العمل في التجارة وأخلاق التاجر المسلم: إشارات تنويرية

27 أبريل 2026

د. صلاح الدين المراكشي

إمام وخطيب ومؤطر بفرنسا 

تُعتبر التجارة من أهم طرق الرزق الحلال وأكثرها تنوعاً، فهي باب واسع يفتح للإنسان مجالات متعددة للكسب المشروع، سواء في البيع والشراء، أو في الاستيراد والتصدير، أو في مختلف مجالات الخدمات مثل: التوصيل والنقل وغيرها من الأنشطة الاقتصادية التي تقوم عليها حياة الناس ومعاشهم. ولقد اهتم الإسلام بهذا المجال اهتماماً كبيراً، وبيّن ضوابطه وأخلاقياته، وضرب لنا النبي محمد صلى الله عليه وسلم أسمى الأمثلة في ذلك، إذ عمل في التجارة منذ صغره، فكان يرافق عمه أبا طالب في رحلاته التجارية إلى بلاد الشام.

وقد عُرف بين قومه قبل البعثة بصدقه وأمانته وحكمته وحسن أخلاقه، حتى صار يُلقّب بالصادق الأمين، وهي صفات نبيلة جعلته محل ثقة الجميع. وقد بلغ خبر هذه الأخلاق العظيمة السيدة خديجة بنت خويلد رضي الله عنها، وكانت من أشرف نساء العرب وأعلاهن مكانة ونسباً، فدفعها إعجابها بصدقه وأمانته إلى أن تعرض عليه العمل في تجارتها، عن طريق غلامها ميسرة، فقبل النبي صلى الله عليه وسلم ذلك. وقد رافقه ميسرة في رحلاته للتجارة، فرأى فيه من الصدق والأمانة وحسن التدبير ما زاد في تقدير خديجة له، وعاد يخبرها بما شاهد من صفاته العظيمة.

وبفضل هذه الأخلاق الكريمة، حقق النبي محمد صلى الله عليه وسلم أرباحاً كبيرة في تجارتها، وكان أميناً صادقاً في تعامله. وقد أثّر ذلك في نفس خديجة رضي الله عنها تأثيراً عظيماً، فمال قلبها إليه، وعرضت عليه الزواج، رغم أنها كانت في الأربعين من عمرها، بينما كان النبي محمد صلى الله عليه وسلم في الخامسة والعشرين. وكانت خديجة امرأة ذات شرف ومكانة عالية، يتنافس أشراف قريش على خطبتها، لكنها كانت ترفضهم جميعاً. فتم الزواج المبارك، وكان زواجاً قائماً على الاحترام والمحبة والوفاء. ولم يكن النبي محمد صلى الله عليه وسلم وحده من اشتغل بالتجارة، بل إن كثيراً من الصحابة رضي الله عنهم عملوا بها أيضاً، مثل عبد الرحمن بن عوف، وعبد الله بن عمر، وزيد بن أرقم، والبراء بن عازب، والزبير بن العوام، وعثمان بن عفان، وعروة بن أبي الجعد البارقي، وغيرهم من المهاجرين والأنصار والتابعين وأتباعهم. وقد جمعوا بين العبادة والتجارة، فكانوا تجاراً عابدين، يتخذون من التجارة وسيلة لكسب الرزق الحلال، ومن الدين منهجاً في التعامل. وقد انتشرت تجارتهم في الآفاق، فوصلت إلى آسيا وإفريقيا عبر القوافل والحركات التجارية، وكان لصدقهم وأمانتهم وسماحتهم في البيع والشراء أثر كبير في تعريف الناس بالإسلام، حتى خالطهم العجم وأحب كثير من الناس هذا الدين، فدخلوا في الإسلام أفواجاً. إن من أبرز الصفات التي ينبغي أن يتحلى بها التاجر المؤمن والتي يحبها الله تعالى، أن لا تُلهيه تجارته عن أداء واجباته الدينية، فلا يترك الصلاة، ولا يتهاون في إخراج الزكاة، ولا يقصّر في أداء الحج عند الاستطاعة، ولا يغفل عن بر الوالدين، وصلة الرحم، والإحسان إلى الناس، وأداء حقوق الجيران والمواطنة. فكثير من الناس ينشغلون بأعمال التجارة ويجعلونها مبرراً لتضييع هذه الفرائض، مع أن هذه الواجبات والحقوق مقدّمة وأحق بالرعاية والاهتمام.

وقد قال الله تعالى : ( رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة يخافون يوماً تتقلب فيه القلوب والأبصار ليجزيهم الله أحسن ما عملوا ويزيدهم من فضله ) [ النور : 37 ] ومن أهم الصفات أيضاً الصدق والأمانة، بأن يكون التاجر صادقاً في بيعه وشرائه، يوضح سعر السلعة كما هو، ويذكر ما فيها من مزايا، ولا يخفي عيوبها إن وجدت. فالأمانة في التجارة من أعظم أسباب البركة. وقد قال النبي محمد صلى الله عليه وسلم : ” التاجر الصدوق الأمين مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين” رواه الحاكم والترمذي وقال حديث حسن. وقال أيضاً : ” إن التجار يبعثون يوم القيامة فجاراً إلا من اتقى الله وبرّ وصدق” رواه ابن حبان والترمذي وابن ماجه وغيرهما. وحذر النبي محمد صلى الله عليه وسلم من الحلف الكاذب في البيع، فقال: ” ثلاثة لا ينظر الله إليهم يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم…” وذكر منهم “المنفق سلعته بالحلف الكاذب” رواه مسلم والنسائي وغيرهما. قال الله تعالى: ( ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم ) [ البقرة : 224 ] فهذا من أخطر الآفات في التجارة أن يستعمل بعض الناس اسم الله للكذب والخداع في البيع والشراء، فيحلفون الأيمان الكاذبة لترويج سلعهم، وهو من الذنوب العظيمة التي تمحق البركة وتُعرّض صاحبها للعذاب إن لم يتب إلى الله تعالى.

وقد جاء في الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم مرَّ على صُبرة طعام، فأدخل يده فيها، فوجد بللاً في أسفلها، فقال: “ما هذا يا صاحب الطعام؟” فقال الرجل: أصابته السماء يا رسول الله، أي نزل عليه المطر. فقال النبي صلى الله عليه وسلم : “أفلا جعلته فوق الطعام حتى يراه الناس؟ من غشّ فليس مني ” رواه مسلم وفي رواية اخرى عند الطبراني وغيره ” من غشنا فليس منا “.ومن الصفات المهمة كذلك مراقبة الله تعالى في كل التصرفات، في القول والفعل، فيحسن التعامل مع الزبائن والعمال والمنافسين، ويتجنب الغش والكذب والتطفيف في الميزان والخداع والاحتكار ورفع الأسعار بغير سبب مشروع. فكل ذلك من أكل أموال الناس بالباطل. كما يجب الحذر من الطمع والجشع والبحث عن الربح السريع ولو على حساب صحة المواطنين، كبيع المواد المحرمة، أو الأغذية الفاسدة والمنتهية الصلاحية، أو الغش في البناء والمواد، أو بيع ما يضر الناس في عقولهم وأجسادهم، وهي ممارسات خطيرة انتشرت في بعض البيئات التجارية ! ومن الصفات المهمة أيضاً أن يكون التاجر عالماً بفقه البيع والشراء ويحترم القوانين الصادرة عن الجهات بخصوصها، لأن الجهل بهذه الأحكام قد يؤدي إلى الوقوع في التجاوزات والمخالفات والوقوع في المحظورات.

ولهذا كان الصحابة يتعلمون فقه التجارة قبل الدخول فيها، وكان علي بن أبي طالب رضي الله عنه يمر بالسوق فيسأل التجار عن أحكام الدين في المعاملات، فمن كان جاهلاً أرشده إلى تعلم العلم قبل التجارة.

هذا، وتظل التجارة باباً عظيماً من أبواب الرزق، لكنها لا تُثمر خيراً وبركة إلا إذا اقترنت بالإيمان والصدق والأمانة ومراقبة الله تعالى والعلم بأحكام الدين والقوانين المعمول بها. نسأل الله عز وجل أن يغنينا بحلاله عن حرامه، وبطاعته عن معصيته، وبفضله عمن سواه.

التعليقات
لا يوجد تعليقات بعد.

أي مغرب نحتاج بعد الحرب؟

عمر العمري تفرض الحرب المدمرة التي دارت خلال الأسابيع الماضية بين الولايات المتحدة و”إسرائيل” من جهة، وإيران و”حزب الله” من جهة أخرى، على المغرب، وهو يراقب من أقصى الغرب العربي هذا التحول العنيف في موازين الصراع، وقفة تأمل عميقة لاستخلاص العبر، ومراجعة الواقع الوطني، وتشخيص مجالات النقص والضعف، وصياغة عناصر القوة التي ينبغي بناؤها في […]

استطلاع رأي

هل أعجبك التصميم الجديد للموقع ؟

عرض النتائج

جاري التحميل ... جاري التحميل ...