القرآن والبحث والباحث والمبحوث؛ في اختلالات بنية التلقي وآفاق الاستئناف (8)

د. رفيق الناوي
سلسلة القرآن والبحث والباحث والمبحوث؛ في اختلالات بنية التلقي وآفاق الاستئنا: المقالة الثامنة
القرآن كتاب هداية كبرى لا موسوعة تفاصيل
مدخل: سوء الفهم الذي يُشلّ المشروع قبل انطلاقه
من أكثر الاعتراضات التي تواجه كل مشروع يدعو إلى جعل القرآن أفقاً مؤسِّساً للمعرفة اعتراضٌ يأتي في صيغة السؤال الآتي: كيف يُؤسَّس البحث في الفيزياء أو علم الاجتماع أو الفلسفة على كتاب لا يتضمن معادلات ولا نظريات ولا مناهج إجرائية؟ وهذا السؤال – وإن كان يُصاغ أحياناً بنيّة النقد – يكشف في الغالب عن سوء فهم جوهري لطبيعة ما يُقدّمه القرآن ولطبيعة ما يُطلب منه في هذا المشروع.
فالمشروع لا يدّعي أن القرآن يُغني عن الفيزياء، ولا أنه يستبدل نظرية دوركايم في التضامن الاجتماعي بآية، ولا أنه يُقدّم بديلاً جاهزاً لكل منهج من مناهج العلوم الإنسانية. ما يدّعيه أعمق من ذلك وأكثر إلزاماً: أن القرآن يُؤسِّس الأفق الذي تشتغل فيه هذه العلوم، ويُحدد معنى الإنسان قبل أن يُصبح موضوعاً للقياس، ومعنى المعرفة قبل أن تتحول إلى تقنية، ومعنى الغاية قبل أن يُستبدَل بالوظيفة. وبين هذا وبين ادعاء الاستغناء عن العلوم مسافة شاسعة لا ينبغي اختزالها.
هذه المقالة تُحدد هذا التمييز بدقة: ما الذي يُقدّمه القرآن وما الذي لا يُقدّمه، وما الذي يُطلب منه وما الذي يُخطئ من يطلبه.
أولاً: كيف يُعرّف القرآن نفسه؛ الانطلاق من الداخل
من المنهج الصحيح في فهم أي كتاب أن يُسأل عن نفسه: كيف يُعرّف ذاته؟ وما الذي يُعلن أنه جاء لأجله؟ وهذا ما يُقدّمه القرآن بصراحة نادرة في عدد من آياته:
﴿إِنَّ هَٰذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ (الإسراء: 9). الهداية إلى الأقوم – أي إلى الأمثل والأرشد والأكمل في طريق الحياة والمعرفة والاجتماع.
﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِّكُلِّ شَيْءٍ﴾ (النحل: 89). والتبيان هنا لا يعني التفصيل الموسوعي لكل شيء، بل البيان الكافي الذي يُمكّن من فهم كل شيء في ضوء الغاية والمعنى – وهذا ما فهمه المفسرون الكبار: قال الشاطبي إن معنى تبيان كل شيء هو “بيان ما يحتاج إليه في أمر الدين والدنيا من طريق ما أُصِّل فيه لا من طريق التفصيل” (الشاطبي، الموافقات، 3/347).
﴿هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَىٰ وَالْفُرْقَانِ﴾ (البقرة: 185). هدى لا لطائفة بل للناس – وهو ما استوقفنا في المقالة السابقة – وفرقان أي قدرة على التمييز بين الحق والباطل وبين ما يبني الإنسان وما يمسخه.
﴿وَهَٰذَا كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ﴾ (الأنعام: 92). والبركة في سياق المعرفة تعني النماء والاتساع: معرفة تتوالد وتتجدد لا تتحجر ولا تنضب.
هذه الأوصاف في مجموعها تُحدد طبيعة القرآن بوضوح: كتاب هداية لا موسوعة معلومات، كتاب تأسيس لا كتاب تفاصيل، كتاب فرقان لا كتاب تقنية، كتاب كليات هادية لا كتاب جزئيات مُنجِزة.
ثانياً: الهداية القرآنية في طبيعتها العميقة
الهداية التي يُقدّمها القرآن ليست هداية أخلاقية متصاغرة تُحدد ما يحل وما يحرم فحسب، ولا هداية معلوماتية تُخبر بحقائق مجردة، ولا وصفة إرشادية منفصلة عن كليات الوجود. هي في جوهرها رؤية شاملة للكون والوجود والإنسان ومقاماته والاجتماع والمعنى والمصير.
وهذه الرؤية تشتغل على مستويين متمايزين لكنهما متكاملان:
المستوى الأول: تحديد الإنسان قبل أن يُقاس. القرآن يُقدّم تصوراً للإنسان يسبق كل علم إنساني ويُؤطّره: الإنسان كائن مكرَّم ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾ (الإسراء: 70)، حامل للأمانة ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ (الأحزاب: 72)، مستخلَف في الأرض ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ (البقرة: 30)، مُكلَّف بمسؤولية ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾ (المدثر: 38)، ومآله إلى حساب ﴿وَأَنَّ إِلَىٰ رَبِّكَ الْمُنتَهَىٰ﴾ (النجم: 42). هذا الإنسان القرآني يختلف اختلافاً بنيوياً عن الإنسان الذي تفترضه النماذج الحديثة في علم الاجتماع والاقتصاد وعلم النفس: ليس فاعلاً عقلانياً يُعظّم مصلحته، ولا كائناً بيولوجياً تُحركه الغرائز، ولا نصاً تُنتجه الخطابات.
المستوى الثاني: تحديد غاية المعرفة قبل أن تتحول إلى تقنية. القرآن لا يُترك العلم بلا وجهة ولا غاية. معرفة الإنسان تُؤدَّى أمانةً ﴿وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ (طه: 114) – أي أن طلب المزيد من العلم يستلزم الاعتراف بأن مصدره خارج الذات. ومعرفة الطبيعة تُقرأ آيةً ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ﴾ (فصلت: 53) – أي أن الكون دلالة تستدعي التدبر. ومعرفة التاريخ تُستخلص منه سنن ﴿فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾ (آل عمران: 137) – أي أن التاريخ ليس سرداً للوقائع بل درس في قوانين الاجتماع البشري.
ثالثاً: القرآن لا يُزاحم العلوم؛
من أكثر ما يُوهم به سوء الفهم ادعاء أن الدعوة إلى جعل القرآن أفقاً مؤسِّساً هي في حقيقتها دعوة إلى الاستغناء عن العلوم أو احتقار المناهج أو إلغاء التجربة الإنسانية. وهذا الادعاء خطأ مزدوج: خطأ في فهم ما يُقدّمه القرآن، وخطأ في فهم ما تفعله المناهج العلمية.
القرآن يُؤسّس الأفق لا يملأ التفاصيل. وهذا الفارق حاسم. الأفق هو الإطار الكلي الذي تجري فيه الأسئلة وتُقيَّم فيه الإجابات. والتفاصيل هي الإجراءات والمناهج والبيانات التي تُنجَز بالاجتهاد البشري داخل هذا الإطار. القرآن يُحدد أن الإنسان مستخلَف لا مسيطر – وهذا الأفق يُغير طبيعة السؤال عن العمران والطبيعة والمجتمع. لكنه لا يُحدد ما هي السياسة الزراعية المثلى أو ما هو التصميم الأمثل للمدن – فذلك متروك للاجتهاد البشري الذي يعمل داخل الأفق.
وقد أحكم الشاطبي هذا التمييز في قوله: “القرآن لم يستوعب كل مسألة فقهية ولا كل تفصيل عملي، إنما جاء بالكليات والمقاصد التي من خلالها يجتهد العلماء في الفروع والتفاصيل” (الشاطبي، الموافقات، 3/346). وهذا ينطبق بالقياس على علاقة القرآن بالعلوم الإنسانية: يُقدّم كلياتها الهادية لا تفاصيلها الإجرائية.
والمناهج العلمية الحديثة أدوات لا أصول. أي أنها تُفيد في استقصاء الظواهر وتحليلها واختبار الفرضيات حولها، لكنها لا تملك في ذاتها الإجابة عن: لماذا ندرس هذه الظاهرة؟ وما الذي نفعل بما نكتشفه؟ وأين يقع الإنسان الذي ندرسه في المشروع الأكبر للوجود؟ هذه الأسئلة ليست أسئلة منهجية بل أسئلة معيارية وجودية لا يُجيب عنها المنهج بطبيعته. والخطأ لا يكمن في استخدام هذه المناهج بل في تحويلها من أدوات إلى أصول: حين تُصبح المنهجية نفسها هي المرجعية النهائية التي لا تُسأل.
رابعاً: الكليات الهادية؛ في ما الذي يُقدّمه القرآن فعلاً للباحث
إذا كان القرآن لا يُقدّم تفاصيل إجرائية فماذا يُقدّم بالضبط؟ يمكن استخلاص أربعة مستويات من العطاء القرآني الذي يُفيد منه الباحث:
المستوى الأول: الأنطولوجيا – تعريف الواقع قبل دراسته. القرآن يُقدّم تصوراً للوجود يُؤطّر كل دراسة للظاهرة: الوجود ليس صدفة بل خلق مُحكَم ﴿صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ (النمل: 88)، والتاريخ ليس فوضى بل سنن ﴿وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا﴾ (الأحزاب: 62)، والإنسان ليس حادثة عرضية بل مشروع مقصود ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ (الذاريات: 56). وهذه الأنطولوجيا تُغيّر طبيعة الأسئلة التي يُعدّها الباحث أسئلةً جديرة بالطرح.
المستوى الثاني: الأكسيولوجيا – تحديد القيم قبل البحث. القرآن يُحدد معيار القيم الذي يُوجّه تقييم نتائج البحث: الكرامة الإنسانية معيار لا تُنتهك ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾، والعدل غاية لا تُتنازل عنها ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ﴾ (النحل: 90)، والرحمة أفق للتعامل مع الآخر ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ﴾ (الأنبياء: 107). وهذه القيم لا تُملي على الباحث نتائج بحثه، لكنها تُمكّنه من تقييم مآلات ما يكتشفه.
المستوى الثالث: الإيبستيمولوجيا – تحديد طبيعة المعرفة وحدودها. القرآن يُؤسِّس لتواضع معرفي لا يُنتجه التواضع المنهجي وحده: ﴿وَمَا أُوتِيتُم مِّنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ (الإسراء: 85) – وهذا يعني أن كل معرفة إنسانية مهما بلغت هي جزء من كل لا يُدرَك كاملاً. ويُحدد أن للمعرفة درجات: ﴿وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾ (يوسف: 76). ويُنبّه إلى أن ثمة مناطق لا تبلغها المعرفة الإنسانية: ﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ﴾ (البقرة: 255). وهذا التأطير يُحرر الباحث من وهم الإحاطة الكاملة ويُبقيه في حال اليقظة المعرفية.
المستوى الرابع: التيليولوجيا – تحديد الغاية قبل أن تُستبدَل بالوظيفة. ربما أعمق ما يُقدّمه القرآن للباحث هو معيار الغاية: المعرفة لها وجهة، والعلم له مقصد، والبحث له مآل. وهذا يعني أن السؤال “ماذا أكتشفت؟” لا يكفي وحده، ولا بد معه من السؤال “ما الذي يُفضي إليه اكتشافي؟ وهل هذا المآل يصون الإنسان أم يمسخه؟”. وهذا السؤال الغائي هو تحديداً ما تُغيّبه المنظومة المعرفية الحداثية حين تُحوّل العلم إلى تقنية مكتفية بنفسها.
خامساً: القرآن ليس عائقاً أمام المعرفة؛ في الحيلولة دون ولادة السؤال مشوّهاً
من أبلغ ما يُمكن قوله في تحديد وظيفة القرآن بالنسبة للبحث العلمي هو أن القرآن لا يُقدّم دائماً الإجابة التفصيلية، لكنه يمنع السؤال من أن يُولد مشوّهاً.
وهذه الصياغة تستحق التفصيل: السؤال المشوَّه هو السؤال الذي يحمل في صياغته افتراضات تُشوّه موضوعه قبل أن يُصاغ الجواب. حين يُسأل “كيف يمكن تعظيم إنتاجية الموارد البشرية؟” فإن صياغة السؤال نفسها قد حوّلت الإنسان إلى “مورد” قابل للتعظيم – وهذا التحويل تشويه وجودي سابق للسؤال. القرآن، بتأسيسه لمفهوم الكرامة الإنسانية والاستخلاف، يمنع هذا التشويه المسبق: لا يُملي الإجابة عن سؤال الإنتاجية، لكنه يُلزم بإعادة صياغة السؤال في ضوء معنى الإنسان الذي يُؤسّسه.
وبالمثل: حين يُسأل “كيف يُرسَّخ التبعية الاقتصادية باعتبارها قانوناً طبيعياً للسوق؟” يُؤسّس القرآن بمفهومه للعدل والمسؤولية الجماعية لمقاومة هذا التأطير لا بنقيض نقدي بل بأفق مختلف يجعل السؤال مُصاغاً على نحو آخر منذ البداية: عدالة التوزيع ليست خياراً أخلاقياً فاضلاً بل مقتضى من مقتضيات الاستخلاف.
وهذا ما أسماه أركون – وإن بلغة مختلفة – “اللامفكَّر فيه” في الفكر الإسلامي المعاصر: تلك المنطقة من الأسئلة التي لا تُطرح لأن الأفق الذي يجعل طرحها ممكناً يُغلَق أو يُهمَّش (Arkoun, 2002, p.18). لكن ما نُضيفه هنا هو أن القرآن – حين يُعاد إلى مقامه التأسيسي – يفتح هذه المنطقة لا يُغلقها: يُتيح أسئلة لا يراها الحقل المستورد لأن أفقه لا يُتيح رؤيتها.
سادساً: الكسل المعرفي باسم القرآن؛ نقد داخلي ضروري
لا تكتمل هذه المقالة دون نقد داخلي لا يتحاشاه هذا المشروع: الدعوة إلى جعل القرآن أفقاً مؤسِّساً قد تُستغل – وقد استُغلّت تاريخياً – ذريعةً للكسل المعرفي. ويتجلى هذا الكسل في أشكال متعددة:
الشكل الأول: استبدال البحث بالاستشهاد. حين يُستعيض عن الدراسة العلمية الدقيقة بجمع الآيات المؤيِّدة للنتيجة المُراد إثباتها. وهذا ليس توظيفاً للقرآن بل استغلال له: يُستخدم القرآن لإضفاء الشرعية على كسل معرفي يرفض الاشتغال بصرامة.
الشكل الثاني: ادعاء الاكتفاء بالقرآن عن المنجز الإنساني. وهذا خطأ مزدوج: خطأ في فهم القرآن – الذي يأمر بالنظر والتدبر والسير في الأرض والاعتبار بتجارب الأمم، أي بالتحصيل المعرفي النشط – وخطأ في الموقف من المعرفة الإنسانية التي أنتجها العقل البشري بما أُعطيه من فهم وقدرة.
الشكل الثالث: اتخاذ القرآن سقفاً يُغلق التساؤل بدلاً من أفق يُفتحه. وهذا من أخطر الاستخدامات: حين تُستخدم الآيات لإسكات الأسئلة الصعبة بدلاً من استثارتها وإثرائها. والقرآن في حقيقته لا يُسكت الأسئلة بل يُطهّرها: يُخلّص السؤال من العبثية دون أن يُلغيه، ويُعطيه وجهةً دون أن يُحدد له إجابة جاهزة في كل مسألة.
وقد نبّه الغزالي – في سياق مختلف لكن بمعنى متقارب – إلى خطر من يجعل من الدين ذريعةً للعجز عن التفكير: “مَن أهمل النظر العقلي واكتفى بالنقل فقد أضاع ما يُعين النقل على تحصيله” (الغزالي، المستصفى، 1/5). وبالتوازي: من يجعل من القرآن ذريعةً للإعفاء من الاشتغال المعرفي الصارم يُسيء إلى القرآن قبل أن يُسيء إلى المعرفة.
سابعاً: نموذج تطبيقي؛ القرآن أفقا مؤسسا؟
لتجاوز منطقة التجريد يُفيد استحضار مثال يُوضّح ما الذي يتغير فعلاً حين يكون القرآن أفقاً مؤسِّساً لا شاهداً لاحقاً. لنأخذ علم الاجتماع بوصفه نموذجاً:
بدون الأفق القرآني: يدرس عالم الاجتماع ظاهرة التفكك الأسري انطلاقاً من نماذج تُقدّم الأسرة بوصفها نظاماً اجتماعياً وظيفياً – وحين لا تؤدي وظيفتها تتفكك. الأسئلة المُثارة هي: ما عوامل التفكك؟ وكيف يُؤثر في الأفراد والمجتمع من حيث الإنتاجية والصحة النفسية؟ والحلول المُقترحة هي تقنية: سياسات داعمة، برامج تأهيل، تشريعات منظِّمة.
بالأفق القرآني: يُضاف إلى هذه الأسئلة سؤال لا يطرحه النموذج الوظيفي: ما الذي يُؤسِّس القرآن في مفهوم الأسرة من حيث هي ميثاق ﴿وَأَخَذْنَ مِنكُم مِّيثَاقًا غَلِيظًا﴾ (النساء: 21) ومودة ورحمة ﴿وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾ (الروم: 21) ومسؤولية متبادلة ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ (البقرة: 228)؟ هذا المفهوم يُغير طبيعة السؤال: التفكك الأسري ليس فقط انهيار نظام وظيفي بل انكسار في رابطة وجودية ذات غاية تتجاوز الوظيفة. وهذا الفارق يُنتج أسئلة مختلفة في البحث وحلولاً مختلفة في السياسة وتقييماً مختلفاً في المآل.
هذا المثال ليس دعوةً إلى استبدال السوسيولوجيا بالتفسير، بل دعوة إلى إغناء السوسيولوجيا بأفق يرى في الظاهرة أكثر مما يراه النموذج الوظيفي وحده.
ثامناً: القرآن لا يُعفي من الاجتهاد
من أكثر ما ينبغي التشديد عليه في هذا السياق أن القرآن بوصفه كتاب هداية كبرى لا يُعفي الباحث من الاجتهاد بل يُلزمه به. ذلك أن الكليات الهادية لا تتحول إلى معرفة فعلية إلا عبر الاجتهاد البشري الدقيق الذي يُترجمها إلى أسئلة في سياقات محددة ومناهج تناسب موضوعات بعينها ونتائج قابلة للاختبار.
ولذلك فإن الباحث المنطلق من أفق القرآن لا ينتهي من عمله حين يُصيغ تصوره القرآني للإنسان أو المجتمع؛ عمله يبدأ بعد ذلك: كيف يُترجم هذا التصور إلى سؤال بحثي دقيق؟ وأي المناهج يُتيح استكشاف الظاهرة في ضوء هذا التصور؟ وكيف تُقرأ البيانات والنتائج في ضوء الكليات الهادية؟ هذا الاجتهاد المزدوج – المنطلق من كليات القرآن والمشتغل بأدوات العلم – هو الصورة الأكثر نضجاً لما يدعو إليه هذا المشروع.
وقد أشار ابن خلدون في مقدمته – وإن لم يُصرّح بهذا التأطير بالضبط – إلى نموذج مماثل: انطلق من يقينه بأن للاجتماع البشري سنناً إلهية ثابتة ثم اجتهد في استخلاصها من الاستقراء التاريخي الدقيق. فلم يكتف بالتأسيس القرآني ولم يُهمله؛ جمع بين اليقين بوجود السنن والاجتهاد في اكتشافها (ابن خلدون، المقدمة، 1/61).
خاتمة: المطلوب من القرآن والمطلوب من الباحث
ختاماً يمكن صياغة المعادلة التي تُجيب عنها هذه المقالة في صورة حدّين متكاملين:
ما يُطلب من القرآن: أن يُؤسّس الأفق الأنطولوجي الذي يُعطي الإنسان موقعه قبل أن يُصبح موضوعاً للقياس. وأن يُحدد معنى المعرفة وغايتها قبل أن تتحول إلى تقنية. وأن يُقدّم معياراً لتقييم مآلات البحث من حيث أثره في صورة الإنسان وكرامته وغايته. وأن يمنع السؤال من أن يُولد مشوّهاً بافتراضات لا تُسأل. وأن يُتيح أسئلة لا يطرحها الحقل المستورد لأن أفقه لا يرى موضعها.
ما يُطلب من الباحث: أن يشتغل بصرامة منهجية لا تتراجع. وأن يستفيد من المنجز الإنساني في العلوم دون استلاب. وأن يُترجم الكليات القرآنية إلى أسئلة في سياقات محددة لا إلى شعارات في خطب عامة. وأن يُخضع فهمه للقرآن للمساءلة الدائمة – لأن الوحي معصوم والفهم البشري قابل للمراجعة. وأن يكون ما يُنتجه إسهاماً في الحوار الإنساني الكبير لا دفاعاً عن موقف مُسبَق.
وحين تلتقي هاتان المطالبتان في باحث واحد نكون أمام ما تسعى هذه السلسلة إلى تأسيسه: الباحث الشاهد – الذي يقرأ العالم باسم ربه ملازماً ومستعيناً، ومن موقع العلق تواضعاً وتعلقاً، وبأفق الإنسان كونياً لا طائفياً، وبغاية المعرفة الأمانة لا المعرفة الهيمنة.
تُعالج المقالة التاسعة مسألة تحديد مجال هذا البحث: لماذا تتركز العناية فيه على العلوم الإنسانية والاجتماعية تحديداً دون إهمال العلوم الطبيعية، وما الفارق في طبيعة الإزاحة بين الحقلين.
المراجع:
• ابن خلدون، عبد الرحمن. (ت 808هـ/1967). المقدمة. تحقيق: علي عبد الواحد وافي. دار نهضة مصر. (1/61-65).
• الشاطبي، إبراهيم بن موسى. (ت 790هـ/2003). الموافقات في أصول الشريعة. تحقيق: مشهور حسن آل سلمان. دار ابن عفان، الخبر. (3/346-350).
• الغزالي، أبو حامد محمد. (ت 505هـ/2008). المستصفى من علم الأصول. تحقيق: محمد عبد السلام عبد الشافي. دار الكتب العلمية، بيروت. (1/5).
• طه عبد الرحمن. (2000). العمل الديني وتجديد العقل. المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء.
• طه عبد الرحمن. (2006). روح الحداثة: المدخل إلى تأسيس الحداثة الإسلامية. المركز الثقافي العربي.
• Arkoun, M. (2002). The Unthought in Contemporary Islamic Thought. Saqi Books. (p.18).
• Nasr, S. H. (1989). Knowledge and the Sacred. State University of New York Press.
• Rahman, F. (1982). Islam and Modernity: Transformation of an Intellectual Tradition. University of Chicago Press. (pp. 1-22).
• Hallaq, W. B. (2013). The Impossible State: Islam, Politics, and Modernity’s Moral Predicament. Columbia University Press.




التعليقات