القرآن الكريم والحضارة الإنسانية.. مقاربة مقاصدية في قيم العيش المشترك

3 أكتوبر 2026

الشيخ الصادق أحمد العثماني 

أمين عام رابطة علماء المسلمين بأمريكا اللاتينية

ليس القرآن الكريم كتابًا يخاطب المسلمين باعتبارهم جماعة منعزلة عن بقية البشر، وإنما هو كتاب هداية يخاطب الإنسان في عمقه الوجودي والأخلاقي، ويقيم جسورًا واسعة بين الناس على أساس الكرامة الإنسانية، والعدل، والرحمة، والتعارف، والتعاون، وصيانة الحقوق، وعمارة الأرض، ومن هنا فإن الحديث عن المشترك الإنساني في المنظور القرآني ليس محاولة لإسقاط المفاهيم المعاصرة على النص القرإني، ولا دعوة إلى تذويب الخصوصية الإسلامية في ثقافة عالمية واحدة، وإنما هو بحث عن المساحات الواسعة التي يمكن للإنسان، مهما اختلف دينه أو ثقافته أو لغته أو جنسه، أن يلتقي فيها مع أخيه الإنسان من أجل بناء عالم أكثر عدلًا وأمنًا ورحمة.

لقد أسس القرآن الكريم لمبدأ بالغ الأهمية حين قرر أن الاختلاف بين البشر حقيقة من حقائق الوجود، قال تعالى: “يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ”. فالآية الكريمة لا تجعل التنوع سببًا للصراع، وإنما تحوله إلى وسيلة للتعارف والتواصل. والتعارف هنا ليس مجرد معرفة سطحية بالآخر، بل هو بناء لعلاقة إنسانية تقوم على الاعتراف المتبادل، وفهم الخصوصيات، واكتشاف القيم المشتركة، وتحويل الاختلاف من مصدر للتنازع إلى مجال للتعاون.

ومن أعظم القيم التي يمكن أن تشكل أرضية مشتركة بين المسلمين وسائر شعوب الإرض قيمة الكرامة الإنسانية. يقول سبحانه وتعالى: “وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ”. فالتكريم هنا في الآية ليس للمسلم وحده، وإنما لجميع بني آدم . وهذا يؤسس لرؤية إنسانية واسعة تجعل أصل الكرامة سابقًا على الاختلاف الديني والثقافي. ولذلك فإن حماية الإنسان من الظلم، وصيانة حياته، وحفظ كرامته، ومساعدة الفقير، ورعاية اليتيم، وإغاثة المنكوب، والعناية بالمريض، والدفاع عن المظلوم، ليست أعمالًا تنحصر في دائرة دينية ضيقة، بل هي من صميم الرسالة الأخلاقية التي يمكن أن يلتقي عليها البشر .

وهنا تظهر أهمية النظر المقاصدي إلى القرآن والإسلام؛ فالمقاصد الشرعية لا تحصر الدين في الأحكام الجزئية المنفصلة عن غاياتها، وإنما تكشف عن منظومة من المصالح والقيم التي تستهدف حفظ الإنسان والدين والنفس والعقل والنسل والمال، وتحقيق العدل والرحمة والمصلحة ورفع الضرر. وكلما اتسع فهم المسلم لهذه المقاصد، أصبح أكثر قدرة على المشاركة في الحضارة الإنسانية من غير أن يشعر بأن مشاركته تعني التخلي عن هويته.

لهذا المشكلة لا تكمن في وجود قيم إنسانية عالمية يتفق عليها الناس، وإنما في الطريقة التي نتعامل بها معها. فبعض المسلمين للأسف، قد ينظرون إلى كل مفهوم حديث باعتباره وافدًا غريبًا ينبغي رفضه، بينما قد يقع آخرون في الطرف المقابل فيتصورون أن الانفتاح على العالم لا يتحقق إلا بالتخلي عن الخصوصية الدينية والثقافية. وكلا الموقفين يحتاج إلى مراجعة. فالقرآن لا يطلب من المسلم أن يعيش خارج التاريخ، ولا أن يعادي الحضارة، وإنما يطالبه بأن يكون شاهدًا على الناس، وأن يقدم الخير، وأن يسهم في إصلاح الأرض.

والحضارة المعاصرة، بما حققته من تقدم علمي وطبي وتقني، وبما راكمته من خبرات في مجالات التعليم والبحث العلمي وحقوق الإنسان والعمل الإنساني وحماية البيئة، تقدم فرصًا واسعة للتعاون. والقرآن الكريم لم يطالب المسلم بأن يرفض هذه المنجزات لمجرد أنها نشأت في بيئات غير إسلامية؛ فالحكمة ضالة المؤمن، والإنجاز الإنساني ملك للإنسانية متى كان نافعًا ومحققًا للخير. وفي الوقت نفسه، فإن الاستفادة من منجزات الحضارة لا تعني بالضرورة تبني جميع فلسفاتها أو أنماطها الثقافية والسلوكية.

وهنا تكمن إحدى أهم وظائف الاجتهاد المقاصدي في عصرنا؛ التمييز بين ما هو إنساني مشترك، وما هو خصوصية ثقافية، وما هو موقف فلسفي قابل للنقاش. فليس كل ما يأتي من خارج العالم الإسلامي مرفوضًا، كما أن ليس كل ما تنتجه الحضارة الحديثة صالحًا بالضرورة لكل زمان ومكان. المسلم الواعي يستطيع أن يأخذ بالعلم دون أن يفقد إيمانه، وأن يستفيد من التقنية دون أن يتحول إلى أسير لها، وأن يتعاون في مجال حقوق الإنسان دون أن يتخلى عن مرجعيته وهويته الإسلامية، وأن يشارك في حماية البيئة انطلاقًا من مفهوم الاستخلاف وعمارة الأرض.

بل إن الإسلام يمتلك رصيدًا أخلاقيًا يمكن أن يساهم به في النقاش الحضاري المعاصر. ففي عالم يعاني من النزاعات والحروب والتفاوت الاقتصادي والعزلة الاجتماعية والتطرف والعنصرية وتدمير البيئة، يمكن للقيم القرآنية المتعلقة بالعدل والرحمة والتكافل والإحسان وعدم الإفساد في الأرض أن تقدم إسهامًا مهمًا في بناء رؤية إنسانية أكثر توازنًا. قال تعالى:

” إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ ۚ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ” [ النحل: 90].

وقال سبحانه: “وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىٰ أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ”. فالعدل القرآني لا يتوقف على المحبة، ولا يسقط بسبب الاختلاف، وهذه قيمة إنسانية وحضارية بالغة العمق.

ومن هذا المنطلق، فإن المسلمين يستطيعون أن يتعاونوا مع أتباع الديانات الأخرى، ومع غير المسلمين، ومع المؤسسات المدنية والعلمية والإنسانية، في كل مجال يحقق مصلحة عامة ويدفع ضررًا عن الإنسان. يمكن أن نتعاون في مكافحة الفقر، ومواجهة الأمية، وحماية البيئة، ورعاية الأطفال وكبار السن، وتطوير الطب، وتشجيع البحث العلمي، ومساعدة ضحايا الكوارث، ونشر ثقافة السلام، ومكافحة خطاب الكراهية والعنصرية، وبناء المدن والسكن الاقتصادي التي تحفظ للإنسان كرامته .

وهذا التعاون لا يعني أبدًا إلغاء العقيدة أو المساومة على الثوابت. فهناك فرق كبير بين المشاركة الإنسانية المشتركة وبين الذوبان الفكري. المسلم يستطيع أن يتعاون مع غير المسلم في بناء مستشفى، أو إغاثة منكوب، أو حماية البيئة، أو محاربة الفقر، دون أن يتخلى عن عقيدته. بل إن الوفاء للقيم الإسلامية هو الذي يمنحه الدافع الأخلاقي للمشاركة في هذه الأعمال. فالعمل الإنساني في الإسلام ليس مجرد نشاط اجتماعي، وإنما هو تعبير عن الرحمة التي جعلها الله من أعظم معاني الرسالة: “وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ”.

إن المطلوب اليوم ليس إسلامًا منغلقًا يخشى التواصل مع العالم، ولا إسلامًا منزوع الخصوصية يبحث عن القبول من خلال التخلي عن ذاته، وإنما إسلام واثق بمرجعيته، منفتح على الإنسانية، قادر على الحوار، ومستعد للمساهمة في صناعة المستقبل. فالثبات على الهوية لا يعني الانغلاق، والانفتاح لا يعني الذوبان، والتجديد لا يعني القطيعة مع التراث، كما أن المحافظة على الأصالة لا تعني رفض العصر.

ولذلك فإن إعادة قراءة القرآن الكريم قراءة مقاصدية وإنسانية لا تعني تغيير القرآن أو تحريف معانيه، وإنما تعني توسيع دائرة النظر في دلالاته وآفاقه الحضارية، والانتقال من مجرد معرفة الأحكام إلى إدراك الغايات، ومن التركيز على الاختلافات إلى اكتشاف مساحات الاتفاق، ومن الانشغال الدائم بالصراع مع الآخر إلى الإسهام معه في صناعة الخير العام.

 

التعليقات
لا يوجد تعليقات بعد.

مغرب الحداثة..

دين بريس ـ افتتاحية يقوم بناء مغرب الحداثة على مواصلة تحديث المؤسسات، وتعزيز الحقوق، وتوجيه ثمار التنمية نحو تحسين ظروف عيش المواطنين. و نهج المغرب، منذ انطلاق العهد الجديد، مسارا إصلاحيا متدرجا شمل مختلف جوانب الدولة والمجتمع، وعزز النقاش الوطني حول العدالة والمشاركة ومكانة المواطن في بلورة السياسات العمومية. وشكلت هيئة الإنصاف والمصالحة محطة بارزة […]

استطلاع رأي

هل أعجبك التصميم الجديد للموقع ؟

عرض النتائج

Loading ...