العقيدة التي أغلقت أبواب الدماء: الأشعرية ومنهج حماية المجتمعات المسلمة
الشيخ الصادق العثماني – أمين عام رابطة علماء المسلمين بأمريكا اللاتينية
ليست العقيدة الأشعرية مجرد مذهب كلامي نشأ في سياق تاريخي محدد للرد على انحرافات فكرية أو لمواجهة تيارات عقلانية متطرفة، بل هي قبل ذلك وبعده مشروع فكري وأخلاقي عميق، أسهم بصورة حاسمة في بناء وعي إسلامي متوازن، حافظ على وحدة الأمة، وصان السلم المجتمعي، وقطع الطريق على منطق التكفير والإقصاء الذي ما فتئ يهدد كيان المجتمعات المسلمة كلما غاب ميزان العلم والحكمة .
فالأشعرية، في جوهرها، ليست خطاب صراع، وإنما خطاب جمع، وليست منطق إلغاء، وإنما منهج استيعاب، قوامه التفريق الدقيق بين ما هو قطعي لا يسوغ الخلاف فيه، وما هو ظني تتسع له دائرة الاجتهاد والتأويل .
لقد أدرك الإمام أبو الحسن الأشعري (260 – 324 هـ/ 874 – 936 م) في مرحلة مبكرة من تاريخ علم الكلام، أن أخطر ما يمكن أن يهدد الأمة ليس مجرد الاختلاف في الرأي، وإنما تحويل هذا الاختلاف إلى أداة للحكم على الإيمان والكفر، واستباحة الدماء والأموال باسم “تصحيح العقيدة”.
لذلك أسس منهجًا علميًا وأخلاقيًا صارمًا في إدارة الخلاف العقدي، يقوم على تحرير محل النزاع، وردّ المسائل إلى أصولها المعرفية، والتمييز بين الخطأ في الفهم والخروج من الملة، وهو تمييز بالغ الأهمية، لو استحضره المسلمون عبر التاريخ، لكان كفيلًا بتجنيب الأمة كثيرًا من الفتن والصراعات .
ويمثل كتابه “مقالات الإسلاميين واختلاف المصلين” شاهدًا حيًا على هذا المنهج الفريد، حيث لم يتعامل الأشعري مع الفرق الإسلامية بوصفها “خصومًا عقديين” ينبغي تشويههم أو تبديعهم، بل عرض آراءهم بأمانة علمية نادرة، مستعملًا مصطلحاتهم، وملتزمًا بسياقاتهم، ومتحررًا من منطق التشهير والانتصار المذهبي .
لقد قدّم الحقيقة على الموقف، والعلم على التعصب، وأسّس بذلك لأخلاقيات معرفية ما أحوج الخطاب الديني المعاصر إلى استعادتها، في زمن صارت فيه بعض المنابر ساحة لتبادل الاتهامات، لا فضاءً للبحث عن الحق .
إن موقف الإمام الأشعري من قضية التكفير لا يمكن فهمه بوصفه مجرد رأي فقهي أو كلامي، بل هو رؤية شاملة للإنسان والمجتمع والدين . فقد قرر الأشاعرة، انطلاقًا من النصوص القطعية ومقاصد الشريعة الإسلامية، أن الإيمان مناطه التصديق القلبي، وأن النطق بالشهادتين كافٍ لعصمة الدم والمال، وأن الخطأ في التأويل، مهما بلغ، لا يخرج المسلم من دائرة الإسلام ما دام من أهل القبلة.
بهذا الفهم الرحب، تحولت العقيدة من سلاح تكفير وإقصاء إلى مظلة جامعة، ومن أداة صراع إلى ركيزة استقرار .
ويكتسب مفهوم “أهل القبلة” في الخطاب الأشعري أهمية مركزية في تثبيت السلم المجتمعي، إذ وسّع دائرة الانتماء إلى الإسلام، وضيّق مساحة التكفير، وربط الأحكام الشرعية الكبرى، كعصمة الدماء والأموال، بعلامات ظاهرة متفق عليها، لا بتقديرات نفسية أو اجتهادات متشددة .
وقد كان لهذا الموقف أثر بالغ في تحجيم النزعات العنيفة التي غذّت الصراعات الطائفية عبر التاريخ الإسلامي، حين جعلت من مسائل ظنية أو تأويلية أسبابًا للتكفير والاقتتال .
ولم يكن وعي الأشاعرة بالسلم المجتمعي مقتصرًا على القضايا العقدية المجردة، بل امتد إلى القضايا السياسية الكبرى، وعلى رأسها مسألة الإمامة . فقد تعاملوا مع هذا الملف بحسّ عميق بخطورته، وقرروا أن الإمامة ليست من أصول الإيمان، ولا مما يكفر المخالف فيه، وإنما هي من فروع الفقه والمصالح العامة التي تُناط باجتهاد الأمة، وتخضع لموازين المصلحة والقدرة والسياق .
بهذا التصور، أغلق الأشاعرة بابًا واسعًا من أبواب الفتنة، حال دون تحويل الخلاف السياسي إلى صراع عقدي، ودون تسويغ العنف باسم “تصحيح الدين”.
إن هذا الفصل المنهجي بين مجال الاعتقاد ومجال السياسة، وبين الثابت الديني والمتغير الاجتهادي، أسهم في بناء وعي إسلامي واقعي، يدرك تعقيدات الاجتماع البشري، ويقرّ بأن إدارة الشأن العام لا يمكن أن تُختزل في شعارات عقدية، ولا أن تُحمَّل أكثر مما تحتمل من أحكام الإيمان والكفر.
ومن هنا، يمكن القول إن العقيدة الأشعرية قدّمت نموذجًا مبكرًا لما يمكن تسميته اليوم بـ “فقه السلم الأهلي”، دون أن تتنازل عن ثوابت الدين أو تميع معالمه .
وفي السياق المعاصر، تبرز الحاجة الملحّة إلى إحياء المنهج الأشعري، لا بوصفه استدعاءً لماضٍ منقطع عن الحاضر، بل باعتباره موردًا معرفيًا ومنهجيًا قادرًا على الإسهام في معالجة أزمات راهنة، تتجلى في تصاعد خطاب الإقصاء، وانتشار النزعات التكفيرية، واستقطاب الشباب من قبل جماعات متشددة تقدم لهم قراءة تبسيطية وصدامية للدين .
فالشباب اليوم لا يواجهون فقط أسئلة عقدية تقليدية، بل يعيشون في عالم مفتوح، تتنازعه أسئلة الوجود، والمعنى، والحرية، والهوية، وهي أسئلة لا يمكن الإجابة عنها بخطاب جامد أو إقصائي تكفيري .
لقد امتلكت الأشعرية، تاريخيًا، قدرة فريدة على الجمع بين النص والعقل، وبين الوحي والتفكير المنهجي، دون الوقوع في تطرف عقلاني ينزع القداسة عن النص، ولا في حرفية جامدة تعادي السؤال .
هذا التوازن هو ما يجعل المنهج الأشعري قابلًا للتوظيف في بناء خطاب كلامي معاصر، يواجه الشبهات الفكرية، ويحاور الفلسفات الحديثة، ويحصّن الشباب من السقوط في براثن التطرف أو الإلحاد، عبر تقديم فهم عميق للإيمان، لا يقوم على الخوف والتكفير، بل على القناعة والطمأنينة .
كما أن استلهام التراث الأشعري يسهم في إعادة الاعتبار لأخلاقيات الاختلاف داخل المجال الديني، حيث يصبح الخلاف ظاهرة صحية، لا مبررًا للتبديع والتخوين، وحيث يُنظر إلى التنوع المذهبي بوصفه ثراءً فكريًا، لا تهديدًا للوحدة .
فالوحدة التي دافعت عنها الأشعرية ليست وحدة قسرية قائمة على إلغاء الآخر، بل وحدة جامعة، تستوعب التعدد في إطار أصول مشتركة، وتدير الاختلاف بآليات علمية وأخلاقية .
إن السلم المجتمعي، في المنظور الأشعري، ليس مجرد غياب للعنف، بل هو حالة من التعايش المبني على الاعتراف المتبادل، واحترام الانتماء الديني، وضبط الخلاف بضوابط العلم والعدل . ومن هنا، فإن الدفاع عن العقيدة الأشعرية اليوم هو دفاع عن نموذج حضاري للإسلام، يرفض تحويل الدين إلى أداة صراع، ويعيد توجيهه ليكون مصدر رحمة واستقرار وبناء .
وخلاصة القول، إن العقيدة الأشعرية أسهمت، عبر تاريخها، في حماية وحدة الأمة، وصيانة السلم المجتمعي، من خلال موقفها الواضح من التكفير، ومفهومها الرحب لأهل القبلة، ومعالجتها الرشيدة للقضايا الخلافية الكبرى، وعلى رأسها مسألة الإمامة .
وإن إحياء هذا التراث اليوم، بروح مقاصدية ومنهجية واعية، يشكل ضرورة فكرية ومجتمعية، لمواجهة تحديات التطرف والانقسام، وبناء خطاب إسلامي معاصر، يعيد للدين وظيفته الأصلية: هداية الإنسان، وعمارة الأرض، وتحقيق السلم بين الناس .
التعليقات