العقلية الإدارية البيروقراطية

تقارير
ذ محمد جناي25 أكتوبر 2020آخر تحديث : منذ شهر واحد
العقلية الإدارية البيروقراطية
رابط مختصر

ذ. محمد جناي
يقول المفكر المغربي عبدالله العروي في كتابه “مفهوم الدولة”، “إن البيروقراطية وسيلة فقط؛ قد تستعمل في صالح الحرية وقد تستعمل لصالح القمع العنيف، حسب الظروف العامة، وحسب حجم ونظام وأخلاقية البيروقراطية ذاتها”.

شاع مفهوم ” البيروقراطية ” بفضل عالم الاجتماع ماكس فيبر (1864-1920)، ويُعتبر ماكس ويبر أحد أهم المفكرين في النظرية التنظيمية الحديثة، ويطلق عليه “أب نظرية الإدارة البيروقراطية، وقد كان مفكراً اقتصادياً وسياسياً ألمانياً لامعاً نظر إلى البيروقراطية بإيجابية واضحة، معتقداً أنها أكثر عقلانية وكفاءة من النظريات التنظيمية السابقة، وأطلقه في البداية على كل أشكال التنظيم الهيكلي الفوقي الخاضع لسلطة مركزية عليا لها كامل الصلاحيات، في حين لا تتمتع المستويات الدنيا من الهرم البيروقراطي بأي صلاحيات إلا عن طريق التفويض، وليس لها أن تناقش التعليمات والأوامر الصادرة عن قمة الهرم.

ونجد في كلمة بيروقراطية الجذر اللغوي الفرنسي(bureau) وتعني المكتب، واللاتيني (kratos)، وتعني السلطة، مما يحيل إلى ارتباطها الوثيق بالسلطة مع ما يترتب عليها من قوانين فوقية، ومن غياب لمفهوم الانتخاب كأداة من أدوات إسناد الصلاحيات الذي يتم غالبا بالتعيين والتسمية وبطرق ملتوية، فالبيروقراطيةالإدارية: مصطلح يشير إلى وجود نظام إداري معقد يحوي عمليات متعددة الطبقات، وتم تصميم هذه الأنظمة للحفاظ على الضوابط والتماثل داخل المنظمات.

فالبيروقراطية إذن تعني الجهاز التنظيمي، الذي يحتوي على هيكل تنظيمي متكون من مكاتب منظمة تنظيما هرميا، ومتخصصة في القيام بواجبات ومسؤوليات محددة تحكمها قواعد معينة، ويهدف هذا الجهاز التنظيمي، إلى تنفيذ السياسات العامة للحكومة والمنظمات الاجتماعية، وتحقيق الأهداف المرسومة،ويشكل هذا الجهاز التنظيمي من الأفراد المتخصصين، الذين يتصرفون ويعملون وفقا للقوانين والإجراءات التي وضعها لهم التنظيم الرسمي بالدولة.

وإذا كانت الحكومات تتغير، والقادة السياسيين يتعاقبون على كرسي القيادة، وأمور الشعوب تبقى سائرة، والأجهزة تشتغل بصفة منتظمة، فذلك يعزى -دون شك- إلى البيروقراطيين الذين يتقيدون بتطبيق القوانين، وتلبية رغبات المواطنين الذين تتنوع مطالبهم بحسب احتياجاتهم، وتبتدئ من يوم استخراج شهادة الميلاد إلى يوم طلب شهادة الوفاة.

والاتجاه السائد الآن في الدول المعاصرة ،هو أن يتكامل العمل السياسي مع العمل الإداري، فالقيادة الحزبية تقوم بوضع السياسات العامة للدولة، والبرلمانات تقوم بدراستها وإعطائها الصبغة الشرعية، ثم تحول تلك القرارات السياسية والتشريعية إلى الجهاز البيروقراطي، لكي يقوم بتنفيذها ووضعها حيز التنفيذ.

وعندما يتطرق المواطن في أحاديثهم الخاصة والعامة إلى التعقيدات الإدارية، يلاحظ بأن أصابع الاتهام تتجه في معظم الأحيان إلى البيروقراطية، التي تزيد الأمور تعقيدا، في حين أن البيروقراطية جاءت أساسا لحل مشكلة التعقيدات الإدارية، ويبدو أن هذا الاستنتاج في محله لأن التعقيدات في المساطر الإدارية هي التي أدت إلى نشوء البيروقراطية.

ولعل المشكل الكبير الذي يواجه أي مواطن يتعامل ويتفاعل مع الجهاز الإداري البيروقراطي هو أن اتساع نطاق الخدمات الاجتماعية وحتمية إنشاء أجهزة ومؤسسات إدارية عملاقة وقادرة على تلبية حاجات المواطنين، يقود في معظم الأحيان إلى تطبيق القوانين حرفيا وبدون مراعاة لوضعيات المواطنين، وإجبار السكان على الخضوع لرغبات وتعنت الموظفين البسطاء الذين يحجمون عن تقديم الخدمات إلا إذا اكتملت الملفات والوثائق المطلوبة، وبطبيعة الحال، فإن توسع حجم المؤسسات وتفرعها وازدياد عدد الموظفين ،ينتج عن عنهما تداخل الاختصاصات واستفحال ظاهرة الروتين والتعامل مع الجمهور وفق قوانين وإجراءات دقيقة ومعقدة توضع بقصد تسهيل عملية التحكم في المواطنين وليس بقصد تمكين المواطن من الحصول على خدمات رفيعة وفي المستوى والوقت المطلوب.

من هذه الخلاصة عن قواعد العمل البيروقراطي، نخرج بفكرة واضحة عن حقيقة البيروقراطية، وهي أنها ليست سيئة أو عبارة عن تعقيدات مكتبية وإدارية، وانحرافات قيادية، كما يتصور معظم الناس، فالبيروقراطية عبارة عن تنظيم إداري يقوم على أساس تحقيق الأهداف العامة للمجتمع، وتطبيق القوانين التي سنتها القيادة السياسية، ووافقت عليها السلطة التشريعية نيابة عن إرادة الشعب، وهي في الحقيقة أداة طيعة في يد أصحاب السلطة، بصفتهم مخططون والبيروقراطيون هم المنفذون وتستخدم بأسلوب ولاغراض خيرة، فتعد نعمة أو العكس فتعد نقمة.

الجوانب السلبية في العمل البيروقراطي
وبما أننا تعرضنا لبعض الجوانب السلبية في العمل البيروقراطي، فلابد أن نتوسع في الموضوع، ونأتي على ذكر بعض المساوئ البيروقراطية، التي دفعت بالمواطنين في كل بلد، إلى أن يظهروا تخوفهم واستياءهم من استفحال نفوذها، وخطرها على المجتمعات الحديثة.

أولا: الاتجاه لحماية الذات والولاء للرؤساء وليس للوظيفة
وهو أن كبار الموظفين في أية حكومة، يميلون إلى فكرة الاستئثار بالسلطة، والشيء المهم بالنسبة لهم هو حماية أنفسهم وترضية الموالين لهم وليس للوظيفة العامة، وكما أن استئثار الرؤساء بالسلطة، يدفع المرؤوسين إلى أن يقوموا بأدوار سلبية، وذلك على أمل أن يأتي دورهم ،ويصبحوا في المستقبل رؤساء، ويقوموا بتمثيل نفس الدور مع مرؤوسيهم انتقاما لأنفسهم، وطبعا، وطبعا لا يمكن معالجة هذا الضعف عن طريق التشريعات أو الأنظمة.

ثانيا: التمسك بحرفية القوانين والتنظيمات والتهرب من المسؤولية
في الحقيقة ، للبيروقراطي الحق في حماية نفسه من العقاب ،وعدم المخاطرة بمستقبله، ولكن المشكل هو أن جمود القوانين وصعوبة تطبيقها بسبب عدم تشابه الحالات، وغموضها في بعض الأحيان، كل ذلك يدفع بالبيروقراطي إلى استغلال النقاط لصالحه، وإظهار حرصه على تطبيق القوانين بدقة، وهذا يؤدي -في معظم الأحيان – إلى شلل الجهاز الإداري، في حين نجد البعض منهم يستخدمها حسب مزاجه، ويتباهى في إظهار نفوذه وتحكمه في مصير المواطن ،لأنه يدرك جيدا أن قوة القانون هي امتداد لقوته وتفوقه على الآخرين.

ثالثا: التحايل على القانون
إن انتعاش الوساطة والمحاباة في الوظيفة ،قد حطم جميع المقومات الأساسية للأجهزة البيروقراطية، وليست هناك مبالغة إذا قلنا: أن التباين في تطبيق القوانين والتسامح بشأن البعض الأفراد وتعقيدها بالنسبة لأفراد آخرين غير محظوظين، هو الذي يحطم معنويات الناس ويجعلهم يمتعضون من هذا التناقض الموجود في الأجهزة البيروقراطية .

رابعا: التجاوب البطيء مع التغيرات الاجتماعية
إن أكبر مشكلة تواجه الإدارة المعاصرة في الدول النامية، هي قضية مراجعة القوانين وتحديثها، بحيث تتماشى مع التغيرات الاجتماعية وروح العصر، والتي تعتبر من أكبر العراقيل التي تواجه البيروقراطي، الذي لايستطيع أن يغير مجرى الأمور، ويستجيب لطلبات المواطنين حتى ولو كان متفهما لمطالبهم المشروعة.

خامسا: عدم المبالاة والإهمال
لعل الشيء المدهش في تصرفات بعض البيروقراطيين ،هو الاهتمام بالأشياء الذي تهمه ويحلو لهم أن يقوموا بها ،وأما الاهتمام بالمواطن وتقديم الخدمات إليه، في الوقت الذي يحتاج إلى أية وثيقة من الإدارة ،فلا تؤخذ بعين الاعتبار، والظاهر أن هذا المشكل أخلاقي أكثر مما هو تنظيمي أو وظيفي.

سادسا: تعقيد الإجراءات
عندما تتراكم المشاكل ويصعب إيجاد الحلول الملائمة لها، يلتجئ البيروقراطي إلى القيود، التي تحد من كثرة الطلب على الخدمات الممنوحة، والتسهيلات التي كانت تقدم في السابق، والبيروقراطيون يعرفون بطبيعة الحال أسرار المهنة التي يحتفظون بها لأنفسهم، ولا يضعون إلا الإجراءات الصعبة التي تخدم أغراضهم وتزيد في نفوذهم وقوتهم تجاه المواطنين، الذين يتعين عليهم احترام القوانين والتمشي مع ما جاء فيها.

سابعا: المركزية الشديدة في صنع القرارات
خلقت فجوة كبيرة بين المخططين والمنفذين، لأن التخطيط على الورق يختلف عن الواقع المعاش، ولهذا فإن البيروقراطيين الذين تسند إليهم مهمة تطبيق السياسات المسطرة يعانون من صعوبة الالتزام بالإجراءات المسطرة والملائمة، بين ما جاء فيها وبين الاستجابة للإحتياجات الاجتماعية، وبسبب هذا النوع من الإجراءات الصارمة ،الآتية من الإدارات المركزية، وانعدام تفويض السلطة، تصعف الروح المعنوية لدى المرؤوسين وتتراكم المشاكل، وتعجز الكفاءات الإدارية عن تحقيق الأهداف المطلوبة منها.

ثامنا: هجرة الكفاءات من القطاع العام بسبب قلة الحوافز
فالمؤسسات تقوى أوتضعف نتيجة للنوعية في الإطارات، التي تلتزم برسالتها الإنسانية وخدماتها الجليلة للمجتمع، فإذا فقدت عناصرها الحية ،فإنها تكون قد فقدت مقدرتها على تقديم الخدمات الرفيعة، وفي الواقع أن انخفاض مستوى الأداء، بسبب هجرة الكفاءات الجيدة إلى القطاعات الاقتصادية، التي تدفع رواتب أعلى لم يعد هو المشكل الرئيسي الذي يؤثر على مسار التنمية الاجتماعية بأي بلد، بل إن المشكل الآن أصبح يكمن في في هروب أصحاب الكفاءات النوعية إلى الخارج، والبحث عن من يشجعهم معنويا وماديا ،ويوفر الظروف المناسبة لتحقيق طموحاتهم في الحياة.

وتبدو البيروقراطية إذن، بما هي سلطة المكاتب والتنظيم الإداري التراتبي ووحدانية وصرامة التعليمات، سلاحا ذا حدين؛ فقد تستخدم لتعزيز العدالة والمساواة وسيادة القانون، وقد تكون عقبة أمام التنمية بأبعادها السياسية والاقتصادية والاجتماعية والحقوقية. يقول المفكر المغربي عبدالله العروي في كتابه “مفهوم الدولة”، “إن البيروقراطية وسيلة فقط؛ قد تستعمل في صالح الحرية وقد تستعمل لصالح القمع العنيف، حسب الظروف العامة، وحسب حجم ونظام وأخلاقية البيروقراطية ذاتها”، ويؤكد أن “الدولة العربية الحالية متأرجحة بين نمطين: السلطانية المملوكية والتنظيمية العقلية، بل تبدي في الواقع ملامح النمطين معا”.

ختاما:
ولمواجهة التعقيدات البيروقراطية ،يتعين على القادة السياسيين والبرلمانيين، أن يتخذوا الإجراءات الضرورية للحد من التعقيدات البيروقراطية، ويعملون على تبسيط إجراءات العمل اليومية، ولكن الواقع يؤكد أن الجهاز البيروقراطي جهاز مهني متخصص في الإدارة، وتنفيذ السياسات الحكومية ،وبصفته يحتل مواقع استراتيجية، فإن البيروقراطيين يعتبرون أداة من أدوات النفوذ لكن من يريد أن يبقى في الحكم، ويتحكم في مجرى الأمور ببلاده ،وكما قال أحد الأساتذة، فإن مظاهر السلطة السياسية لاتكتمل في معظم البلدان، إلا من خلال السيطرة على الجهاز البيروقراطي، وضمان ولائه وانقياده لمتطلبات النظام السياسي الحاكم في البلاد، ونجد في النظرية الماركسية مايتماشى مع هذا الطرح حيث تذهب أن البيروقراطية تماثل الدولة تماما، حيث انه لا يمكن الفصل بين الإثنتين، لأن الدولة تعتمد على البيروقراطية وتعتبرها أداة أو وسيلة لممارسة سيادتها على الطبقات الاجتماعية ، والدولة في المفهوم الماركسي لاتمثل المصلحة العامة، ولاتمثل إلا المصالح الخاصة بالطبقة الحاكمة.

وعليه، فإن ماركس يختلف مع هيجل “البيروقراطية جسر يربط بين الشعب والحكومة “، اختلافا كليا فهو يعتقد أن دور البيروقراطية يتمثل في فرض سيطرتها وتفوقها على جميع المنظمات الاجتماعية التي تخضع للدولة، كما أن وظيفتها الأساسية تنحصر في المحافظة على الامتيازات التي حققها أصحاب النفوذ والسلطة في المجتمع، وعليه وبصريح العبارة، فإن ماركس يرى أن مصير البيروقراطية مرتبط بمصير الطبقة الحاكمة، التي تتحكم في المجتمع عن طريق الجهاز البيروقراطي المسخر لخدمتها وتدعيم مصالحها، وعليه فإن البيروقراطية الحكومية، كما يؤكد الخبراء تعتبر في واقع الأمر معلما بارزا من معالم السيادة الوطنية، في مجتمعات تتميز بالصراعات الداخلية والمحسوبية وتضارب المصالح وهذا مايجعلها على الدوام مطمحا سياسيا هاما لكل من يستولي على الحكم، أو يسعى لخلق دولة عصرية تتسامى على الولاءات الإقليمية والفئات المتصارعة في المجتمع.

وبناء عليه، فإذا كانت البيروقراطية تعتبر بمثابة جهاز مهني متخصص في الإدارة، وتنفيذ السياسات فقط في الدول المتقدمة، فهي تعد في البلدان النامية مصدرا من مصادر السلطة السياسية.
ـــــــــــــــ
المراجع المعتمدة:
دور البيروقراطية في المجتمعات المعاصرة منشورات المنظمة العربية للعلوم الإدارية ،إعداد د. عمار بوحوش.
البيروقراطية النفطية ومعضلة التنمية منشورات عالم المعرفة 57 تأليف د. أسامة عبد الرحمن (مدخل إلى دراسة إدارة التنمية في دول الجزيرة العربية المنتجة للنفط).

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.