العلاقات الاجتماعية بين الطبع والائتمان: نحو تجاوز قرآني للمقولة الأرسطية

د. رفيق الناوي
أولاً: الطبع والاصطلاح… السؤال الذي وُلدت منه العبارة
لم تظهر مقولة أرسطو: «الإنسان حيوان مدني بالطبع» في فراغ فلسفي، ولم تكن وصفاً عابراً لخاصية من خصائص الإنسان، وإنما جاءت جواباً عن واحد من أعمق الأسئلة التي شغلت الفكر اليوناني، وهو: هل تستند الحياة الإنسانية إلى حقائق موضوعية تقتضيها طبيعة الأشياء، أم أن ما يعده الناس حقاً وعدلاً وخيراً ليس إلا نتاجاً للعرف والاتفاق؟
ولئن كان هذا السؤال قد اتخذ في الفكر اليوناني صورة التقابل بين الطبيعة (Physis) والاصطلاح أو القانون الوضعي (Nomos)، فإن مداه كان أوسع من مجرد الجدل القانوني أو السياسي؛ إذ كان يتعلق بأساس المعرفة، وبحقيقة الأخلاق، وبمصدر الشرعية، وبإمكان وجود معايير ثابتة تتجاوز اختلاف المدن والأعراف.
وقد وجد السوفسطائيون في اختلاف القوانين والعادات بين المدن اليونانية دليلاً على أن العدالة والخير والقانون ليست حقائق قائمة في ذاتها، وإنما هي اصطلاحات بشرية تتبدل بتبدل المجتمعات. فما تراه مدينة عدلاً قد تراه أخرى ظلماً، وما يعده قوم فضيلة قد يعده غيرهم رذيلة،
… الأمر الذي جعلهم ينتهون إلى أن القوانين لا تستمد سلطانها من طبيعة الأشياء، وإنما من اتفاق الناس عليها أو من قوة من يملك فرضها.
ولم يكن هذا الموقف مجرد رأي في القانون، بل كان ينطوي على تصور كامل للإنسان وللمجتمع؛ فإذا كانت العدالة اصطلاحاً، وكانت الدولة اصطلاحاً، وكانت القيم اصطلاحاً، فإن الاجتماع الإنساني نفسه يغدو قابلاً لإعادة التشكيل تبعاً لتغير الإرادات والمصالح، دون أن يكون هناك معيار موضوعي يمكن الاحتكام إليه خارج دائرة الاتفاق.
في مواجهة هذا الاتجاه، سلك سقراط طريقاً مغايراً، حين جعل غايته البحث عن التعريفات الكلية للفضائل، إيماناً منه بأن اختلاف الناس في تطبيق العدل لا ينفي وجود حقيقة للعدل يمكن للعقل أن يدركها. ثم جاء أفلاطون ليؤسس هذه الفكرة داخل نظريته في المثل، قبل أن يمنحها أرسطو صياغة فلسفية أكثر التصاقاً بالعالم المحسوس، حين ردّ كل موجود إلى طبيعته الخاصة، وجعل لكل شيء غايةً كامنة في ذاته، يتحقق كماله بتحققها.
ومن هنا اكتسب لفظ الطبع عند أرسطو دلالة فلسفية دقيقة؛ فهو لا يدل على مجرد الميل أو العادة أو الغريزة، وإنما يدل على ما يقتضيه الشيء بحكم حقيقته، وما ينسجم مع غايته التي خلق من أجلها. فالطبيعة ليست قوة عمياء تدفع الإنسان إلى أفعال معينة، بل هي المبدأ الداخلي الذي يجعل الموجود يتجه إلى تحقيق كماله الخاص.
ولهذا كان التقابل بين الطبع والاصطلاح عند أرسطو تقابلاً بين مستويين مختلفين من الوجود: مستوى ما يقوم على حقيقة الشيء وذاته، ومستوى ما ينشئه الإنسان من أعراف وقوانين لتنظيم حياته. فالاصطلاح قد ينظم الطبيعة، لكنه لا يخلقها، كما أن القانون قد يرشد مقتضياتها أو ينحرف عنها، لكنه لا يستطيع أن ينشئ من العدم ما لم تقتضه حقيقة الإنسان ابتداءً.
ومن هذا المنطلق، لم يكن أرسطو بصدد الدفاع عن الدولة لأنها أكثر النظم نفعاً أو أكثرها استقراراً، وإنما لأنه كان يرى أن المدينة ليست اختراعاً تاريخياً، بل هي الصورة التي تبلغ فيها الطبيعة الإنسانية تمامها. فالإنسان لا يصير إنساناً كاملاً خارج الاجتماع السياسي، لأن العقل الذي يميزه لا يجد كماله إلا في حياة مشتركة تقوم على العدل والخير والمداولة.
ومن هنا نفهم أن قوله: «الإنسان حيوان مدني بالطبع» ليس وصفاً لواقع اجتماعي قائم، وإنما حكمٌ أنطولوجي على حقيقة الإنسان نفسها. فهو لا يقول إن الناس يجتمعون لأنهم اعتادوا الاجتماع، ولا لأنهم يجدون فيه منفعة عارضة، وإنما لأن الاجتماع داخل المدينة هو مقتضى الكمال الذي تؤول إليه طبيعتهم العاقلة.
غير أن هذا التصور، على ما فيه من عمق فلسفي، يثير سؤالاً آخر لا يقل أهمية: هل ينتهي الاجتماع الإنساني عند حدود المدينة والدولة، أم أن هناك أفقاً أرحب يجعل الاجتماع نفسه وسيلة لتحقيق غاية تتجاوز السياسة إلى الاستخلاف والعمران؟ ذلك هو السؤال الذي يفتح الباب أمام إعادة قراءة هذه المقولة في ضوء التصور القرآني، وهو ما سننتقل إليه في القسم الموالي.
ثانيا: من الطبع إلى الائتمان؛
من القضايا التي لا تزال تتردد في الأدبيات الفلسفية والاجتماعية، حتى غدت من المسلمات التي قلّ من يعيد النظر في مبانيها، مقولة أرسطو الشهيرة: «الإنسان حيوان مدني بالطبع». غير أن شهرة هذه العبارة كانت، في كثير من الأحيان، سبباً في سوء فهمها؛ إذ انصرف كثير من المفسرين إلى حمل لفظ الطبع على معنى الميل الفطري أو الغريزة الاجتماعية، مع أن أرسطو لم يكن بصدد الحديث عن نزعة نفسية، وإنما كان يخوض جدالاً فلسفياً عميقاً حول مصدر الاجتماع الإنساني: هل يقوم على حقيقة الإنسان نفسها، أم يقوم على مجرد الاتفاق والاصطلاح؟
غير أن أهمية هذا السؤال لا تقف عند حدود تفسير نص أرسطو، بل تمتد إلى سؤال أشمل يتعلق بطبيعة العلاقات الاجتماعية ذاتها: هل الأخوة، والصحبة، والصداقة، والرفقة، والخلة، وسائر مراتب الاجتماع الإنساني، مجرد صور تاريخية أنشأتها الأعراف والمواضعات، بحيث يجوز استبدالها وإعادة تشكيلها متى تغيرت المصالح؟ أم أنها تعبر عن مقتضيات راسخة في حقيقة الإنسان، بحيث يكون المساس بها مساساً ببنية الاجتماع نفسه؟
وهنا تنتقل المسألة من مجرد البحث في تاريخ الفلسفة إلى سؤال أنطولوجي يتعلق بحقيقة الإنسان، ثم إلى سؤال معياري يتعلق بوظيفته في العمران. فإذا كان الاجتماع مقتضىً للطبع، فهل يكفي هذا الطبع وحده لتفسير العلاقات الإنسانية؟ أم أن هذه العلاقات لا تستقيم إلا إذا ارتقت من مستوى الطبيعة إلى مستوى الأمانة، ومن مجرد الاجتماع إلى الائتمان؟
من هنا تنشأ الحاجة إلى إعادة بناء هذا المفهوم، لا بقصد تصحيح قراءة أرسطو فحسب، وإنما بقصد استكشاف الأفق الذي يفتحه التصور القرآني، حيث لا يغدو الاجتماع غاية في ذاته، بل يصبح شرطاً لتحقيق الاستخلاف والعمران، وتتحول العلاقة الإنسانية من مجرد ضرورة طبيعية إلى أمانة أخلاقية ومسؤولية وجودية.




التعليقات