الآية: إشارة إلى أن مشروع القراءة الذي يُفتتح بهذا الوحي ليس مشروعاً نبوياً خاصاً، ولا إسلامياً محدوداً في انتمائه، ولا عربياً في أدواته، بل هو مشروع إنساني كوني يُعنى بالإنسان بما هو إنسان، مخلوق من علق، مفتقر في أصله، متعلّق في نشأته، باحث عن معنى يخرجه من التيه والضلال والانغلاق.
أولاً: ربوبية الخطاب؛ العلاقة الخاصة التي لا تنغلق
﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾.
الكاف في “ربك” تُؤسّس لعلاقة مخصوصة: بين القارئ وربه، بين الذات العارفة ومصدر الوجود والهداية. وهذه العلاقة ذات طرفين متميّزين لا يُختزل أحدهما في الآخر: الرب ربٌّ، والعبد عبد. وفي هذا التميّز قوام العلاقة المعرفية التي يُؤسّس لها الوحي؛ لا حلول ولا اندماج يُلغي الفارق، بل حضور في ظلّ الربوبية يُعطي الفعل المعرفي وجهته دون أن يُلغي استقلالية الباحث في اشتغاله.
وهذه الربوبية -كما بينت الفقرة الخاصة بالباء- ليست زينةً لفظية تُلحق فعل القراءة افتتاحاً وتُطرح لاحقاً، بل هي الشرط العميق الذي يجعل القراءة قراءةً هادية؛ فالقراءة بلا أفق الربوبية قد تتراكم وتتوسّع وتُنتج كماً هائلاً من المعرفة -وقد أنتجت الحداثة هذا الكم فعلاً- لكنها قراءة تفتقر إلى ما يُعطيها وجهتها النهائية: ما الذي نقرأ من أجله؟ وإلى أين ننتهي بما قرأنا؟ وكيف نحمل ما تعلّمنا حملَ الأمين لا حمل المستبدّ؟
وفي غياب هذا الأفق تتحوّل القراءة إلى ما وصفه فيبر بـ”العقل الأداتي”: يعرف كيف لكنه لا يعرف لماذا، ويتقن الوسائل لكنه يعجز عن الغايات (Weber, 1919/1946). وهذا بالضبط ما يُؤسّس له استحضار “ربّك” في الآية لمنعه: ألا تتحوّل القراءة من طريق إلى الكمال إلى أداة للتيه. هنا يكمن أدق ما في هذه الآيات من ناحية البناء: المخاطَب الأول هو النبي صلى الله عليه وسلم، والكاف في “ربك” تُؤكد هذه الخصوصية. لكن حين انتقل النص إلى الحديث عن المخلوق الذي قرأ باسم خالقه لم يقل: ﴿خَلَقَكَ مِنْ عَلَقٍ﴾ بل قال: ﴿خَلَقَ الْإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ﴾.
هذا التحول من ضمير المخاطَب المفرد إلى الاسم الكلي “الإنسان” ليس اختياراً أسلوبياً عابراً، بل هو حركة أنطولوجية في صميم النص: إعلان بأن مشروع القراءة الذي يفتتحه الوحي لا ينحبس في خصوصية المتلقي الأول ولا يُحتجز بحدود جماعته ولا يُقيَّد بإطار ثقافته. النداء وجّهه الله إلى نبيّه في لحظة تاريخية محددة، لكن الموضوع الذي يدور حوله هذا النداء هو الإنسان — ذلك الكائن الكلي المشترك الذي تتسع له الإنسانية كلها.
والنبي صلى الله عليه وسلم في هذا الفهم ليس نهاية الخطاب بل بابه إلى الإنسانية: حاضر في مقام التلقي الأول بما هو رسول، لكن الرسالة تتجاوز الرسول في امتدادها وتبلغ كل من خُلق من علق؛ أي كل إنسان بما هو إنسان. وقد أشار الفخر الرازي إلى شيء من هذا المعنى حين قال إن القرآن يخاطب النبي وهو يقصد الأمة، وكثيراً ما يُورد الخاص ليعمّ به الحكم (الفخر الرازي، مفاتيح الغيب، 32/310).
وهذا ما يجعل هذه الآيات تأسيساً إنسانياً لا طائفياً لا نه تخاطب كل انسان وتعلمه كما تذكره قائلة: أنت مخلوق من علق، مفتقر في أصلك، متعلّق في نشأتك، ولا تكتمل إنسانيتك إلا بقدر ما تتصل بمصدر خلقك وهدايتك وتعليمك؛ إنها لا تخاطب المسلم (بالمعنى التشريعي) وحده ﴿وَأَنزَلۡنَآ إِلَيۡكَ ٱلۡكِتَٰبَ بِٱلۡحَقِّ مُصَدِّقٗا لِّمَا بَيۡنَ يَدَيۡهِ مِنَ ٱلۡكِتَٰبِ وَمُهَيۡمِنًا عَلَيۡهِۖ فَٱحۡكُم بَيۡنَهُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُۖ وَلَا تَتَّبِعۡ أَهۡوَآءَهُمۡ عَمَّا جَآءَكَ مِنَ ٱلۡحَقِّۚ لِكُلّٖ جَعَلۡنَا مِنكُمۡ شِرۡعَةٗ وَمِنۡهَاجٗاۚ وَلَوۡ شَآءَ ٱللَّهُ لَجَعَلَكُمۡ أُمَّةٗ وَٰحِدَةٗ وَلَٰكِن لِّيَبۡلُوَكُمۡ فِي مَآ ءَاتَىٰكُمۡۖ فَٱسۡتَبِقُواْ ٱلۡخَيۡرَٰتِۚ إِلَى ٱللَّهِ مَرۡجِعُكُمۡ جَمِيعٗا فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمۡ فِيهِ تَخۡتَلِفُونَ﴾ (المائدة: 48)، ولا تقول له على نحو التخصيص والحصر “اقرأ باسم ربك” بل تقول للإنسان (المسلم بالمعنى الديني) كله ﴿وَمَن يَبۡتَغِ غَيۡرَ ٱلۡإِسۡلَٰمِ دِينٗا فَلَن يُقۡبَلَ مِنۡهُ وَهُوَ فِي ٱلۡأٓخِرَةِ مِنَ ٱلۡخَٰسِرِينَ﴾ (آل عمران: 85)، ولقد جاء على لسان سيدنا يوسف قوله بأسلوب التضرع والدعاء؛ ﴿۞رَبِّ قَدۡ ءَاتَيۡتَنِي مِنَ ٱلۡمُلۡكِ وَعَلَّمۡتَنِي مِن تَأۡوِيلِ ٱلۡأَحَادِيثِۚ فَاطِرَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ أَنتَ وَلِيِّۦ فِي ٱلدُّنۡيَا وَٱلۡأٓخِرَةِۖ تَوَفَّنِي مُسۡلِمٗا وَأَلۡحِقۡنِي بِٱلصَّٰلِحِينَ﴾ (يوسف: 101) ممّا يجعل صفة المسلم ودين الإسلام دين كل الأنبياء وهذاما تؤكده أكثر من آية.
لقد جمع النص القرآني في سورة العلق ﴿اقرأ باسم ربك… خَلَقَ الْإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ﴾ بين خصوصية النداء وكونية المقصد في آنٍ معاً: النداء جاء إلى النبي في لحظة من التاريخ، في غار بعينه، في ليلة من الليالي، لكن الموضوع لم يكن النبي وحده بل الإنسان؛ ذلك الكائن الكلي المشترك الذي يمتد وجوده عبر الزمان والمكان.
وعليه، فإن مشروع القراءة القرآني هو مشروع إنساني في بنيته الأصيلة: يُعنى بالإنسان لأنه إنسان؛ وهذا البُعد الكوني لمشروع القراءة له أبعاد معرفية حاسمة في سياق إشكاليتنا:
أولاً: يعني أن ما يُنتجه الباحث المسلم من معرفة -حين ينطلق من أفقه القرآني- ليس معرفةً طائفية أو ثقافية أو دفاعية. بل هو إسهام في المعرفة الإنسانية من موقع خاص ينفتح على مقصد كوني: فهم الإنسان في حقيقة تعلّقه وعلاقيّته وافتقاره، وهو فهم يُعنى بالإنسان كله لا بالمسلم وحده.
ثانياً: يعني أن الحوار الذي يُجريه هذا البحث مع المنظومات المعرفية الغربية ليس حواراً دفاعياً يُريد الانتصار لموقف. بل هو في جوهره حوار حول صورة الإنسان: من الإنسان؟ وما طبيعته الأصيلة؟ وما الذي يُكمله ويصونه وما الذي يُفسده ويمسخه؟ وهذا سؤال يعنى بالإنسانية كلها لا بجماعة بعينها.
ثالثاً: يعني أن الأفق القرآني للمعرفة -حين يُقدَّم بهذا المعنى- لا يُدّعى له الاحتكار الحضاري. لا يُقال: “المعرفة الصحيحة عند المسلمين وحدهم”. بل يُقال: “ثمة رؤية للإنسان يُؤسّسها القرآن تُسهم في الحوار الإنساني الكبير حول من هو الإنسان وكيف تُصان كرامته وكيف تُحقَّق غايته”. وهذا الإسهام يُقدَّم للإنسانية ما يستأنفها لا ما يصادرها أو يُفرض عليها.
ثانياً: الانفصال عن الربوبية ليس حياداً؛ بل ضلال عن الوظيفة
من أبلغ ما تُفيده هذه الآية أن الانفصال عن الربوبية لا يُنتج حياداً معرفياً بل ينقل القراءة من وضع الهداية إلى وضع التيه. ليس لأن القارئ المنفصل يتوقف عن الإنتاج -قد يُنتج أكثر – بل لأنه يفقد معيار التمييز بين ما يبني الإنسان وما يمسخه، بين ما يُعين على الاستخلاف وما يُفضي إلى الاستلاب.
وهذه الفكرة ذات أهمية بالغة في سياق إشكاليتنا: فالباحث المسلم الذي يُعلّق مرجعيته القرآنية عند باب المختبر لا يُصبح بذلك باحثاً محايداً، بل يُصبح باحثاً فاقداً للبوصلة التي تُمكّنه من تمييز اتجاهاته في الفضاء المعرفي الرحب. وهذا الفقدان لا يظهر في الأعمال الجزئية — قد تبدو سليمة في فروضها ومناهجها ونتائجها — لكنه يظهر في الخلاصة الكلية: في أين يُفضي تراكم هذا الإنتاج، وأي صورة من صور الإنسان يُعيد إنتاجها جيلاً بعد جيل.
وقد أشار الشاطبي في الموافقات إلى مبدأ قريب حين تحدث عن ضرورة النظر في مآلات الأفعال لا في صورها الآنية فحسب، فالأفعال المشروعة إذا كان ظاهرها الجواز ولكنها تُفضي إلى مفسدة فهي مردودة. (الشاطبي، الموافقات، 4/194). وبالتوازي فإن المعرفة التي تبدو سليمة في صورتها الإجرائية لكنها تُفضي في مآلاتها إلى مسخ الإنسان وتفكيك وحدته الوجودية فهي معرفة فقدت بوصلتها حين انفصلت عن الأفق الربوبي الذي يُمكّن من رؤية المآل لا الصورة فحسب.
ثالثا: القراءة الكونية؛ نقد التأليه والانغلاق معاً
ما تُقدّمه هذه الآية بجمعها بين الكاف الخاصة و”الإنسان” الكلية هو نقد مزدوج يستحق الوقوف:
نقد أول: نقد تأليه الإنسان؛
القراءة التي تبدأ من الإنسان لتنتهي إليه -التي تجعل العقل البشري مبدأها ومنتهاها- تُؤلّه الإنسان من حيث لا تقصد: تجعله المقياس الذي لا مقياس فوقه، والغاية التي لا غاية بعدها. وهذا التأليه -في ثوب العقلانية والإنسانوية- هو ما رصده نيتشه حين أعلن موت الإله وطالب بعودة الإنسان الأعلى (Nietzsche, 1883/1969)، وهو ما فكّكه ما بعد الحداثيون حين وجدوا أن “الإنسان” الحداثي بناء خطابي لا حقيقة أنطولوجية.
غير أن نقدهم لم يُنقذ الإنسان بل أفضى إلى تذرير الإنسان وإسالته وتبخيرة ثم مسخه لا إلى إنقاذه أو تحريره. أما القراءة القرآنية فتُنقذ الإنسان من التأليه لا بتفكيكه بل بردّه إلى حقيقة تعلّقه بالرب: عظمته لا تلغي فقره، وعلمه لا يلغي افتقاره.
نقد ثانٍ: نقد الانغلاق الهوياتي؛
القراءة التي تنطلق من الهوية لتحتكرها -التي تجعل من المعرفة سلاحاً في الصراع الهوياتي- هي قراءة تُضيّق ما أراد القرآن توسيعه. فالآية لم تقل “خلقك” بل قالت “خلق الإنسان”، وهذا الانفتاح على الإنسانية ينبغي أن يُشكّل روح الباحث المنطلق من القرآن: لا يبحث لينتصر لجماعته بل ليُسهم في فهم الإنسان -كل إنسان- بما يصونه ويُعينه على بلوغ كماله.
رابعا: القراءة والرحمة الكونية؛ الأفق الذي يختمه المحور
ختاماً، يُفصح هذا الاستطراد عن بُعد أخير في فلسفة القراءة القرآنية: القراءة في هذا الأفق لا تريد أن تُضيف معرفةً إلى معارف العالم بمعنى التراكم الكمي -وإن كان التراكم المعرفي مطلوباً في ذاته- بل تريد أن تعيد وصل العالم بأفقه الرحموتي والربوبي؛ بمعنى أن تجعل من المعرفة طريقاً إلى الرحمة لا أداةً للسيطرة، ومن القراءة سبيلاً إلى الهداية لا تراكماً للقوة، ومن الإنسان مشروعاً مفتوحاً على كماله لا كائناً مستهلَكاً داخل دوائر التقنية والمنفعة والهيمنة.
وهذا المعنى يستحضر بعمق ما أشار إليه طه عبد الرحمن في مفهوم الائتمانية؛ إذ المعرفة أمانة يحملها الإنسان لا ملكية يمتلكها، والباحث مستأمَن على ما أُعطيه من فهم وعلم، مسؤول أمام الله والناس عن كيفية أداء هذه الأمانة (طه عبد الرحمن، روح الدين، 2012، ص.147-153). وهذه الائتمانية هي الترجمة العملية لما تُؤسّسه الآية: القراءة باسم الرب الخالق تعني أن تحمل معرفتك حمل الأمين لا حمل المتسلط.
فالقراءة التي تبدأ باسم الرب الخالق لا تبدأ من الإنسان لتُؤلّه الإنسان، ولا تبدأ من العالم لتُغلقه على قوانينه الصماء، بل تبدأ من الاسم ثم تعود إلى الإنسان المخلوق من علق حتى يتذكر أن عظمته لا تلغي فقره وأن علمه لا يلغي افتقاره وأن كماله لا يتحقق بالانفصال عن أصل وجوده بل بالاتصال به والقراءة باسمه والسير في ظلال ربوبيته.




التعليقات